هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
يَقــول راجــي الصـَمدِ
علـــيٌّ بـــن أَحمَـــدِ
حَمــداً لمــن هَــداني
بـــالنُطق والبَيـــانِ
وأَشـــــرفُ الصــــَلاةِ
مـــن واهــب الصــِّلاتِ
عَلــى النَـبيِّ الهـادي
وآلـــــه الأَمجــــادِ
وبعـــــدُ فــــالكَلام
لحســـــنِه أَقســــامُ
وَالقَـــولُ ذو فنـــون
فــي الجَــدِّ والمجـونِ
وروضـــــةُ الأَريــــضُ
الســــجعُ وَالقَريـــضُ
وَالشـعرُ ديـوانُ العرب
وَكَــم أَنــالَ مـن أَرَب
فاِنسـِل إذا رُمـت الأدب
إِليــه مــن كُـلِّ حَـدَب
روايــــةُ الأَشــــعارِ
تَكسـو الأَديـبَ العـاري
وَترفــــعُ الوَضـــيعا
وَتكــــرمُ الشـــَفيعا
وتُنجــــحُ المآربـــا
وَتُصـــلحُ الموارِبـــا
وَتُطــــرب الإخوانـــا
وَتُــــذهِبُ الأَحزانـــا
وَتُنعــــشُ العُشـــّاقا
وَتـــؤنس المشـــتاقا
وَتَنســــَخ الأَحقـــادا
وَتُثبِــــتُ الـــودادا
وَتُقــــدمُ الجَبانـــا
وَتَعطِـــف الغَضـــبانا
وَتَنعَــــت الحبيبـــا
والرشـــأ الرَبيبـــا
وَخيــرُه مــا أَطربــا
مُســــتَمِعاً وأَعجَبـــا
وَهــــذه الأُرجــــوزَه
فـــي فنِّهــا وَجيــزَه
بَديعــــةُ الأَلفــــاظِ
تَســـــهُلُ للحُفّــــاظِ
تُطـــرب كـــلَّ ســامعِ
بحســـنِ لَفــظٍ جــامعِ
أَبياتُهــــا قصــــورُ
مـــا شــانَها قُصــورُ
ضــــمَّنتُها مَعــــاني
فــي عِشــرة الإخــوانِ
تشـــــرحُ للأَلبــــاب
محاســـــــــنَ الآدابِ
فــإنَّ حســنَ العِشــرَة
مــا حـازَ قَـومٌ عُشـرَه
وأكــــثرُ الإخــــوانِ
فـــي العصــر والأَوانِ
صـــــُحبَتُهم نِفــــاقُ
مـــا زانَهــا وِفــاقُ
يَلقــى الخَليــلُ خلَّـه
إذا أَتــــى محلَّــــه
بِظـــــاهرٍ مُمَـــــوَّهِ
وَبـــــاطنٍ مُشـــــوَّهِ
يَظهــرُ مــن صــداقتِه
مــا هـو فـوقَ طـاقتِه
وَالقَلــبُ منــه خـالي
كفــــارِغِ المَخـــالي
حتّـى إِذا مـا اِنصـرَفا
أَعـرض عَـن ذاكَ الصـَفا
وإن يكــن ثَــمَّ حَســد
أَنشــَبَ إِنشــاب الأسـد
فــي عِرضــِه مخــالبَه
مستقصـــياً مثـــالبَه
مُجتَهِــداً فــي غَيبَتِـه
لَــم يـرع حـقَّ غَيبتِـه
فَهـــذه صـــحبةُ مَــن
تَـراه فـي هَـذا الزَمن
فَلا تكــــن مُعتمـــدا
عَلـــى صــديقٍ أَبــدا
وان أَطقــــــــت أَلّا
تصــــحبَ منهـــم خِلّا
فإنَّـــــك الموفَّــــقُ
بــل السـَعيدُ المطلَـقُ
وإِن قصـــدتَ الصــُحبَه
فخـذ لهـا فـي الأُهبَـه
واِحــرِص علـى آدابهـا
تُعــدّ مــن أَربابِهــا
واِســتَنبِ عـن شـُروطها
تــوقَّ مِــن مَســخوطها
وإِن أَردت علمَهــــــا
وحــــدَّها ورَســــمَها
فاِســتملهِ مــن رَجَـزي
هَـذا البَـديعِ المـوجَزِ
فــــــإنَّه كَفيـــــل
بشـــــرحِه حَفيـــــلُ
فصـــــَّلتُه فُصــــولا
تقــــرِّبُ الوصــــولا
لمنهـــــــــجِ الآداب
فــي صــحبَة الأَصــحابِ
تَهــدي جَميــع الصـَحب
إِلــى الطَريـق الرَحـبِ
ســـمَّيتُه إِذ أَطربـــا
بنظمــــه وأَغرَبــــا
بنَغمــــةِ الأَغــــاني
فــي عِشــرة الإخــوانِ
وَاللَّــهَ رَبّــي أَســأَلُ
وهـو الكَريـم المفضـِلُ
إِلهـــاميَ الإمـــدادا
وَمَنحــــيَ الســـَدادا
قـالوا الصديقُ من صَدق
فــي حُبِّــه ومـا مَـذَق
وَقيـل مـن لـن يُطعَنـا
فــي قَـوله أَنـتَ أَنـا
وَقيــل لَفــظٌ لا يُــرى
معنـاه فـي هَذا الوَرى
وَفســـَّروا الصـــَداقَة
بــالحب حَسـبَ الطـاقَه
وَقـال مـن قـد أَطلقـا
هــيَ الــودادُ مُطلَقـا
وآخـــــرونَ نصــــّوا
بأَنَّهــــــا أَخـــــصُّ
وهـو الصـَحيح الراجـح
وَالحَــقُّ فيــه واضــحُ
إِذ خلَّــــة الصـــَديقِ
عنــد أولـي التَحقيـقِ
محبَّـــــةٌ بلا غَــــرَض
وَالصـدقُ فيهـا مُفـترض
وَمطلــقُ الحــبِّ أَعــم
ومــن أَبـى فقـد زَعـم
وَحــــدُّها المَعقـــولُ
عنـــديَ مـــا أَقــولُ
هــــيَ بلا اِشــــتباهِ
أُخـــوَّةٌ فـــي اللَــهِ
إِذا صـــحبتَ فاِصـــحب
ذا حســـــَبٍ وَنَســــَبٍ
رَبَّ صـــــَلاحٍ وَتُقــــى
يَنهــاه عَمّــا يُتَّقــى
مـــن غيبـــةٍ وغــدرِ
وَخدعـــــةٍ ومكـــــرِ
مهــــــــــذَّبِ الأَخلاق
يطــــــــــرُبُ للتَلاقِ
يحفـــظ حــقَّ غَيبتِــك
يَصـونُ مـا فـي عَيبتـك
يَزينُــه مــا زانَكــا
يَشــينُه مــا شــانَكا
يَظهــرُ منــك الحَسـَنا
وَيـــذكرُ المُستَحســَنا
وَيكتــــمُ المَعيبـــا
وَيحفــــظُ المَغيبـــا
يســـرُّه مـــا ســَرَّكا
ولا يُــــذيعُ ســــِرَّكا
إِن قــالَ قَــولاً صـدقَك
أَو قلــتَ أَنــتَ صـدَّقَك
وإِن شــــكوتَ عُســـرا
أَفـــدتَ منــه يُســرا
يَلقــــاكَ بالأَمــــانِ
مــن حــادِث الزَمــانِ
يُهــدي لَــكَ النَصـيحَة
بنيَّـــــةٍ صـــــحيحَه
خِلَّتُـــــه مُــــدانيَه
فــي السـِرّ والعَلانيَـه
صــــُحبتُه لا لِغــــرَض
فَـذاكَ فـي القَلـبِ مَرَض
لَــم يَتَغيَّــر إِن وَلـي
عـــن الـــودادِ الأَوَّلِ
يَرعــى عهـود الصـُحبَه
لا ســيَّما فـي النَكبَـه
لا يُســـلِمُ الصـــَديقا
إِن نــالَ يَومـاً ضـيقا
يُعيــنُ إِن أَمــرٌ عنـا
ولا يَفـــوهُ بالخَنـــا
يُــــولي ولا يعتـــذرُ
عمّـــا عليــه يَقــدِرُ
هَــذا هـو الأَخُ الثِقَـه
المســــتحقُّ للمِقَـــه
إِن ظَفِــــرت يَـــداكا
بـــه فكِـــد عِــداكا
فـــــإنَّه الســـــِلاحُ
