هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
الحارِثُ بنُ ظالِمٍ المُريُّ، شَاعِرٌ جاهِليٌّ، كانَ فَتَّاكًا شُجاعًا ضُرِبَ بفَتْكِهِ المَثَلُ فَقيلَ: "أفْتَكُ مِنَ الحَارِثِ بنِ ظَالِمٍ"، وَهُوَ سَيِّدُ بَني مُرَّةَ بنِ عَوفٍ، نَشَأَ يَتِيماً إِذْ أَغارَتْ بَنُو عامِرٍ وَعَلَى رَأْسِهِمْ خالِدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَلَى قَبِيلَتِهِ وَأَكْثَرَتْ فِيهِمْ القَتْلَ فَفَقَدَ أَباهُ، وَآلَتْ إِلَيْهِ سِيادَةُ غَطْفانَ بَعْدَ مَقْتَلِ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ، قَتَلَهُ خالِدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَوَفَدَ على الأَسْوَدِ بْنِ المُنْذِرِ، وَتَنازَعَ عِنْدَهُ مَعَ خالِدٍ بْنِ جَعْفَرٍ فَقَتَلَهُ هُناكَ غَدْراً وَهُوَ نائِمٌ، وَفَرَّ مِنَ الأَسْوَدِ وَعاشَ بَعْدَها طَرِيداً يَتَنَقَّلُ بَيْنَ القَبائِلِ، وَسَبَى الأَسْوَدُ جاراتٍ لَهُ وَأَخَذَ أَمْوالَهُنَّ فَقَتَلَ الحارِثُ ابْنَ الأَسْوَدِ شُرحبِيلَ، وَوَقَعَتْ بِسَبَبِ الحارِثِ حَرْبُ رَحْرَحان الثّانِيَةُ بَيْنَ بَنِي صَعْصَعَةَ وَبَنِي دارِمٍ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الغَساسِنَةِ وَعِنْدَهُ قُتِلَ، وَكانَتْ وَفاتُهُ حَوالَيْ سَنَةِ 22ق.هـ/600.
عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ، مِنْ قَبِيلَةِ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، وهو مِنْ أَقْدَمِ الشُّعَراءِ الجاهِلِيِّينَ، شاعِرٌ فَحْلٌ صَنَّفُهُ ابْنُ سَلّامٍ فِي الطَّبَقَةِ الثّامِنَةِ مِنْ طَبَقاتِ فُحُولِ الشُّعَراءِ، اشْتُهِرَ بِمُرافَقَتِهِ لِاِمْرِئِ القَيْسِ فِي رِحْلَتِهِ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، وَإِيّاهُ عَنَى امْرَؤُ القَيْسِ بِقَوْلِهِ (بَكَى صاحِبِي لَما رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ)، وَقد تُوُفِّيَ فِي رِحْلَتِهِ هذِهِ فَسُمِّيَ عَمْراً الضّائِعَ، وَكانَتْ وَفاتُهُ نَحْوَ عامِ 85هـ/ 540م.
السُّليك بن السُّلَكة هو السُّليك بنُ بنُ عمرِو بنِ سنان، من قبيلةِ سعد بنِ زيد مناة المنحدرة من قبائل تميم النّزارية العدنانيّة. والسُّلَكَة: أمُّه، ويُنسَب إليها. شاعرٌ جاهليٌّ من كبارِ الشّعراءِ الصّعاليك، عُرِفَ بغاراتِهِ على قبائلِ مراد وخثعم وبكر بن وائل، وكان معروفاً بشدّة البأس والقدرةِ الفائقةِ على العَدْو والمعرفة العظيمة بالصّحراء والمفاوز والقفار. يُعَدّ من أغربةِ العرب؛ لسوادِ بشرتِهِ ونسبتِهِ إلى أمِّه وشجاعتِهِ وشاعريّته، وقد قُتِل على يد أنس بن مدرك الخثعميّ نحو سنة 17ق.ه/606م. عدّهُ المفضّل الضبّيّ من أشدّ رجال العرب وأنكرِهم وأشعرِهم، ويدورُ شعرُه حول وصفِ صعلكتِهِ وغاراتِهِ ومشاهدِه.
