هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
أنسُ بنُ مدركِ بن كعيب بن عمرو الأكلُبيّ الخثعميّ، أبو سفيان، من قبيلةِ خثعم المنحدرة من قبائل أنمار القحطانيّة اليمانيّة. شاعرٌ مخضرَمٌ، كان سيّداً من ساداتِ قبيلتِه "خثعم" في الجاهليّة، وقد شهد يوم "فيف الرّيح" وقاد فيه قبائل خثعم المتحالفة مع قبائل مذحج ضدّ بني عامر، عُرِفَ بغاراتِهِ على القبائلِ في موسمِ الحجّ، وقد أغارَ على قريش في جاهليّته، وكان معروفاً بالفروسيّةِ، وهو قاتلُ السّليك بن السّلكة الشّاعر الجاهليّ الشّهير، كما أنّه قتلَ فارسين آخرين من أشدّاء الجاهليّة، هما: عمرُو بن الحميس بن الجعد، والصُّميل بن الأعور الضبابيّ الأعمريّ، وإضافةً إلى فروسيّته فقد عُرِفَ بحكمتِهِ وتحكيمه بين القبائلِ المتنافرةِ في الجاهليّة. أسلمَ في السّنة العاشرة للهجرة وحسُنَ إسلامه، وشاركَ مع جرير البُجليّ في بعض فتوحاتِ العراق، وقُتِلَ يوم صفّين مع عليّ بن أبي طالب سنة 37هـ. شعرُهُ قليل، وتدورُ أغراضُهُ في الفروسيّة والحماسة.
عَمْرُو بْنُ الحارِثِ بْنِ مُنَبِّهٍ النِهْمِيّ، اشْتُهِرَ بِاِبْنِ بَرّاقَةَ نِسْبَةً إِلَى أُمِّهِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلَةِ نِهْمِ الهَمْدانِيَّةِ، مِنْ الشُّعَراءِ الصَّعالِيكِ فِي الجاهِلِيَّةِ، وَقَدْ عُرفَ بِالشَّجاعَةِ وَالفَتْكِ وَكانَ مِنْ عَدّائِي العَرَبِ، أَدْرَكَ الإِسْلامَ فَأَسْلَمَ وَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَهُوَ مِنْ الشُّعَراءِ المُقِلِّينَ، أَشْهَرُ شِعْرِهِ مِيمِيَّتُهُ الَّتِي مَطْلَعُها: (تَـقُـولُ سُلَيْـمَـى لا تَعَـرَّض لِتَلْفَـةٍ وَلَيْلُكَ عَنْ لَيْلِ الصَّعالِيـكِ نائِمُ)، تُوفِّيَ بعدَ السَّنةِ الحادية عشرةَ للهِجرةِ.
الحُطَيْئَةُ هُوَ جَرْولُ بنُ أَوسٍ العَبْسِيُّ، شاعِرٌ مُخَضْرَمٌ عاشَ فِي الجاهِلِيَّةِ وَأَدْرَكَ الإِسْلامَ، وَهُوَ راوِيَةُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَعدّهُ ابنُ سلّامٍ فِي الطَبَقَةِ الثانِيَةِ في طبقاتِ فُحولِ الشُّعراءِ، وكانَ مِنْ أَكْثَرِ الشُّعَراءِ تَكَسُّباً بِشِعْرِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْجَى الشُّعَراءِ القُدامَى؛ فقد هَجا أُمَّهُ وَأَباهُ وَهَجاً نَفْسَهُ، وَقَدْ سَجَنَهُ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ لِهِجائِهِ الزِّبرِقانِ بنِ بَدْرٍ، أَدْرَكَ خِلافَةَ مُعاوِيَةَ بنَ أبيِ سُفْيانَ، وَتُوُفِّيَ نَحْوَ سَنَةِ 45هـ/ 665م.