والكــــفُّ والجَنـــاحُ
وَقَـــد رَوى الـــرُواةُ
الســــادةُ الثِقـــاةُ
عــنِ الإِمـام المرتضـى
ســيفِ الإلـه المُنتضـى
فــي الصـَحب والإخـوان
أَنَّهـــــمُ صـــــِنفانِ
إخــوانُ صــدقٍ وثقــه
وأَنفـــــسٌ مُتَّفِقَــــه
هــم الجنــاحُ واليـدُ
وَالكَهـــفُ والمســتَنَدُ
والأَهــــلُ والأقـــاربُ
أَدنَتهُـــمُ التَجـــارِبُ
ففَــــدِّهم بــــالروح
فــي القُـربِ والنُـزوحِ
واِســلُك بحيـث سـَلكوا
واِبـذل لهـم مـا تملكُ
فَلا يَــــروكَ مالكـــا
مــن دونِهــم لمالِكـا
فصــافِ مــن صــافاهم
وَنــافِ مــن نافــاهمُ
واِحفظهــــمُ وصـــنهمُ
واِنــفِ الظنـونَ عنهـمُ
فهـم أَعـزُّ فـي الـوَرى
إِن عــنَّ خطــبٌ وعَــرا
مــن أَحمــرِ اليـاقوتِ
بــل مــن حَلالِ القـوتِ
وإخـــــوةٌ للأنـــــسِ
وَنيـــلِ حــظِّ النَفــسِ
هُــم عُصـبة المُجاملَـة
لا الصـدقِ في المعاملَه
منهــم تصــيبُ لــذَّتَك
إذا الهمـــوم بــذَّتَك
فصــِلهم مــا وَصــَلوا
واِبـذل لهـم ما بَذلوا
مِــن ظــاهرِ الصـداقَه
بالبِشـــر والطَلاقَـــه
ولا تَســَل أَن أَظهــروا
للــودِّ عَمّــا أَضـمَروا
وأَطــوِهم مــدَّ الحُقـب
طــيَّ الســجلِّ للكُتُــب
وَقــال بشــرُ الحـافي
بـــل عِــدَّةُ الأَصــنافِ
ثَلاثـــــةٌ فـــــالأَوَّلُ
للــدينِ وهــو الأَفضـلُ
وآخَـــــر للــــدُنيا
يَهــديك نَجـد العُليـا
وَثـــــالِثٌ للأُنـــــسِ
لكـــونه ابــنَ جنــسِ
فــاِعطِ كلا مــا يَجِــب
وعــن سـِواهم فـاِحتَجِب
صــــَداقَةُ الإخــــوانِ
الخلَّــــصِ الأَعــــوانِ
لهـــا شـــُروطٌ عِــدَّة
علــى الرَخـا والشـِدَّه
الرِفــــقُ والتلطُّـــفُ
والــــودُّ والتعطُّـــفُ
وكــــثرةُ التعهُّــــدِ
لهـــم بِكُـــلِّ معهــدِ
البِــــرُّ بالأَصــــحابِ
مــن أَحكــم الأَســبابِ
والنُصــــح للإخـــوانِ
مــن أَعظــمِ الإحســانِ
والصـــدقُ والتصــافي
مــن أَحســن الأَوصــافِ
دع خــــدع المـــودَّه
لأَوجـــــهٍ مُســـــودَّه
فـــالمحضُ فــي الإخلاصِ
كالــــــــذَهب الخِلاصِ
حفـظُ العهـود وَالوَفـا
حــقٌّ لإِخــوان الصــَفا
عــــاملهُمُ بالصـــِدقِ
واِصــحب بحسـنِ الخُلـقِ
والعَـــدلِ والإنصـــافِ
وقِلَّــــــــــةِ الخِلافِ
ولاقِهــــم بالبِشــــرِ
وحيِّهــــم بالشــــُكرِ
صــِفهُم بمــا يُستحسـَنُ
وأَخــفِ مــا يُســتهجنُ
وإن رأَيــــتَ هفـــوَه
فاِنصــحهُمُ فــي خَلـوَه
بـــالرَمزِ والإِشـــاره
وأَلطَــــفِ العبـــارَه
إِيّـــاكَ والتَعنيفـــا
وَالعَـــذَلَ العَنيفـــا
وإِن تُـــرِد عتـــابَهم
فَلا تُســــئ خطـــابَهُم
وأَحســــنُ العِتــــاب
مــا كــانَ فـي كتـابِ
فـالعتبُ فـي المشافَهه
ضــَربٌ مــن المُسـافهه
وعــن إِمــام النحــل
قاتِـــل كـــلِّ مَحـــلِ
عــاتب أَخـاكَ الجـاني
بــــالبِرِّ والإِحســـانِ
حــافِظ علــى الصـَديق
فــي الوِسـع والمضـيقِ
فهــو نَســيبُ الــروح
ومَرهَــــمُ الجــــروحِ
وَفـي الحَـديث النـاطقِ
عــن الإِمــام الصـَادِقِ
مــن كــانَ ذا حَميــمِ
نجـــا مــن الجَحيــمِ
لقــول أَهــل النــارِ
وعصــــبةِ الكفّــــارِ
فمــا لنـا مـن شـافع
ولا صــــديق نــــافِعِ
والقــربُ فــي الخَلائِقِ
أَمــنٌ مــن البــوائقِ
فقــــارب الإخوانـــا
وكــن لهــم مِعوانــا
لا تَســـمع المَقـــالا
فيهـــم وإِن تَـــوالى
فمــن أَطــاعَ الواشـي
ســـارَ بليـــلٍ غــاشِ
وضــــيَّع الصــــَديقا
وكــــذَّب الصــــدِّيقا
وإِن ســـــــمعتَ قيلا
يحتمـــلُ التـــأويلا
فــاِحملُهُ خَيــرَ محمِـل
فعــلَ الرجـال الكمَّـلِ
وإن رأَيــــت وَهنـــا
فلا تَســــُمهم طعنـــا
فــــالطعن بـــالكلام
عنـــد أُولـــي الأَحلامِ
أَنفــذُ فــي الجنــان
مــن طعنــة الســِنانِ
فعـــدِّ عـــن زلّاتهــم
وســـدَّ مـــن خِلّاتهــم
ســل عنهـم إِن غـابوا
وزرهــــم إِن آبـــوا
واسـتَنبِ عـن أَحـوالهم
وعــفَّ عــن أَمــوالهم
أَطعهـــمُ إِن أَمـــروا
وصـــِلهُم إِن هَجَـــروا
فقــــاطعُ الوِصــــالِ
كقــــاطع الأَوصــــالِ
إِن نصـــحوك فاقبَـــلِ
وإِن دَعَـــوا فأَقبِـــلِ
واِصــدقهمُ فـي الوَعـدِ
فــالخُلفُ خُلـقُ الوَغـدِ
واِقبَل إذا ما اِعتَذَروا
إِلَيـــكَ مِمّــا يُنكَــرُ
واِرعَ صـــلاحَ حـــالِهم
واِشـفق علـى إِمحـالِهم
وَكُـــن لهــم غياثــا
إِذا الزَمـــان عاثــا
وأَعطِهــم مــا أَمَّلـوا
إِن أخصـَبوا أَو أَمحَلوا
حَقيقــــةُ الصــــَديقِ
تُعــرفُ عنــد الضــيقِ
وَتُخــــبرُ الإِخــــوانُ
إِذا جَفـــا الزَمـــانُ
لا خَيـــرَ فــي إِخــاء
يَكــونُ فــي الرَخــاءِ
وإنَّمــــا الصـــَداقَه
فــي العُسـر والإِضـاقَه
لا تُــــدخَرُ المـــودَّه
إِلّا ليــــوم الشـــِدَّه
ولا تُعــــدُّ الخِلَّــــه
إِلّا لِســــَدِّ الخلَّــــه
أَعِــن أَخــاك واِعضــدِ
وكـــن لــه كالعَضــُدِ
لا ســـيَّما إِن قَعـــدا
بـــه زَمـــانٌ وعَــدا
بئس الخَليـلُ مـن نَكَل
مــن خِلِّــه إِذا اتَّكـل
لا تجـفُ فـي حـالٍ أَخـا
ضــنَّ الزَمـانُ أَو سـَخا
وَإِن شــَكا مــن خَطبِـهِ
فــزِد مـن اللُطـف بِـهِ
واِســعَ لكشــف كُربتِـه
واِحفَــظ عهـودَ صـُحبتِه
وَكُـــن لــه كــالنور
فــي ظُلمَــةِ الـدَيجورِ
ولا تَــــدع ولا تَـــذر