امرُؤ القيس بن حُجر بن الحارث الكِنْدِيّ، يُلقّبُ بالملك الضّلّيل وبذي القُروح. شاعرٌ جاهليٌّ كبيرٌ من قبيلةِ كندة الّتي شكّلت مملكةً في نجد قبل الإسلام، تُوفّيَ نحو 85ق.ه/545م. عاشَ مرحلتينِ بارزتينِ من حياته؛ ابتدأت الأولى منذُ صباه وتميّزت بالتّرفِ واللَّهو النّاتجينِ عن كونِهِ ابناً لأسرةٍ ملكيّة، والأخرى ابتدأت بمقتل أبيه الملك حُجر بن الحارث على يد قبيلةِ أسد، وهي مرحلة امتازت بالحروب وطلب الثّأرِ والتنقّل بين القبائل العربيّة إلى أن وصلَ إلى قيصرِ الرّوم طلباً للمساعدة، وهناك أهداهُ الملكُ حلّةً مسمومةً جعلته يموتُ بمرضٍ جلديّ. يُعَدّ شاعراً من أهمّ الشّعراء العرب على مرّ العُصور؛ فهو من أصحاب الطّبقة الأولى وله المعلّقة الأشهر في الأدب العربيّ، وقد اعتُنِيَ بديوانه عناية بالغة في القديم والحديث. أمّا موضوعاتُ شعرِه فتركّز على الوصف والطّبيعة والأطلال ووصفِ الفرس والصّيد والمرأة واللّهو، بالإضافة إلى الشّعر المقولِ في التأريخِ لمقتل أبيه والأحداث اللّاحقة.
طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ بْنِ سُفْيانَ بْنِ سَعْد بن مالكٍ، من قبيلة بكْرِ بن وائِلٍ، مِنْ أَشْهَرِ شُعَراء الجاهِلِيَّةِ، وَمِنْ أَصْحابِ المُعَلَّقاتِ، وُلِدَ فِي بادِيَةِ البَحْرَيْنِ، وَنَشَأَ يَتِيماً، وَامْتازَ بِالذَكاءِ وَالفِطْنَةِ مُنْذُ صِغَرِهِ، وَأَقْبَلَ فِي شَبابِهِ عَلَى حَياةِ اللَّهْوِ وَالمُجُونِ وَمُعاقَرَةِ الخَمْرِ، ثُمَّ وَفَدَ عَلَى عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مَلِكِ الحَيْرَةِ مَعَ خالِهِ المُتَلَمِّسِ وَأَصْبَحَ مِنْ نُدَمائِهِ، وَقَدْ أَمَرَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ عامِلَهُ فِي البَحْرَيْنِ أَنْ يَقْتُلَ طَرَفَةَ لِهَجاءٍ قالَهُ فِيهِ، فَقَتَلَهُ وَقَدْ بَلَغَ العِشْرِينَ وَقِيلَ سِتّاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، كانَتْ وَفاتُهُ نَحْوَ سَنَةٍ (60 ق.هـ/ 565م).
زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى رَبِيعَةَ بْنِ رَباحٍ، المُزَنِيّ نَسَباً، الغَطَفانِيُّ نَشْأَةً، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ مِنْ أَصْحابِ المُعَلَّقاتِ، وَمِنْ أَصْحابِ الطَبَّقَةِ الأُولَى بَيْنَ الشُّعَراءِ الجاهِلِيِّينَ، عاشَ فِي بَنِي غَطَفانَ وَعاصَرَ حَرْبَ داحِس وَالغَبْراءَ، وَكَتَبَ مُعَلَّقَتَهُ يَمْدَحُ هَرِمَ بْنَ سِنان وَالحارِثَ بْنَ عَوْفٍ اللَّذَيْنِ ساهَما فِي الصُّلْحِ وَإِنْهاءِ الحَرْبِ، تُوُفِّيَ حَوالَيْ سَنَةِ 13 قَبْلَ الهِجْرَةِ.