قُطْبَةُ بْنُ أَوْسٍ، وَيُلَقَّبُ بِالحادِرَةِ أَوْ الحُوَيْدِرَةِ وَمَعْناهُ الضَّخْمِ، مِنْ قَبِيلَةِ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ غَطْفانَ، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ مُقِلٌّ، أَشْهَرُ قَصائِدِهِ قصيدتُهُ العَيْنِيَّةُ ومَطْلَعُها (بَـكَــرَتْ سُـمَــيَّةُ غُدْوَةً فَتَـمَـتَّعِ / وَغَـدَتْ غُـدُوَّ مُـفــارِقٍ لَمْ يَرْجِـعِ) وَقَدْ اخْتارَها المُفَضَّلُ الضَّبِيَّ ضِمْنَ المُفَضَّلِيّاتِ، عُرِفَ بِمُهاجاتِهِ مَعَ زَبّانَ بْنِ سَيّار الفَزارِيّ، وَلا يُعْرِفُ تارِيخُ وَفاتِهِ إِلّا أَنَّ أَخْبارَهُ تُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ عاشَ فِي أَواخِرِ العَصْرِ الجاهِلِيِّ.
الخَنْساءُ هِيَ تُماضِرُ بِنْتُ عَمرٍو بنِ الحارِثِ بنِ الشَّرِيدِ، مِن بَنِي سُلَيمٍ، شاعِرَةٌ مُخَضْرَمَةٌ، عاشَتْ فِي الجاهِلِيَّةِ وَأَدْرَكَتْ الإِسْلامَ فَأَسْلَمَتْ، وَوَفَدَتْ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللّٰهُ عَليهِ وَسَلَّمَ مع قومِها، فَكانَ الرسول يَسْتَنْشِدُها وَيُعْجِبُهُ شِعْرُها، اشْتُهِرَتْ بِرِثائِها لِأَخَوَيْها صَخْرٍ وَمُعاوِيَةَ اللَّذَيْنِ قُتِلا فِي الجاهِلِيَّةِ، وَتُعَدُّ الخَنْساءُ أَشْهَرَ شاعِراتِ العَرَبِ، تُوُفِّيَتْ نَحْوَ عامِ 24ه/645م.
لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جَعْفَرَ بْنِ كِلابٍ، مِنْ قَبِيلَةِ عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، مِنْ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ وَفُرْسانِهِمْ وَأَشْرافِهِمْ، وَكانَ كَرِيماً نَذَرَ أَلّا تَهُبَّ الصَّبا حَتَّى أَطْعَمَ وَنَحَرَ، أَدْرَكَ الإِسْلامَ فَأَسْلَمَ، وَتَرَكَ قَوْلَ الشِّعْرِ بَعْدَ إِسْلامِهِ إِلّا بَيْتاً واحِداً، وَهُوَ مِنْ شُعَراءِ المُعَلَّقاتِ وَأَحَدِ المُعَمِّرِينَ عاشَ مِئَةً وَخَمْساً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَ ذلِكَ، سَكَنُ الكُوفَةَ بَعْدَ إِسْلامِهِ وَتُوُفِّيَ فِيها حَوالَيْ سَنَةِ 41 هـ المُوافِقَةِ لِسَنَةِ 661م.
حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ الخَزْرَجِيُّ الأَنْصارِيُّ، صَحابِيٌّ جَلِيلٌ وَشاعِرٌ مُخَضْرَمٌ عاشَ فِي الجاهِلِيَّةِ وَأسلم بعدَ دُخولِ الرّسولِ صلّى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ إلى المَدينَةِ، وحظي حسانُ بِمنزلةٍ كَبيرةٍ فِي الإسلامِ؛ حيثُ كانَ شاعِرَ الرَسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدافِعُ عَنْهُ وَيَهْجُو شُعَراءَ المُشْرِكِينَ، وَكانَ الرَّسُولُ يَقُولُ لَهُ: "اهْجُهُمْ وَرُوحُ القُدُسِ مَعَكَ"، عُرِفَ فِي الجاهِلِيَّةِ بِمَدْحِهِ لِلغَساسِنَةِ وَالمَناذِرَةِ، وتُوُفِّيَ فِي خِلافَةِ مُعاوِيَةَ وَكانَ قَدْ عَمِيَ فِي آخِرِ حَياتِهِ، وَكانَ ذلِكَ فِي حَوالَيْ سَنَةِ 54هـ/674م.