مـا تَسـتَطيعَ مـن نَظـر
حتّـــى يَــزولَ الهــمُّ
وَيُكشـــــَفَ المُلِــــمُّ
إِنَّ الصــَديقَ الصـادِقا
مــن فــرَّج المَضـايقا
وأَكــــرمَ الإِخوانـــا
إذا شـــَكوا هَوانـــا
وأَســــعفَ الحَميمـــا
وَحَمَــــل العَظيمــــا
وَأَنجــــدَ الأَصـــحابا
إِن رَيــبُ دَهــرٍ رابـا
أَعــــانَهم بمــــالِهِ
وَنَفســـــِهِ وآلِـــــهِ
ولا يُــــرى مُقصــــِّرا
فــي بـذل مـالٍ وقِـرى
فعـــلَ أَبــي أمــامَه
مَــع خِلِّــهِ الحَمــامَه
فـــإن أَردتَ فاِســـمَعِ
حــديثَه كيمــا تَعــي
رَوى أُولـــو الأَخبــارِ
وَنــــاقِلو الآثــــارِ
عــن سـِرب طيـرٍ سـارب
مـن الحَمـام الراعـبي
بكَّـــرَ يومــاً ســَحرا
وَســار حتّــى أَصــحَرا
فـــي طَلَــبِ المعــاشِ
وهــو ربيــطُ الجــاشِ
فأَبصـَروا علـى الثَـرى
حبّـــاً مُنقّــى نُثِــرا
فأَحمَـــدوا الصــَباحا
واِســتيقَنوا النَجاحـا
وأَســــرَعوا إليــــهِ
وأَقبَلــــوا عليــــهِ
حتّـى إِذا مـا اصـطَفّوا
حـــــذاءَهُ أَســــفّوا
فَصــاحَ منهــم حــازمُ
لنُصـــــــــحِهم مُلازمُ
مهلاً فكــم مِــن عَجَلَـه
أَدنَـــت لحــيٍّ أَجلَــه
تمهَّلـــوا لا تَقعـــوا
وَأَنصـِتوا لـي واِسمَعوا
إِليَّـــــةً بـــــالرَبِّ
مــا نـثرُ هَـذا الحَـبِّ
فــــي هــــذه الفَلاةِ
إِلّا لخَطـــــبٍ عــــاتِ
إِنّــــي أَرى حبـــالا
قـــد ضــُمِّنَت وبــالا
وَهـــــذه الشــــِباكُ
فـــي ضـــِمنِها الهلاكُ
فَكابـــدوا المجاعَــة
وأَنظِرونــــي ســـاعَه
حتّـــى أَرى وأَختَبِـــر
والفَـوزُ حـظُّ المصـطَبِر
فأَعرَضــوا عــن قَـولِهِ
واِستضـحكوا مـن هَـولِهِ
قـالوا وقد غَطّى القدر
للسـَمعِ منهـم والبَصـَر
لَيـسَ علـى الحَـقِّ مِـرا
حـــبٌّ مُعـــدُّ للقِــرى
ألقــيَ فــي التُــرابِ
للأَجــــرِ والثَــــوابِ
مــا فيـه مـن محـذورِ
لجـــــائعٍ مضــــرورِ
أَغــدوا علـى الغـداءِ
فــــالجوعُ شـــَرُّ داءِ
فَســــَقطوا جَميعــــا
للقطـــــه ســــَريعا
ومــا دروا أَنَّ الـرَدى
أكمِـنَ فـي ذاك الغَـدا
فوقعــوا فـي الشـَبَكَه
وأَيقَنـــوا بــالهَلَكه
وَنَــدِموا ومـا النَـدم
مُجــدٍ وقـد زلَّ القـدَم
فأَخــذوا فــي الخَبـطِ
لحــــلِّ ذاكَ الرَبـــطِ
فــــاِلتوتِ الشـــِباكُ
واِلتفَّــــت الأَشـــراكُ
فقـــالَ ذاكَ الناصــحُ
مــا كُــلُّ سـَعيٍ ناجـحُ
هَــذا جـزاءُ مـن عَصـى
نَصــــيحةً واِنتَقَصـــا
للحـــرصِ طَعـــمٌ مُــرُّ
وشــــــرُّه شــــــِمِرُّ
وكـــم غَــدَت أمنيّــه
جالِبَـــــةً مَنيَّـــــه
وَكَــم شــقاً فـي نِعـم
وَنقـــمٍ فـــي لُقَـــمِ
فَقــــالَت الجَمـــاعَه
دَعِ الملامَ الســـــاعَه
إِن أَقبـــل القنّـــاصُ
فمـــا لنـــا منــاصُ
وَالفكــرُ فـي الفَكـاكِ
مــــن ورطـــةِ الهَلاكِ
أَولــــى مـــن الملامِ
وكـــــــــثرة الكَلامِ
ومــا يُفيــدُ اللاحــي
فــي القَــدَر المُتـاحِ
فاِحتـــل علــى الخلاصِ
كحيلــةِ ابــن العـاصِ
فقـــال ذاكَ الحــازِمُ
طـــوع النَصـــيح لازِمُ
فــإن أَطعتُــم نُصــحي
ظفرتُــــم بالنُجــــحِ
وإِن عصـــيتُم أَمـــري
خــــاطرتُمُ بـــالعُمرِ
فَقـــالَ كُـــلٌّ هـــاتِ
فكــركَ فــي النَجــاةِ
جميعُنـــــا مطيــــعُ
لمـــا تَـــرى ســَريعُ
وَليـــس كُـــلُّ وَقـــتِ
يضـــلُّ عقــلُ الثَبــتِ
فقـــالَ لا تَرتَبِكـــوا
فَتَســــتَمرَّ الشــــَبَكُ
واتَّفِقــوا فـي الهمَّـة
لهـــــذه المُلِمَّــــه
حتّـى تَطيـروا بالشـرك
وتــأَمنوا مـن الـدَرك
ثــــمّ الخَلاصُ بَعــــدُ
لكـــم علـــيَّ وعـــدُ
فقبلــــوا مقــــالَهُ
واِمتَثلــوا مـا قـالَهُ
واِجتَمِعـوا فـي الحركَه
واِرتفَعــوا بالشــَبكَه
فقـــال ســيروا عَجَلا
ســـيراً يَفــوتُ الأَجَلا
ولا تَملّـــوا فالمَلَــل
يعــوقُ وَالخَطــبُ جَلـل
فــــأمَّهُم وراحــــوا
كـــــأَنَّهم ريـــــاحُ
وأَقبَــــلَ الحَبّــــالُ
فـــي مشــيهِ يَختــالُ
يحســـبُ أَنَّ البَركـــه
قـد وَقَعَـت فـي الشَبكَه
فأَبصــــرَ الحَمامـــا
قـــد حلَّقَــت أَمامــا
وقلَّــــت الحِبــــالَه
وأَوقَعَــــت خَبــــالَه
فعـــضَّ غيظـــاً كفَّــه
علــى ذَهــاب الكُفَّــه
وَراح يَعـــدو خَلفَهــا
يَرجــو اللَحـاقَ سـفها
حتّــى إِذا مــا يَئِسـا
عــادَ لهــا مُبتَئِســا
وأَقبــــلَ الحَمــــامُ
كـــــأَنَّه الغَمــــامُ
علـــــى فلاة قفــــرِ
مـــن الأَنـــام صــفرِ
فَقــــالَت الحمـــامَه
بُشــــراكُم الســـَلامَه
هَـــذا مقــامُ الأَمــنِ
مــن كُــلِّ خـوفٍ يَعنـي
فــإن أَردتُــم فقَعـوا
لا يَعتَريكــــم جَـــزَعُ
فهــــذه المَومــــاةُ
لنــا بهــا النَجــاةُ
وَلـــي بهـــا خَليــلُ
إِحســـــانُه جَليــــلُ
يُنعــــمُ بالفِكــــاكِ
مــن رِبقــةِ الشــِباكِ
فلجــــأَوا إِليهــــا
ووقَعــــوا عليهــــا
فنــــادتِ الحمـــامَه
أَقبــل أَبــا أمــامَه
فــــأَقبلت فــــوَيره
كأَنَّهـــــا نُــــوَيره
تَقـــول مــن يُنــادي
أَبــي بِهَــذا الـوادي
قــال لهــا المُطــوّقُ
أَنــا الخَليـلُ الشـيّقُ
قــولي لهــا فليخـرجِ
وآذنيــــهِ بـــالمجي
فرجعــــــــت وأَقبلا
فـــأرٌ يهـــدُّ الجَبَلا
فأبصــــرَ المطوَّقـــا
فضــــمَّه واِعتَنقــــا
وَقـــال أَهلاً بــالفَتى