عَبِيدُ بنُ الأبرصِ الأسديّ، أبو زِياد، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ قَديم، تُوفّيَ نحو 77ق.ه/545م. أحدُ شعراءِ المعلّقاتِ في تصنيف التّبريزيّ وشعراء المجمهراتِ في تصنيف أبي زيدٍ القرشيّ، وعدّه ابنُ سلّام في شعراء الطّبقة الرّابعة. كانَ شاعرَ قبيلتِهِ "أسد" وأحد وجهائها الكبار، اشْتُهِرَ بتوثيقِهِ لمآثرِ قبيلتِهِ لا سيّما حادثة قتلِهِم للملك الكِنْدِيّ "حُجر بن الحارث"، وفي شعرِهِ مناكفاتٌ مع امرئ القيس الّذي كان يطلبُ ثأرَه في قبيلةِ عَبيد. يُعَدّ في الشّعراء المعمّرين، وتدور موضوعاتُ شعرِهِ حول الحكمة ووصف الشّيب والشّيخوخة، بالإضافة إلى شعرِهِ في الفخر بنفسهِ وقبيلتِه، وشعرِهِ في وصفِ العواصفِ والأمطار. يرى كثيرٌ من الباحثين أنّ شعرَهُ مضطربٌ من النّاحية العروضيّة، ويستدلّ آخرون بشعرِهِ على أنّه ممثّل لبدايات الشّعر العربيّ. قُتِلَ على يدِ المنذر بن ماء السّماء بسببِ ظهورِهِ عليهِ في يومِ بُؤسِهِ كما تقولُ الرّواياتُ التّاريخيّة.
هو عروة بن الورد بن حابس العبسيّ، من قبيلةِ عبس المنحدرةِ من قبائلِ غطفان النزاريّة العدنانيّة، كُنيتُهُ أَبو نجد، شاعِرٌ وفارسٌ من رؤوسِ الصّعاليكِ في العصرِ الجاهليّ، وقد لُقِّبَ بأبي الصّعاليك لأنّه كان يحمي الصّعاليك ويقودُهم في الغارات، كما أنّه أحدُ المنظّرين الكبار للصّعلكة في الشّعر الجاهليّ؛ فقد نظّرَ لضرورةِ ثورةِ الصّعاليك على الأغنياء وإعادة علاقات التّوازن الاقتصاديّ في المجتمع. اشتُهِرَ بكرمِهِ وجودِهِ وحمايتِه للضّعفاء والملهوفين ودعوته إلى مكارم الأخلاق. تدورُ معظمُ قصائدُه حول الصّعلكة وضرورة الضّرب في الأرض بحثاً عن الرّزق، كما أنّ له قصائد في بعض الشؤون القبليّة في عصرِه.
السَّمَوْأَلُ بْنُ عُرَيضِ بْنِ عادِياءَ، مِنْ قَبِيلَةِ الأَزْدِ، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ، جَعَلَهُ ابْنُ سَلامٍ عَلَى رَأْسِ طَبَقَةِ الشُّعَراءِ اليَهُود، لَهُ حِصْنٌ مَشْهُورٌ بِتَيْماءَ يُسَمَّى الأَبْلَق، عُرِفَ السَّمَوْأَلُ بِالوَفاءِ وَلَهُ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ حَوْلَ حِفْظِهِ لِدُرُوعِ امْرِئِ القَيْسِ، وَهُوَ مِنْ الشُّعَراءِ المُقِلِّينَ وَأَشْهَرُ شِعْرِهِ لامِيَّتُهُ الَّتِي مَطْلَعُها: (إِذا المَرْءُ لَمْ يَدْنُسْ مِنْ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ فَــكُـــلُّ رِداءٍ يَــرْتَـــدِيـــهِ جَــمِــيــلُ) وَقَدْ نُسِبَتْ لِغَيْرِهِ، وَكانَتْ وَفاتُهُ نَحْوَ عامِ 65ق.هـ المُوافِقُ لعامِ 560م.
أَوسُ بنُ حَجَرٍ، مِن بَنِي تَمِيمٍ، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ مُقَدَّمٌ، كانَ يُعَدُّ شاعِرَ مُضَرَ فِي الجاهِلِيَّةِ لَم يَتَقَدَّمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى نَشَأَ النّابِغَةُ وَزُهَيْرٌ فَأَخْمَلاهُ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى، وَكانَ زُهَيْرٌ راوِيَتَهُ، وَقَدْ عَدَّهُ ابنُ سَلَّامٍ فِي طَبَقاتِهِ مِن شُعَراءِ الطَّبَقَةِ الثّانِيَةِ، وَكانَ أَوسٌ مُعاصِراً لِعَمْرِو بنِ هِندٍ، وَنادَمَ مُلُوكَ الحِيْرَةِ. عُمِّرَ طَوِيلاً وَتُوُفِّيَ نَحْوَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
عَمْرُو بْنُ كُلْثُومِ بنِ مالكِ بنِ عَتّابٍ، مِن قَبيلَةِ تَغْلِبَ بنِ وائِلٍ، وَأُمُّهُ لَيلى بِنتُ مُهلْهِلِ بنِ رَبيعةَ، شَاعِرٌ جَاهليٌّ مِن أَصحابِ المُعلَّقاتِ، وَهو مِنَ الشُّعراءِ المُقلِّينَ، سَادَ قَومَهُ وَهو فِي الخامِسةَ عشرةَ مِن عُمرهِ وكان فارِساً شُجاعاً وهو أحدُ فُتَّاكِ الجاهليّةِ، قَتلَ عَمرَو بنَ هِندٍ مَلِكِ الحِيرةِ فِي قِصّةٍ مَشْهُورَةٍ، وَماتَ وَقدْ بَلغَ مئةً وخَمسينَ عاماً، وكانت وفاتُه نحوَ سَنةِ 40ق.هـ/ 584م.