دُرَيدُ بْنُ الصِمَّةِ بْنِ الحارِثِ بْنِ مُعاوِيَةَ، يَعُودُ نَسَبُهُ إِلَى هَوازِنَ مِنْ قَيْس عَيْلانَ، كانَ سَيِّدَ قَبيلَتِهِ بَني جُشَمَ وَشَاعِرَهُم وَفارِسَهُم، وَقد خاضَ مِئَةَ غَزْوَةٍ ما أخفقَ بِواحِدَةٍ مِنْها، وَفَقَدَ إِخْوَتَهُ الأَرْبَعَةَ فِي وَقْعاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَرْثاهُمْ، وَأَشْهَرُهُمْ عَبْدُ اللهِ الَّذِي رَثاهُ بِقَصِيدَتِهِ الدالِيَةِ (أَرَثَّ جَـدِيــدُ الْحَـبْــلِ مِنْ أُمِّ مَعْـبَـدِ / لِعَـــاقِــبَــةٍ أم أَخْـلَفَــتْ كُـلَّ مَـوْعِــدِ) وَعُمِّرَ دُرَيْدُ طَوِيلاً فَقِيلَ إِنَّهُ عاشَ مِئَتَيْ عامٍ أَوْ نَحْوَ ذلِكَ، وَقُتِلَ فِي مَعْرَكَةِ حُنَينٍ إِذْ أَخْرَجَهُ قَوْمُهُ تَيَمُّناً بِهِ، فَماتَ عَلَى شِرْكِهِ، وَكانَ ذلِكَ فِي السَّنَةِ الثّامِنَةِ لِلهِجْرَةِ.
قَيْسُ بنُ الخَطِيمِ، مِن قَبِيلَةِ الأَوْسِ، شاعِرٌ مُخَضْرَمٌ أَدْرَكَ الإِسْلامَ وَلَمْ يُسْلِمْ، نَشَأَ يَتِيماً إِذْ قُتِلَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَلَمّا بَلَغَ أَخَذَ بِثَأْرَيْهِما، وَكانَ فارِساً شُجاعاً شَهِدَ عَدَداً مِنْ الوَقائِعِ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وَأَكْثَرَ شِعْرِهِ فِي يَوْمِ البُعاثِ، وَهُوَ مِنْ الشُّعَراءِ المُقَدَّمِينَ فِي الجاهِلِيَّةِ قَدَّمَهُ بَعْضُ الرُّواةِ وَعُلَماءُ الشِّعْرِ عَلَى حَسّانَ بنِ ثابِتٍ، وَهُوَ مِن طَبَقَةِ شُعَراءِ القُرَى فِي طَبَقاتِ ابنِ سَلامٍ. وقد قَتَلَهُ قَوْمٌ مِنْ الخَزْرَجِ بَعْدَ يَوْمِ البُعاثِ فِي حَوالَيْ السَّنَةِ الثّانِيَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
خِداشُ بنُ زُهيرٍ، مِن قَبيلَةِ عامِرِ بنِ صَعصعَةَ، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ مِن أشرافِ قومِهِ وفُرسانِهم، شَهدَ حربَ الفِجارِ ولهُ فِيها أخبارٌ، وهو شاعِرٌ مُجيدٌ مُتقدِّمٌ، عَدّهُ أَبو عَمرِو بنُ العلاءِ أَشْعرَ مِن لَبيدٍ، وَهوَ مِن شُعراءِ الطَّبقةِ الخامِسَةِ عندَ ابنِ سَلَّامٍ فِي طَبقاتِ فُحولِ الشُّعراءِ.
هوَ أنسُ بنُ مُدرِكِ بنِ كُعَيبِ بنِ عمرِو بنِ سعدِ بنِ عوفِ بنِ العَتيكِ بنِ حارثةَ بنِ عمرِو بنِ تَيمِ اللهِ بنِ مُبَشِّرِ بنِ أكلُبِ بنِ ربيعةَ بنِ عِفرِسِ بنِ حُلفِ بنِ خَثعمِ، وخثعمُ هوَ أفتلُ بنُ أنمارِ بنِ إراشِ بنِ عمرِو بنِ الغوثِ بنِ نَبتِ بنِ مالكِ بنِ زيدِ بنِ كَهلانَ بنِ سبأِ بنِ يشجُبَ بنِ يعرُبَ بنِ قَحْطانَ.