وَمَرحبــاً بمــن أَتــى
قـــدمت خَيــرَ مقــدم
علــى الصـَديق الأَقـدمِ
فاِدخـــل بيمــنٍ داري
وشــــرِّفَن مِقــــداري
واِنــزل برحــبٍ ودعـه
وجَفنــــةٍ مُدَعــــدَعَه
واِشــفِ جــوى القلـوبِ
بوصــــلكَ المطلـــوبِ
فالشــــوقُ للتَلاقـــي
قــد بَلَــغ التَراقــي
فقـــال كيــفَ أَنعَــمُ
أَم كَيـفَ يَهنـى المَطعَمُ
وَهَـــل يطيـــبُ عيــشُ
أَم هَـــل يقــرُّ طيــشُ
وأســرَتي فــي الأَســرِ
يَشـــكونَ كـــلَّ عُســرِ
أَعنـــاقُهم فــي غــلِّ
وكلُّهـــــم فــــي ذلِّ
فقــال مُرنــي أَئتمِـر
عَــداك نحــسٌ مُســتَمِر
قــال ِاقـرض الحِبـالَه
قَرضــــاً بلا مَلالَــــه
وخلِّــــص الأَصــــحابا
واِغتنـــم الثَوابـــا
وحُـــلَّ قيــدَ أَســرِهم
وَفُكَّهــم مِــن أَســرِهم
قــال أَمــرت طائِعــا
وَعبــــدَ ودٍّ ســـامِعا
فقــــرَضَ الشــــِباكا
وَقَطَّــــع الأَشــــراكا
وَخلَّــــصَ الحمامــــا
وَقَـــد رأَى الحِمامــا
فــــأَعلَنوا بحمـــدِه
واِعـــترَفوا بمَجـــدِه
فَقــال قُــرّوا عَينــا
ولا شــــكوتُم أَينـــا
وقــــدَّم الحُبوبــــا
للأَكـــلِ والمشـــروبا
وَقــــام بالضـــِيافَه
بالبِشـــر واللَطــافَه
أَضـــــافَهم ثَلاثــــا
مــن بعـدِ مـا أَغاثـا
فقــــال ذاك الخِـــلُّ
الخَيـــــرُ لا يُمَــــلُّ
فُقـــتَ أَبــا أمــامَه
جـوداً علـى ابـن مامَه
وجئتَ بالصـــــــَداقه
بالصـِدق فـوقَ الطـاقه
أَلبســـتنا أَطواقـــا
وزدتَنــــا أَطواقـــا
مــن فعلــكَ الجَميــلِ
وفضــــلك الجَزيــــلِ
مثلُـــك مـــن يُــدَّخَرُ
لِرَيـــب دهــرٍ يُحــذَرُ
وَيَرتَجيــــه الصـــَحبُ
إِن عــنّ يومــاً خطــبُ
فــــأذَن بالانصـــرافِ
لنــــا بلا تجــــافي
دامَ لــــك الإنعـــامُ
مـــا غــرَّد الحَمــامُ
وَدمــتَ مشـكور النِعـم
مــا رنَّ شــادٍ بنَغَــم
فقـــال ذاكَ الفـــارُ
جَفــا الصــَديقَ عــارُ
وَلَســتُ أَرضــى بُعـدَكم
لا ذقــتُ يَومـاً فقـدَكم
وَلا أَرى خِلافَكــــــــم
إِن رمتُــمُ انصــِرافَكم
عمَّتكُــــمُ الســــَلامَه
فــي الظعـن والإِقـامَه
فودَّعـــوا وانصــرفوا
وَالــدَمعُ منهـم يـذرفُ
فــاِعجب لِهَـذا المَثَـل
المُعــــرَب المؤثَّـــل
أَوردتُــــه ليُحتَـــذى
إذا عــرا الخــلَّ أَذى
الصــدقُ فــي الـودادِ
يَقضــــي بالاتِّحــــادِ
فــي النَعـتِ والصـِفاتِ
والحـــــالِ والهيئاتِ
فَيَكتَســــي المشـــوقُ
مــا كُســيَ المعشــوقُ
حتّـــى يُظَـــنُّ أَنَّـــه
مــن الحَــبيب كُنهُــهُ
لشـــــدَّةِ العلاقَــــة
وَالصـدقِ فـي الصـَداقَه
وَهـــــذه القضــــيَّة
فــي حُكمهــا مَرضــيَّه
أَثبتَهــــا البَيـــانُ
وَالنَقـــلُ والعيـــانُ
لــــذاكَ قـــال الأَوَّلُ
وَالحــــقُّ لا يــــؤوَّلُ
نحــن مــن المسـاعَدَه
نَحيــا بــروحٍ واحِـدَه
وَمثَّلــــوا بالجَســـَد
وَالــروحِ ذي التجــرُّدِ
فـالروح إِن أَمـرٌ عَنـا
تَقــولُ للجســم أَنــا
وقــال جــدُّ النــاظم
مســــتَنَدُ الأَعــــاظِمِ
مـن للعلـومِ قـد نَشـر
منصـور أسـتاذُ البَشـر
ولـــمُّ هَــذا الحكــم
لـــم يقــترن بعلِــمِ
وأَنَّـــه قـــد ظهــرا
مُشــــاهَدا بِلا مِـــرا
فمنــه مــا جَـرى لـي
فــي غــابر اللَيـالي
أَصــابَني يومــاً أَلَـم
مـن غيـر إِنـذارٍ أَلَـم
فــاِحترتُ منــه عَجبـا
لمّــا فقــدتُ السـَبَبا
واِســتغرقَتني الفِكَــرُ
حتّــى أَتــاني الخبَـرُ
أَنَّ صــَديقاً لــي عَـرض
لجســمه هــذا المـرض
فــاِزداد عنــدَ علمـي
تصــديقُ هَــذا الحُكـم
فالصــِدق فـي المحبَّـة
يــوجبُ هــذي النِسـبَه
فكــن صــَديقاً صـادِقاً
ولا تكــــن مُماذِقـــا
حتّــى تَقــولَ معلِنــا
إِنّـي ومَـن أَهـوى أَنـا
تــــزاوُرُ الإخــــوانِ
مِــن خــالِص الإيمــانِ
إِنَّ التـــآخي شـــجَرَه
لهــا التَلاقــي ثمَـرَه
لا تـــترك الزِيـــارَه
فتركُهــــا حَقــــارَه
كُــــــــــلُّ أَخٍ زَوَّارُ
وإِن تَنـــــــاءَت دارُ
وَقَـــــــد رأوا آراءَ
واِختَلَفـــوا أَهـــواءَ
فــي الحَــدِّ للزيـاره
وَالمـــدَّةِ المُختــارَه
فَقيـــلَ كـــلَّ يَـــوم
كالشــَمسِ بيـن القَـومِ
وَقيـــل كـــلَّ شـــَهرِ
مثــلَ طلــوع الشــَهرِ
وَقيــل مـا نـصَّ الأَثـر
عليــه نَصــّاً واِشـتهر
زر مـــن تحــبُّ غِبّــا
تَـــزدَد إِليــهِ حُبّــا
واِختلفــوا فـي الغَـبِّ
عَــن أَيِّ معنــىً يُنـبي
فَقيـــل عـــن أَيّــام
خَوفــاً مــن الإِبــرام
وقيـــل عــن أســبوعِ
وقفــاً علـى المَسـموعِ
وقيــل بـل معنـاهُ زُر
يومــاً ويومـاً لا تَـزُر
فاِعمــل بمــا تَــراه
فــي وَصـلِ مـن تَهـواهُ
وَزُر أَخـــاكَ عارفـــا
بحقّـــــه مُلاطفـــــا
وإِن حَلَلـــتَ مَنزلَـــه
فاِجعـل صَنيع الفضل لَه
واِقبَـل إِذا مـا رامـا
منــه لــك الإِكرامــا
فمــن أَبــى الكَرامـةَ
حلَّـــت بــه المَلامَــه
وإِن أَتــــــاكَ زائِرا
فــانهض إِليـه شـاكِرا
وَقُــل مقـالَ مـن شـكَر
فضــلَ الصــَديق وذكَـر
إِن زارَنـــي بفضـــلِهِ
أَو زرتُــــه لِفَضـــله
فالفَضلُ في الحالين له
وَوصـلُ مـن تَهـوى صـِلَه
وَالضـــمُّ والمصــافَحَه
مِــن ســُنَّة المُصـالحَه
أَو كــانَ يــومُ عيــدِ
أَو جــاءَ مــن بَعيــدِ
هَــذا هــو المَشــهورُ