كُنيتُهُ أبو سُفيان.
أمّا قبيلتُهُ فهي قبيلةُ خثعمَ الّتي تنحدرُ من قبائلِ أنمارِ القحطانيّةِ اليمانيّة، وهو ينتمي إلى بطنِ "أكلُب" من بطونِ قبيلةِ خثعم.
لا توجَدُ في المصادرِ الأدبيةِ أخبارٌ وافيةٌ عن أسرتِه، إلّا أنّ لهُ ثلاثَ بناتٍ هُنّ: أسماءُ بنتُ أنسِ بنِ مُدرك، وقد تزوَّجَها خالدُ بن الوليد المخزوميّ القرشيّ، وله منها: عبد الله، والمهاجر، وعبد الرحمن. وسلمى بنت أنس بن مدرك، وقد تزوّجها عبدُ اللهِ بنُ حنظلة الأوسيّ، وذَبْلَة بنت أنس بن مدرك، وقد تزوّجها عبد الشارقُ بن سفيان الخثعميّ، ومن أحفادِ ذبلة الخليفةُ الأمويُّ الثّالثُ معاويةُ بن يزيدُ بن معاوية؛ فجدّتُهُ لأمّه هي فاطمةُ بنتُ عبدِ الشّارقِ بن سفيان، وهي ابنةُ ذبلةَ بنت أنس بن مدرك الخثعميّ.
وليسَ في المصادرِ الأدبيّة ذكرٌ لولدِهِ "سُفيان" المكنّى به.
يُعَدُّ أنسُ بنُ مدركِ أحدَ ساداتِ قبيلةِ "خثعم" وفرسانِها في الجاهليّة، وأخبارُهُ في الجاهليّةِ تدورُ حولَ مشاهدِهِ معَ قبيلتِهِ "خَثعَم" وإغاراتِهِ على القبائلِ الأخرى. ومن الأيّامِ الّتي شهدَها أنسُ بنُ مدركِ يومُ "فيفِ الرّيح" الشّهير بين قبائلِ مَذحِج وقبائلِ بني عامر، وقد وقع ذلك اليوم تزامناً مع بعثة النّبيّ صلى الله عليه وسلّم، وكانَ أنسُ بنُ مدرك قائداً لخيلِ خثعم المشاركةِ إلى جانبِ قبائلِ مَذحِج في ذلك اليوم، وقد قادَ في ذلك اليوم ثلاثةَ بطونٍ من بني خثعم هي: "شهران" و"ناهس" و"أكلُب" الّتي ينتمي إليها أنس. وقد ذكرَهُ عامرُ بنُ الطّفيل قائد بني عامر في "فيف الرّيح" فقال:
وَلَوْ أَنِّي أُطِعْـتُ لَكَانَ مِنِّي لِمُـدْرِكِ أَكْـلُبٍ يَـوْمٌ طَـوِيــلُ
وَلَكِـنِّي عُصِـيـتُ وَكَانَ جَهْلاً بِهِمْ أَلَّا يُبَـالُوا مَا أَقُولُ
ولعلَّ أشهَرَ قصصِ أنسِ بنِ مدرك وأهمّ مفاخرِهِ هي قصّةُ قتلِهِ للشّاعرِ الجاهليّ الصّعلوك السُّليك بن السُّلكة، والّذي كانَ مِن أعتى فرسانِ العرب، وقد قتلَهُ أنسٌ بعد أن أسرَ رجلاً من "خثعم" اسمُهُ "مالك بن عمير بن أبي ذراع"، وكان مع الرّجل زوجةٌ يُقالُ لها النّوار، فافتدى الرّجلُ نفسَه من السُّليك وخلّف زوجتَه رهينةً إلى أن يعودَ بفدائِها، إلّا أنّ السّليكَ نكحَها لنفسِه، وقال مستهزئاً بقبيلةِ خثعم:
تُحَـذِّرُنِـي كَيْ أَحْذَرَ الْعَامَ خَثْعَمَا وَقَدْ عَلِمَـتْ أَنِّي امْرُؤٌ غَيْرُ مُسْلَمِ
وَمَـــا خَـــثْـــعَـــمُ إِلَّا لِئَامٌ أَذِلَّةٌ إِلَى الذُّلِّ وَالْإِسْحَاقِ تُنْمَى وَتَنْتَمِي
فبلغَ ذلك أنس بن مدرك وشبلَ بن قلادة الخثعميّين وأغضبهما، ثمّ همّا إلى السُّليك وأصحابِهِ، ولم يشعر السّليك حتّى جاءت الخيلُ تطلبُهُ وهو في نفرٍ قليلٍ من أصحابِه، ثمّ إنّ أنسَ بن مدرك وثبَ على السُّليك وقتلَه، وكان السُّليكُ إذّاكَ شيخاً كبيراً.
وتقولُ الرّواياتُ إنّ رجلاً اسمه عبد الملك بن مويلك كان يُجيرُ السُّليك، وحين علم بمقتلِه أبى إلّا أن يأخذَ ديتَه أو يثأرَ له من أنس بن مدرك، وحين خافَ أنس بن مدرك أن يستطيلَ الأمر اضُطرّ إلى أن يدفعَ ديةَ السُّليك، لكنّه قالَ قصيدةً مشهورةً يعرِّض فيها بالسُّليك ويذكرُ أنّه غيرُ راضٍ عن دفعِ الدّية، يقول:
إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكاً ثُمَّ أَعْقِلُهُ كالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عافَتِ الْبَقَرُ
غَضِبْتُ لِلْمَرْءِ إِذْ نِيكَتْ حَلِيلَتُهُ وَإِذْ يُشَدُّ عَلى وَجْعائِها الثَّفَرُ
إِنِّي لَتارِكُ هاماتٍ بِمَجْزَرَةٍ لا يَزْدَهِينِي سَوادُ اللَّيْلِ وَالْقَمَرُ
أَغْشَى الْحُرُوبَ وَسِرْبالِي مُضاعَفَةٌ تَغْشى الْبَنانَ وَسَيْفِي صارِمٌ ذَكَرُ
وفضلًا عن السُّليك بن السُّلَكة، فقد قتلَ أنسُ بنُ مدرك فارسين آخرين من أشدّاء العصرِ الجاهليّ، هما: عمرُو بن الحميس بن الجعد، والصُّميل بن الأعور الضبابيّ الأعمريّ، والأخير قتلَهُ في يوم فيف الرّيح.
ومِن أخبارِهِ أيضاً أنّه كانَ يُغيرُ في موسمِ الحجّ على القبائلِ الحاجّةِ إلى مكَّة؛ من ذلك إغارتُهُ على إبلٍ لعبدِ اللهِ بنِ الحارثِ الوادعيِّ، وهو ما اضطرَّ الوادعيّ إلى العودةِ عن موسمِ الحجّ، وقالَ في ذلك أبياتاً يُعرِّضُ فيها بأنس بن مدرك:
وَما رَحَلَتْ مِنْ شَرِّ وَجْهِيَ ناقَتِي لِيَحْجُبَها مِنْ دُونِ سَيْبِكَ حاجِبُ
عَتا أَنَسٌ بَعْدَ المَقِيلِ فَصَدَّنا عَنِ البَيْتِ إِذْ أَعْيَتْ عَلَيْهِ المَكاسِبُ
ويذكرُ الزمخشريُّ في كتابه "ربيع الأبرار" أنّ أنسَ بن مدرك أغارَ على إبلٍ لقريش وذهبَ بها في أحدِ مواسمِ الحجّ، وقد تبعتهُ قريشٌ تلك الليلةَ ولم تدركْه، وقالَ له عمرُ بعد أنْ أسلم: "لقد تبعناكَ تلك الليلة، فلو أدركناك!" فردّ أنس: "لو أدركتَني لم تكُن للنّاسِ خليفة".