يصــــنعُه الجمهـــورُ
وَقَــد أَتـى فـي الأَثَـرِ
عــن النَــبيِّ المُنـذِرِ
تصــــافُحُ الإخــــوانِ
يُســــــنُّ كـــــلَّ آنِ
مـا اِفترَقـا واِجتَمعـا
يغشـاهُما الخَيـرُ معـا
إن رمـــتَ أَن تُحــدِّثا
بِمــا مَضــى أَو حَـدَثا
لتــــؤنسَ الأَصـــحابا
فأَحســــِن الخِطابـــا
واختصـــرِ العِبـــاره
ولا تكــــن مهـــذارَه
واختَـــر مـــن الكَلامِ
مــــا لاقَ بالمقـــامِ
مــن فــائق العلــومِ
ورائِق المنظـــــــومِ
واِذكــر مـن المنقـولِ
مــا صـحَّ فـي العقـولِ
واِجتنـــب الغَرائِبــا
كــي لا تُظــنَّ كاذِبــا
وإِن أَخـــوكَ أَســـمَعا
فكـــن لــه مُســتَمِعا
واِلــزمَ لـه السـُكاتا
وأَحســــِن الإِنصـــاتا
ولا تكــــن ملتفتـــا
عنــه إِلـى أَن يَسـكُتا
وإِن أَتــــى بنقــــلِ
ســـمعتَه مـــن قَبــلِ
فَلا تَقُــل هَـذا الخَبَـر
علمتُــه فيمــا غَبَــر
ولا تكـــذِّب مـــا رَوى
وَدَع ســَبيلَ مــن غَـوى
المـــزح والـــدُعابَه
مــن شــيمِ الصــَحابَه
فـــإنَّه فــي الخَلــق
عنــوانُ حُســنِ الخُلـقِ
تــولي بــه السـُرورا
خَليلَـــك المَصـــدورا
فـاِمزَح مـزاحَ مـن قسَط
وَكُــن علــى حَـدٍّ وَسـَط
واِجتَنِـــب الإِيحاشـــا
ولا تَكُــــن فحّاشــــا
فــالفُحشُ فـي المـزاحِ
ضــــربٌ مــــن التَلاحِ
يجـــــرُّ للســــَخيمَه
والظنَّـــة الـــوَخيمَه
وَجــــانبِ الإكثـــارا
وحــــاذرِ العِثـــارا
فكــــثرةُ الـــدُعابَه
تــــذهبُ بالمَهـــابَه
وعــــثرةُ اللِســــانِ
توقــــع بالإِنســــانِ
واِحمــل مـزاحَ الإِخـوَه
وخــلِّ عنــكَ النَخــوَه
فالبَسـطُ فـي المصاحَبَه
يُفضـي إلـى المُـداعَبَه
وإِن ســـمعتَ نـــادِرَه
فلا تفُــــه ببـــادِرَه
لا تَغضـــبنَّ فالغَضـــَب
في المزح من سوء الأَدَب
واِنظــر إِلـى المَقـام
وَقـــــــــائِل الكَلامِ
فـــإن يَكُـــن وليّــا
وصـــــاحباً صــــَفيّا
فَقَــــولُه وإِن نَبـــا
فهـو الـوَلاءُ المُجتَـبى
وإِن يَكُــــن عــــدوّا
وكاشــــِحاً مجفــــوّا
فَقَـــــــولُه وإِن حَلا
لســـامعٍ هـــو البَلا
أَلا تَــــرى لِلعــــرب
تقــول عنــد العَجَــبِ
قـــاتَلَهُ اللَـــه ولا
تَقــولُ ذاكَ عــن قِلـى
إذا صــــَديقٌ طَرَقـــا
مــن غيـر وَعـدٍ سـبقا
فقَـــدّمَنَّ مـــا حضــَر
فَلَيـسَ فـي البِـرِّ خَطـر
ولا تَــــرُم تكلُّفــــا
خَيـرُ الطَعـام مـا كَفى
واِعلــم بــأَنَّ الألفَـه
مُســــقِطَةٌ للكُلفَــــه
وإِن دعـــوت فاِحتفِــل
ولا تَكــن كمَــن بَخِــل
وَقُـــم بحــقِّ الضــَيفِ
فـــي شـــَتوةٍ وصــَيفِ
واِســألهُ عَمّـا يَشـتَهي
مـــن طُــرَف التفكُّــهِ
وأتِ بمــــا يقـــترحُ
فـــاللُطف لا يُســتَقبَحُ
واِعمـــل بقــول الأَوَّلِ
الضـــَيفُ ربُّ المَنــزلِ
وأظهــــرِ الإِيناســـا
ولا تكــــن عبّاســــا
فالبِشـــرُ واللَطــافَه
خَيــرٌ مــن الضــِيافَه
وَخدمــــةُ الأَضــــيافِ
ســـــجيَّةُ الأَشــــرافِ
اِحــرص علــى سـُرورهم
بالبَســطِ فـي حضـورِهم
لا تشــكُ دهـراً عنـدهم
ولا تكــــدِّر وِردَهـــم
واِحلَــم عــن الخُـدّام
فـــي الفِعــل والكَلام
وإِن أَســاؤوا الأَدَبــا
كَــي لا يَــروكَ مُغضـَبا
وقــــدِّم الخِوانــــا
وأَكــــرِم الإخوانـــا
عـن انتظـارِ مَـن يَجـي
فَــذاكَ فعــلُ الهَمَــجِ
وَقَــد رووا فيمـا وَرَد
أَعظـمُ مـا يُضني الجَسَد
مـــــائِدَةٌ يُنتظــــرُ
بأَكلهــا مــن يَحضــرُ
آنِســـهُمُ فــي الأَكــلِ
فعــلُ الكَريـم الجَـزلِ
وأَطــــل الحَــــديثا
ولا تكــــن حَثيثــــا
فـــاللَبث بالطَعـــام
مـــن شــيمِ الكِــرامِ
وَشــــيِّع الأَضــــيافا
إِن طَلَبــوا انصــِرافا
وإِن دَعــاك مــن تُحـب
إِلـــى طَعــامٍ فــأَجِب
إِجابــــةُ الصــــديق
فــرضٌ علــى التَحقيـقِ
فــإن أَجبــتَ دَعــوتَه
فاِحـذَر وجـانِب جَفـوتَه
ولا تَــــزُر بصــــاحب
أَو أَحــــد الأَقـــارِبِ
واِجلِــس بحيـثُ أَجلسـَك
وأنَــس بـه مـا آنسـك
لا تــأبَ مِــن كرامتِـه
وكـــفَّ عــن غرامتِــه
إِيّــــــاكَ والتَنقيلا
ولا تكــــــــن ثَقيلا
لا تَحتَقِــر مـا أُحضـرا
ولا تَعــب مــا حَضــَرا
فالــــذَمُّ للطَعــــام
مــن شــيمةِ الطَغــامِ
لا تَحتَشــِم مــن أَكــلِ
كَفعــلِ أَهــلِ الجَهــلِ
مــا جيــءَ بالطَعــام
إِلّا للالتِقــــــــــامِ
عيــــادةُ العَليــــلِ
فــرضٌ علــى الخَليــلِ
فعُــد أَخــاكَ إن مَـرِض
واعمَـل بحكـم مـا فُرِض
وســَله عــن أَحــوالِه
بــاللُطف فــي سـؤالِهِ
وســـلِّه عمّـــا بِـــهِ
يســلُ عــن اِكــتئابِهِ
واِدعُ لــه بالعــافيهِ
والصـــَحَّةِ المــوافيَه
واِحــذر مـن التَطويـلِ
وضـــــَجرِ العَليــــلِ
فمُكـــثُ ذي الصــَداقَه
قــدرُ احتلاب النــاقَه
إِلّا إِذا مــا اِلتَمَســا
بِنفســـِهِ أَن تَجلِســـا
وَالعَـــودُ للعيـــادَه
بعــــدَ ثَلاثٍ عــــادَه
هَـــذا لِمَـــن أَحبّــا
وَإِن يَشــــا فغِبّــــا
وســـــنَّةُ المعتــــلِّ
إِيـــذانُ كـــلِّ خـــلِّ
ليقصـــدوا وِفـــادَتَه
وَيَغنَمـــوا عيـــادَتَه
وليَـــترُكِ الشـــِكايَه
وَيكتُــــم النِكـــايه
عــــن عـــائِدٍ وزائِرِ
فعـلَ الكَريـم الصـابرِ
وَليحمَــد اللَــه علـى
بلائِه بمـــا اِبتَلـــى