ومِن أخبارِهِ في الإغاراتِ أنّهُ أغارَ على بني "جُشَم"، فأصابَ مالاً لرجلٍ من ثُمالَةَ كانَ جارًا لدريدِ بن الصِّمَّة، وقد ألَحَّ الجارُ على دُرَيد بأن يستردّ له مالَه، فأوعدَه دريدُ بأن يمهلَه عاماً، لكنّه انشغلَ بحروبِه عنه، فقالَ الثّماليُّ يهجو دريداً ويذكر أنس بن مدرك:
كَساكَ دُرَيْدَ الدَّهْرِ ثَوْبَ خِزايَةٍ وَجَدَّعَكَ الْحامِي حَقِيقَتَهُ أَنَسْ
دَعِ الْخَيْلَ والسُّمْرَ الطِّوالَ لِخَثْعَمٍ فَما أَنْتَ والرُّمْحَ الطَّوِيلَ وما الْفَرَسْ
فضاقَ دريدُ بنُ الصّمّة ذرعاً بالرّجل وإلحاحِه، فشاورَ قومَهُ في الأمر، فأشاروا عليه أن يطلبَ مالَ جارِهِ من يزيدِ بن عبد المدان الّذي قد خلّفَ أنسُ بن مدرك أموالَه عندَه، فتقدّم دريد بن الصّمّة إلى يزيد بن عبد المدان بقصيدةٍ جاءَ فيها:
بَنِي الدَّيَّانِ رُدُّوا مالَ جـارِي وَأَسْرى فِي كُبُولِهِمُ الثِّقـالِ
وَرُدُّوا السَّبْيَ إِنْ شِئْتُمْ بِمَـنٍّ وَإِنْ شِئْتُمْ مُفـاداةً بِـمـالِ
فَأَنْتُمْ أَهْلُ عـائِدَةٍ وَفَـضْـلٍ وَأَيْدٍ فِي مَواهِبِكُـمْ طِـوالِ
فردَّ يزيدُ بن عبد المدانِ مالَ الرّجلِ الثّماليّ من جملةِ أموالِ أنس الّتي لديه.
وذكرَ أبو الفرج الأصفهانيّ أنّ النّعمان بن المنذر أهدى أربعةَ أرماحٍ نفيسةٍ لأربعةٍ من فرسان العرب، كان منهم أنس بن مدرك الخثعميّ.
وفضلاً عن فروسيّةِ أنسِ بن مدرك فقد عُرِفَ في جاهليّتِهِ بحكمتِهِ واحتكامِ النّاسِ إليه؛ من ذلك أنّه حكمَ بينَ قبيلتي فزارةَ وهلال في مهاجاةٍ بينَهُم؛ إذ عيَّرَت بنو هلال بني فزارةَ برجلٍ منهُم كان أصحابُهُ قد أطعموهُ عضوَ حمارٍ دونَ أن يعرِف، فردَّ بنو فزارةَ بتعييرِ بني هلال بقصّة رجلٍ منهم يُلقَّبُ بـ"مادر" كان قد سلَحَ في موضعِ الماءِ الخاصِّ بإبلِهِ بُخلاً منه، فحكم أنسُ بنُ مدرك لبني فزارةَ على بني هلال بمئةِ بعير.
وقد قال الأصمعيُّ إنَّ بيتَ أنسِ بن مدرك:
عَزَمْتُ عَلى إقامةِ ذِي صَباحٍ لِأَمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ
مِن أحكمِ ما سيَّرَتْهُ العربُ في أمثالِها.
وفي السّنةِ العاشرةِ للهجرة، بعثَ النّبيُّ صلى الله عليهِ وسلّم جريرَ بنَ عبدِ اللهِ البُجليَّ إلى قبائلِ بُجيلةَ وخثعمَ ومَن حولَهم ليهدمَ صنمَهُم المعروفَ بذي الخُلَصَة، فقتلَ جريرٌ عدداً من خثعم، فوفدَ أنسُ بنُ مدرك مع وفدٍ من قبيلةِ خثعمَ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأعلنوا إسلامَهُم، وبرغمِ ذلك أشارَ ابنُ حجر العسقلانيّ إلى أنّ أنس بن مدرك ليس له صحبةٌ مع النبيّ؛ فلعلّه أعلنَ إسلامَهُ وعادَ إلى مضاربِ خثعم.
وبعد وفاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم لم يُذكَر أنّ أنس بن مدرك قد ارتدَّ معَ مَن ارتدَّ من قبيلةِ خثعم، بل على العكسِ من ذلك فقد وردَ في أخبارهِ أنّه بقيَ إلى جوارِ جرير بن عبد الله البُجليّ في حروبِهِ بالفتوحاتِ الإسلاميّة، لا سيّما بالنُّخيلةِ في العراق.
غيرَ أنّ أخبارَ أنس بن مدرك قد بدأت تنقُصُ من المصادرِ الأدبيّةِ في عهدِ الإسلام، ولم يُذكَر عنه أيّ شيء سوى أنّه أقامَ بالكوفةِ في آخرِ حياتِهِ، ثمّ إنّهُ شاركَ إلى جوارِ عليّ بن أبي طالب في الفتنةِ المعروفةِ بين الصّحابة، وقُتِلَ يوم صفّين.
وأنسُ بنُ مدرك من الشّعراءِ المعمّرين، فقد ذكرَ أبو حاتم السّجستانيّ أنّه توفّي عن 154 عاماً، وذلك لقوله:
إِذا ما امْرُؤٌ عاشَ الْهُنَـيْـدَةَ سالِمـاً وَخَـمْــسِــيــنَ عامـاً بَعْـدَ ذاكَ وَأَرْبَعـا
تَـبَــدَّلَ مُـرَّ الْعَـيْــشِ مِـنْ بَـعْـدِ حُلْوِهِ وَأَوْشَـكَ أَنْ يَـبْــلَى وَأَنْ يَـتَــسَــعْــسَـعـا
وَيَـأْذى بِهِ الْأَدْنى وَيَرْضَـى بِهِ الْعِدا إِذا صـارَ مِـثْــلَ الرَّأْيِ أَحْدَبَ أَخْضَـعـا
رَهِـيــنَــةَ قَـعْــرِ الْبَـيْـتِ لَيْسَ يَرِيـمُهُ لِقىً ثاوِيـاً لا يَبْـرَحُ الْمَهْدَ مَضْـجَعا
يُــخَـــبِّرُ عَــمَّنْ مــاتَ حَــتَّى كَـأَنَّمــا رَأى الصَّعْبَ ذا الْقَرْنَيْنِ أَوْ راءَ تُبَّعا
وقد يُشَكُّ في صحّةِ أن يكون أنس قد أدركَ كلّ هذه السنوات، لكنّه قطعاً من الشّعراء الّذين شهدوا الكثيرَ من أيّام العربِ في الجاهليّة والإسلام.
يحدِّدُ خيرُ الدّين الزّركليّ تاريخَ وفاةِ أنسِ بن مدركِ بـسنة 35هـ الموافقة لسنة 655م، غيرَ أنّ تاريخ معركة صفّين هو 37هـ الموافق لـ 657م، وقد وردَ أنّ أنس بن مدرك قُتِلَ في تلك المعركة
عَزَمْتُ عَلى إقامةِ ذِي صَباحٍ لِأَمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ
مِن أحكمِ ما سيَّرَتْهُ العربُ في أمثالِها.
ذكر المرزبانيّ
اختارَ له أبو تمّام في "الوحشيّات" القطعةَ (63) في بابِ الحماسة.
اختارَ له البحتريّ اختيارين في حماسته، هما: الاختيار (173) والاختيار (647).
اختارَ له ابنُ الشّجريُّ في حماستِهِ اختياراً واحداً، هو الاختيار رقم (185).
ذكر أبو الفرج الأصفهانيّ أبياتَهُ في قتلِ السليك بن السّلكة.
(عامر بن الطّفيل يتهدّد أنس بن مدرك)
(رجل من ثمالة يهجو دريد بن الصمّة ويعيّره بفروسيّة خصمه أنس بن مدرك)