ليُحــــرزَ الثَوابـــا
والأَجـــرَ والصـــَوابا
تَواصــــُلُ الأَحبــــاب
فــي البُعـد بالكتـابِ
فكــــاتِبِ الإِخوانـــا
ولا تكُــــن خَوّانــــا
فتركُـــكَ المكـــاتَبه
ضــربٌ مــن المجـانَبَه
والبَـــدءُ للمســـافِرِ
فـي الكُتـبِ لا لِلحاضـِرِ
وَالــــردُّ للجــــواب
فــــرضٌ بلا اِرتيـــابِ
لا تَصـــحبنَّ الأَحمقـــا
المـــائقَ الشــَمَقمَقا
عـــدوُّ ســـوءٍ عاقــلُ
ولا صــــديقٌ جاهــــلُ
إنَّ اِصــطِحابَ المــائِق
مــن أَعظــمِ البـوائقِ
فـــــإنَّه لحُمقِـــــهِ
وغوصـــِه فــي عُمقِــهِ
يحــــبُّ جَهلاً فعلَــــه
وأن تكــــونَ مثلَـــه
يَستحســـنُ القَبيحـــا
وَيُبغــــضُ النَصـــيحا
بيـــــانُه فَهــــاهَه
وحِلمُـــــه ســــَفاهَه
وربَّمـــــا تمطّـــــى
وَكَشـــــَفَ المُغَطّــــى
لا يحفـــظُ الأَســـرارا
ولا يخــــافُ عــــارا
يَعجــبُ مـن غيـر عَجَـب
يَغضــبُ مـن غيـر غَضـَب
كـــــثيرُه وجيـــــزُ
ليـــس لـــه تَمييــزُ
وربَّمــــا إذا نَظَـــر
أَرادَ نَفعـــاً فأَضـــَر
كَفعــــل ذاك الـــدُبِّ
بخِلِّـــــهِ المحـــــبِّ
رَوى أُولـــو الأَخبــار
عـــن رجـــلٍ ســـيّارِ
أَبصـــرَ فــي صــَحراء
فســــيحةِ الأَرجــــاءِ
دُبّــاً عَظيمــاً موثَقـا
فـــي ســَرحةٍ معلَّقــا
يَعــوي عــواءَ الكَلـبِ
مـــن شـــِدَّةٍ وكَـــربِ
فـــأَدركتهُ الشـــَفقَه
عليــه حتّــى أَطلقَــه
وحلَّـــه مـــن قيــدِهِ
لأمنِـــه مـــن كيــدِهِ
وَنــام تحــت الشـَجَره
منـامَ مـن قـد أَضـجرَه
طـولُ الطَريـق والسـَفر
فَنـامَ مـن فَـرطِ الضَجر
فجــــاءَ ذاكَ الـــدُبُّ
عـــن وجهـــهِ يَـــذُبُّ
وَقـــال هَــذا الخِــلُّ
جَفـــــاهُ لا يحِـــــلُّ
أَنقــذَني مــن أَســري
وفـــكَّ قيـــدَ عُســري
فحقُّــــه أَن أَرصـــُدَه
مــن كُــلِّ سـوءٍ قصـدَه
فــــأقبلت ذُبــــابَه
تــــرنُّ كالرَبــــابَه
فـــــوقَعَت لحَينِــــه
علـــى شــفارِ عَينِــهِ
فَجـــاشَ غيــظُ الــدُبِّ
وَقـــــال لا ورَبّــــي
لا أَدعِ الـــــــذُبابا
يســـــومُه عَــــذابا
فأســــرَع الـــدَبيبا
لصـــــَخرةٍ قَريبــــا
فقَلَّهــــــــا وأَقبَلا
يَســـعى إِليـــه عَجِلا
حتّــــى إِذا حـــاذاهُ
صـــــكَّ بهــــا مَجلاهُ
ليقتُــــلَ الـــذُبابَه
مــن غيـر مـا إِرابَـه
فــرضَّ منــه الراســا
وفــــرَّق الأَضراســــا
وأَهلـــــــكَ الخَليلا
بقصـــــــدِه الجَميلا
فهــــذه الروايَــــه
تنهــى عــن الغـوايَه
فــي طَلــب الصــَداقَه
عنــد أُولـي الحَمـاقَه
إِذ كــانَ فعــلُ الـدُبِّ
هَـــذا لفــرطِ الحُــبِّ
وجــاءَ فــي الصــَحيح
نَقلا عــــن المَســـيحِ
عـــالجتُ كــلَّ أَكمَــهِ
وأَبَـــــرصٍ مشـــــوَّهِ
لكنَّنـــي لـــم أُطِــق
قَــــطُّ علاجَ الأَحمــــقِ
مَـــــودَّةُ البَخيــــلِ
جهــــلٌ بلا تأويــــلِ
يَســــــتكثرُ القَليلا
ويحـــــــرمُ الخَليلا
يبخــل إِن جــدبٌ عَـرا
ولا يجـــودُ بـــالقِرى
يمنـــعُ ذا الـــودادِ
مــــواردَ الإمــــدادِ
يَقـــول لا إِن ســـُئِلا
بخلاً ويــوليه القِلــى
يحرمُـــه مــا عنــدَه
ولا يُراعــــــــي ودَّه
إِن رامَ منـــه قَرضــا
رأَى البِعـــاد فَرضــا
يَضــــيقُ بالزَهيــــدِ
فــي الزَمــن الشـَديدِ
فصــــُحبةُ الشــــَحيحِ
تمســـــُّكٌ بالريــــحِ
لا تحســــب المـــودَّة
تحـــلُّ منـــه عُقــدَه
إِنَّ وجـــوهَ الحيلـــه
فــي البُخـلِ مُسـتحيلَه
واِســمع حَـديثاً عجبـا
قــد نقلتــه الأُدَبــا
فـي البُخـل عـن مُزيِّـد
مــع رَبــربٍ لتَهتَــدي
حَكــى أُولــو الأَخبـار
وَنــــاقِلو الآثــــارِ
عـــن غــادَةٍ عُطبــولِ
تلعــــبُ بــــالعقولِ
بطَرفهــــا الكحيـــلِ
وخصــــرها النَحيـــلِ
وخــــدِّها المــــورَّدِ
وَصــــدغِها المـــزرَّدِ
وَقــــدِّها القَضــــيب
ورِدفهــــا الكَـــثيبِ
وتَعمــــرُ المغـــاني
برنَّـــــة الأَغــــاني
كــانَت تُســمّى رَبرَبـا
تُحيــي النفـوسَ طَرَبـا
وكــــانَت الأَشــــرافُ
والســـادةُ الظِـــرافُ
يجمعهُــــم مَغناهـــا
ليســــمَعوا غِناهـــا
وكــان مَولاهــا فَــتى
بكـــلِّ ظـــرفٍ نُعِتــا
فــــاِجتَمعَت جمـــاعه
للبَســــطِ والخَلاعَـــه
واِسـتطردوا فـي النَقل
لــذكرِ أَهــلِ البُخــلِ
فـــاتَّفقوا بأَســـرِهم
أَن لَـم يَروا في عَصرِهم
ولا رأَوا فيمــا مَضــى
مـن الزَمـانِ واِنقضـى
بــل لا يكــونُ أَبَــدا
شَخصــــاً عَلا مزيِّـــدا
فـــي بُخلِــه والشــُحِّ
وحِرصـــــه المُلــــحِّ
فَقــــالَت الفَتــــاةُ
الغــــادةُ الأَنــــاةُ
إِنـــي لكــم كفيلَــه
بأَخــــذِه بـــالحيلَه
حتّــى يجــودَ بالـذَهب
وَيســـتقلَّ مــا وَهَــب
فَقــال مَولاهــا لهــا
أُشــهِدُ أَربـابَ النُهـى
إِن تخـــدَعي مُزيّـــدا
عَــن دِرهَــمٍ لا أَزيَـدا
لأنــــثرنَّ الــــذَهبا
عليــكِ حتّــى يَــذهَبا
قــالَت إِذا جــاءَ فلا
تحجِبـــه عنّـــي عجلا
وخــلِّ عنــكَ الغيــره
ولا تنفّــــر طَيــــرَه
فقــال أَقســَمتُ بمــن
حلّاكِ بــالخلقِ الحســَن
لأَرفعــــنَّ الغَيــــرَه
وَلَـــــو حَبــــاكِ أه
فأرســــلوا رســـولا
يســــأَله الوصـــولا
فجـــــاءَهم عَشــــيَّه
وأَحســــَنَ التَحيَّــــه
فــــأَهَّلوا ورَحَّبـــوا
حتّــى إِذا مـا شـَرِبوا
تَســاكَروا عَــن عَمــد
وَهوَّمـــوا عَــن قَصــدِ
كيمـا يَـروا وَيَسـمَعوا
لربـــربٍ مــا تصــنَعُ
فعنــــدَما رأَتهُــــمُ
قــد ســكِروا وهوَّمـوا
مـــالَت إِلــى مزيِّــدِ
بالبِشـــر والتـــودُّدِ
وأَقبلَـــــت عليــــه
مشـــــيرةً إِليـــــهِ
قــالَت أَبــا إِســحاق
نَعِمــــتَ بــــالتَلاقي
كــــأَنَّني بنفســــِكا
إِذ غرِقَـــت بأنســـِكا
تَهـــوى بــأن أغنّــي
ســار الفَريــقُ عنّــي
فَقــالَ زوجــي طــالقُ
وَخـــــدمي عتــــائقُ
إِن لَـم تكـوني عـارِفَه
بــالغيب أَو مكاشــفَه
فأَســــمعَتهُ وطَــــرِب
ثـــمَّ ســـقته فشــرِب
وَخــــاطبته ثـــانيه
بلطفهــــا مُـــدانيَه
قــالَت أَبــا إســحاق
يـــا ســيِّدَ الرِفــاقِ
إنّـــي أَظــنُّ قَلبَكــا
يَهــوى جلوسـي قُربَكـا
لتلثــــمَ الخـــدودا
وتَقطــــفَ الـــورودا
فَقــال مـا لـي صـَدقَه
واِمرأَتــــي مُطَلَّقـــه
إِن لَم تَكوني في الوَرى
مِمَّـــن مَضــى وغَبَــرا
عالمــــةً بــــالغَيبِ
حقّـــاً بغيـــرِ رَيــبِ
فنهضـــــَت إليـــــه
وَجلســـــَت لـــــدَيهِ
فضـــــــــمَّها وقبَّلا
وقـــال نلـــتُ الأَمَلا
يــا غُــرَّة الغَــواني
وَمُنتهــــى الأَمـــاني
تَفــديكِ أُمّــي وأَبــي
وكـــلُّ شـــادٍ مُطــربِ
فحيـــن ظنَّــت أَنَّهــا
قــد أَوســَعَته مَنَّهــا
قــالَت لــه أَلا تَــرى
لِزلَّـــةٍ لــن تُغفَــرا
مـــن هــؤلاء القَــومِ
فـي مثـل هَـذا اليـومِ
يَــــدعونني للطَـــربِ
وكلُّهـــم يــأنسُ بــي
وَلَـم يكـن منهـم فَـتى
للبِــرِّ بــي مُلتَفِتــا
فَيَشــــتَري رَيحانـــا
بـــــدرهمٍ مجّانــــا
فهــاتِ أَنــت دِرهَمــا
وَفُقهُـــــم تكرُّمــــا
فَقــامَ عنهــا وَوثــب
وَصـاحَ يَـدعو مِـن كَثَـب
وَقــال مـه أَي زانيَـه
صــُليتِ نــاراً آنيَــه
دنَّســتِ علــم الغَيــبِ
منـــكِ بكـــلِّ عَيـــبِ
فضـــــَحِكَ الأَقــــوامُ
مــن فعلِــهِ وقــاموا
وَعَلِمـــوا أَنَّ الخُــدَع
لَـم تُجدِ في ذاك الكُتَع
فــــأَقبلَت بـــاللَوم
عليــه بيــنَ القَــومِ
فســــبّها وأَغضــــبا
وَقــام عنهــم مُغضـَبا
فهــــذه الحِكــــايَه
تَكفـي أولـي الهِـدايَه
فــي شــيمة البَخيــل
وَدائِه الــــــــدَخيلِ
صــــَحابَةُ الكــــذّاب
كَلامِـــــع الســــَرابِ
يَخلـــقُ مـــا يَقــولُ
معلــــومُهُ مَجهــــولُ
يقــــرِّبُ البَعيــــدا
وَيــــؤمنُ الوَعيـــدا
وَيُخلـــفُ المَوعـــودا
وَلا يَليــــنُ عــــودا
يَميــنُ فــي اليَميــنِ
وَلَيـــــسَ بــــالأَمينِ
وَفــــي كلام الأُدبـــا
العُلمـــاء النُجَبـــا
لَـم يُـرَ فـي القبـائح
وَجُملــــة الفَضـــائِح
كالكِــذب أَوهـى سـَبَبا
ولا أَضــــلَّ مَــــذهَبا
ولا أَغــــرَّ طالِبــــا
ولا أَذلَّ صــــــــاحِبا
يُســـلِمُ مــن يَعتصــمُ
بـــه ومـــن يَلتَــزِمُ
طلـــــوعُه أفـــــولُ
وفضـــــلُه فُضـــــولُ
غَليلُــــه لا يُنقــــعُ
وَخَرقُــــه لا يُرقَــــعُ
صـــــاحبُهُ مُكـــــذَّبُ
وَفـــي غَـــدٍ مُعـــذَّبُ
فجــــانبِ الكـــذّابا
وأَولِــــهِ اِجتِنابـــا
فاِســمع حَـديثاً عجبـا
فـي رفـض مَـن قد كَذَبا
رَوى أُولـــو الأَخبــارِ
وَنــــاقِلوا الآثـــارِ
عَــــن حَـــدَثٍ ذي أَدَبِ
وَخُلُــــــقٍ مُهـــــذَّبِ
يَســـكن فــي بغــداد
فـــــي نعمــــة تِلادِ
فــارق يومــاً والـدَه
وَطِرفَــــه وتالِــــدَه
وحـــلَّ أَرضَ البَصـــرَه
بلوعـــــةٍ وحَســــرَه
فظَــلَّ فيهــا حــائِرا
يكابـــدُ الفـــواقِرا
وَلَــم يَــزَل ذا فَحــصِ
يســـأل كـــلَّ شـــَخصِ
عمَّــن بهـا مـن نـازِلِ
وَفاضـــــلٍ مُشــــاكِلِ
فوَصــــَفوا نَــــديما
ذا أَدب كَريمــــــــا
يُنــــادِمُ المهلَّـــبي
وهــو أَميــرُ العَــرَبِ
فـــــأمَّه وقصـــــَدَه
وحيـــن حــلَّ مَعهَــدَه
عرَّفـــــه بـــــأَمرِه
وحلـــــوِهِ ومـــــرِّهِ
فَقـــال أَنــت تصــلحُ
بـل خَيـرُ مـن يُسـتملَحُ
لصـــــحبةِ الأَميــــرِ
الســــيِّد الخَطيــــرِ
إِن كنــتَ مِمَّــن يصـبرُ
لخَصــــلةٍ تُســــتَنكَرُ
فقــــالَ أَيُّ خَصــــلَة
فيــه تُنــافي وَصــلَه
فَقـــال هَـــذا رَجــلٌ
لا يَعتَريـــه المَلـــلُ
مــن اِفــتراءِ الكَـذبِ
فـــي حـــزَنٍ وَطَـــرَبِ
فــــان أَردتَ طـــولَه
فَصـــــدِّقنَّ قـــــولَه
فــي كُــلِّ مـا يَختلـقُ
وَيَفتَــــري وَينطــــقُ
حَتّــى تَنــالَ نــائلَه
ولا تَــــرى غـــوائِلَه
قــال الفَــتى سـأَفعلُ
ذاكَ وَلســــتُ أَجهـــلُ
فـــــذهب النَــــديمُ
وهـــوَ بِـــه زَعيـــمُ
فعـــــرَّفَ الأَميــــرا
بفضـــــلهِ كــــثيرا
حتّـــى دَعـــا فحضــَر
وســَرَّهُ عنــد النَظــر
فراشــَه فــي الحــالِ
بكســـــوةٍ ومـــــالِ
فَلازمَ الملازمــــــــه
للأُنـــس والمنـــادَمَه
وَلَـــم يــزل يصــدِّقُه
فــي كُـلِّ إفـكٍ يخلقُـه
فَقــال يَومـاً واِفتَـرى
بهتــاً وكـذباً مُنكـرا
لــي عــادةٌ مُستحسـَنه
أَفعلُهـــا كــلَّ ســنَه
أَطبـــــخُ للحُجّــــاج
مـــن لحــمِ الــدَجاجِ
فــي فَـردِ قـدرٍ نُـزلا
يكفــي الجَميــعَ أكلا
فحــارَ ذلــك الفَــتى
مـــن قــوله وبَهُتــا
وَقـــال لَيــتَ شــعري
مـا قـدرُ هَـذا القِـدر
هَــل هــي بئرُ زمــزم
أَم هــيَ بحـرُ القُلـزم
أَم هــيَ فــي الفَضـاءِ
باديــــةُ الـــدَهناءِ
فغضـــــِبَ الأَميـــــرُ
وَغــــاظَه النَكيــــرُ
فقـــال ردُّوا صـــِلَته
منــه وقــدّوا خِلعتَـه
وأَخرجــــوهُ الآنــــا
عنّــــا فَلا يَرانــــا
فنـــــدِمَ الأَديـــــبُ
وَســــاءَه التَكـــذيبُ
وَعــــاودَ النَـــديما
لعـــــذره مقيمــــا
وقـــال منـــذُ دهــر
لَـــم أَشــتَغِل بســُكرِ
فغــــالَني الشـــَرابُ
وحــاقَ بــي العَــذابُ
وَقُلــتُ مــا لا أَعقــلُ
وَالهفــوُ قَــد يُحتَمَـلُ
فَســـَل لــيَ الإغضــاءَ
وَالعَفـــوَ والرضـــاءَ
قــال النَــديمُ إِنّــي
أُرضــــيه بالتـــأنّي
بشــــرط أَن تُنيبـــا
وَتـــتركَ التَكـــذيبا
فراجــــع الأَميــــرا
واِســتوهبَ التَقصــيرا
واِســـتأنفَ الإِنعامــا
عليــــهِ والإِكرامـــا
فعــــاد للمنـــادَمه
بـــاللُطف والملاءَمــه
فكـــان كلَّمــا كــذب
وَقــال إِفكـاً واِنتـدَب
صـــــدَّقه وأَقســــما
بكـــــونه مســــلِّما
حتّــى جــرى فـي خـبر
ذكــــرُ كلابِ عَبقَــــرِ
ووصــــفُها بالصـــغر
وَخلقُهـــا المختصـــرِ
قــال الأَميـرُ وابتكـر
ليـس العيـانُ كـالخبر
قــد كــانَ منـذ مـدَّه
لـــديَّ منهـــا عِــدَّه
أَضــعُها فــي مكحلَــه
للهَـــزل والخُزَعبَلَــه
وكــان عنــدي مَسـخَره
أَكحــلُ منهــا بصــرَه
فَكـــــــــانَت الكِلابُ
فـــي عينــهِ تَنســابُ
وَهـــي علــى مجــونِه
تنبـــحُ مــن جفــونِهِ
فَقــام ذلــكَ الفَــتى
يَقــولُ لا عشــتُ مــتى
صــدَّقتُ هَــذا الكَـذِبا
شــاءَ الأَميـرُ أَو أَبـى
وردَّ مـــــا كســــاهُ
بـــه ومـــا حبـــاهُ
وَراحَ يعـــدو عاريــا
مـــن البلاءِ ناجيـــا
وَصــــحبةُ الأَشــــرارِ
أَعظــمُ فــي الإِضــرارِ
مــن خدعــةِ الأَعــداء
ومــن عُضــال الــداءِ
يقبِّحــــون الحســـَنا
ودأبُهــم قـولُ الخَنـا
شــــأنُهم النَميمَـــه
والشـــيم الـــذَميمَه
إذا أَردت تصـــــــنعُ
خَيــراً بشــخصٍ منَعـوا
الغــلُّ فيهـم والحسـَد
والشـرُّ حبـلٌ مـن مَسـَد
إِن مُنِعـوا مـا طَلَبـوا
تَنَمّــــروا وكَلِبـــوا
وأَعرَضـــوا إِعراضـــا
ومزَّقـــوا الأَعراضـــا
لَيـــسَ لهـــم صـــَلاحُ
حرامُهـــــم مُبــــاحُ
لا يتَّقــــون قُبحــــا
ولا يَعــــونَ نُصــــحا
يُغــــرونَ بالقَبيـــح
والضـــرِّ والتَبريـــحِ
كلامهـــــم إِفحــــاش
وأنســــهُم إِيحــــاشُ
الخَيـــرُ منهُـــم وان
والشـــرُّ منهُـــم دانِ
شــــيطانُهم مطــــاعُ
ودينُهـــــم مُضــــاعُ
لا يَرقُبــــــــونَ إِلّا
ولا يَـــــــــرونَ خِلّا
إِخلاصــــُهم مُـــداهَنه
وودُّهــــم مُشــــاحنَه
صـــــلاحُهم فســـــادُ
رواجُهـــــم كســــادُ
عزيزُهـــــم ذَليــــلُ
صـــــَحيحُهم عَليــــلُ
ضــــــــــياؤُهم ظلامُ
وعــــــــــذرُهم ملامُ
تقريبُهــــم تَبيعـــدُ
ووعـــــدُهم وَعيــــدُ
إِذا ســــأَلتَ ضـــَنّوا
أَو منحــــوكَ مَنّـــوا
وإِن عَـــدلتَ مـــالوا
وإن أَســـأتَ قـــالوا
ربحهُـــــم خُســــرانُ
وشــــكرُهم كُفــــرانُ
شـــــرابُهم ســــرابُ
وعـــــذبُهم عــــذابُ
وفـــــاقُهم نِفــــاقُ
إِنجــــاحُهم إِخفـــاقُ
وَفـــــاؤُهمِ محــــالُ
وخِصــــبُهم إِمحــــالُ
وِدادُهـــــم خــــداعُ
وســـــرُّهم مُـــــذاعُ
إِذعــــانُهم لجــــاجُ
مَعينُهـــــم أُجــــاجُ
وَلَيــسَ فيهــم عــاري
مـــن اِدِّراع العـــارِ
البُعــدُ عنهــم خَيــرُ
والقــربُ منهــم ضـَيرُ
فاِحــذرهُمُ كـلَّ الحـذَر
لحـــاكَ لاحٍ أَو عـــذَر
واِسـمَع مقـال الناصـِح
سـمعَ اللَـبيبِ الراجـحِ
وقــالَ أَربـابُ الحِكَـم
العـــالمون بـــالأمَم
إِن شــئتَ أَن تصــاحِبا
مــن الأَنــام صــاحِبا
مــن حالــةٍ تريــدُها
أَو حاجَـــةٍ تُفيـــدُها
فــإن أَشــار ناصــحا
بــالخَير كـانَ صـالحا
فــــأَولِه الصـــَداقَه
ولا تَخَــــف شــــِقاقَه
فــالخَيرُ فيــه طَبــعُ
وأَصــــلُه وَالفَــــرعُ
وإِن أَشـــارَ مُغريـــا
بالشــرِّ كــانَ مغويـا
فـــاِجتَنِب اِصـــطِحابَه
وأَوجِــــب اِجتِنـــابَه
فالشــــيَمُ الرديَّـــه
أَضـــحَت لـــه ســجيَّه
هَـذا وقـد تـمَّ الرجـز
بعـــونِ ربّــي ونَجَــز
وَهاكَهــــا أَحكامـــا
أَحكمتُهـــا إِحكامـــا
كـــــدُرَرِ البُحــــور
علــى نحــور الحــورِ
تشــــنِّف المســـامِعا
وتطـــربُ المجامِعـــا
تُحـــمُ كـــلَّ نـــاظمِ
وصـــــادحٍ وبــــاغِمِ
والحَمــد للَــه علــى
إِبلاغــــه المـــؤمَّلا
ثُـــمَّ الصــَلاةُ أَبــدا
علــى النَــبيِّ أَحمَـدا
وآلِـــــه الأَطهــــار
وصــــحبهِ الأَبــــرارِ
مــا طـارَ طَيـرٌ وَشـَدا
ولاح فجــــرٌ وَبَــــدا
علي بن أحمد بن محمد معصوم الحسني الحسيني، المعروف بعلي خان بن ميرزا أحمد، الشهير بابن مَعْصُوم.عالم بالأدب والشعر والتراجم شيرازي الأصل، ولد بمكة، وأقام مدة بالهند، وتوفي بشيراز، وفي شعره رقة.من كتبه (سلافة العصر في محاسن أعيان العصر-ط)، و(الطراز- خ) في اللغة، على نسق القاموس، و(أنوار الربيع- ط)، و(الطراز- خ) شرح بديعية له، و(سلوة الغريب- خ) وصف به رحلته من مكة الى حيدر آباد، و(الدرجات الرفيعة في طبقات الامامية من الشيعة- خ)، وله (ديوان شعر- خ).