هو الحارِثُ بْنُ ظالِمِ بْنِ جَذِيْمَةَ بْنِ يَرْبُوعَ بْنِ غَيْظِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيانَ بْنِ بَغِيَضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ عَيْلانَ بْنِ مُضَرَ، وَيُكَنَّى أَبا لَيلَى.
وَكانَ يُقالُ إِنَّ مُرَّةَ بنَ عَوفٍ مِن لُؤيِّ بنِ غالِبٍ، وَهُوَ قَولُ الحارِثِ بنِ ظالِمٍ يَنْتَمِي إِلى قُريْشٍ:
رَفَعْـتُ السَّيفَ إِذْ قالُوا قُرَيْشٌ وَشَـبَّهــْتُ الشَّمائِلَ وَالْقِبـابـا
فَمـا قَوْمِـي بِثَـعْـلَبَـةَ بْنِ سَعْدٍ وَلا بِـفَـزَارَةَ الشُّعْرَى رِقابـا
وَلَعَلَّ سَبَبَ انْتِسابِهِ إِلَى قُرَيْشٍ هُوَ تَخَلِّي قَبِيلَتِهِ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ خالِدَ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ.
فَابْنُ حُزْمٍ يَقُولُ فِي (جَمْهَرَةِ أَنْسابِ العَرَبِ): أَمّا عَوْفٌ، فَدَخَلُوا فِي بَنِي ذُبْيانَ مِنْ غَطْفانَ بْنِ قَيْسِ عَيْلانَ، وَهُمْ بَنُو مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيانَ، رَهَطَ الحارِثِ بْنِ ظالِمٍ المُرِّي، وَسائِرُ بَنِي مُرَّةٍ، وَفِيهِمْ شَرَفُ قَوْمِهِمْ، وَيَنْتَمُونَ فَيَقُولُونَ: بَنُو عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيانَ. وَمِنْ بَنِي مُرَّةَ هَرِمُ بْنُ سِنانَ الَّذِي مَدَحَهُ زُهَيْرٌ بْنُ أَبِي سُلْمَى.
وَلَمْ يَرِدْ فِي المَصادِرِ أَخْبارٌ عَنْ أُسْرَةِ الحارِثِ بْنِ ظالِمٍ وَزَوْجَتِهِ وَأَوْلادِهِ، وَرُبَّما كانَتْ لَهُ ابْنَةٌ اسْمُها لَيْلَى فَقَدْ كانَ يُكَنَّى بِأَبِي لَيْلَى.
نَشَأَ الحارِثُ بْنُ ظالِمٍ فِي وَقْتٍ كانَتْ فِيهِ قَبِيلَتُهُ تَتَجَرَّعُ أَلَمَ هَزِيمَةٍ قاسِيَةٍ حَلَّتْ بِها، وقَدْ ذَكَرَ أَبُو الفَرَجِ فِي (الأَغانِي) قِصَّةَ الحارِثِ مُفَصَّلَةً عِنْدَ حَدِيثِهِ عَنْ مَقْتَلِ خالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَفِيها أَنَّ خالِداً أَغارَ عَلَى رَهْطِ الحارِثِ بْنِ ظالِمٍ فَقَتَلَ الرِّجالَ وَالحارِثُ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ وَبَقِيَتْ النِّساءُ. وَزَعَمُوا أَنَّ ظالِماً هَلَكَ فِي تِلْكَ الوَقْعَةِ، وَكانَتْ نِساءُ بَنِي ذُبْيانَ لا يَحلبْنَ النَّعَمَ، فَلَمّا بَقِينَ بِغَيْرِ رِجالٍ طَفِقْنٍ يَدْعُونَ الحارِثَ، فَيَشُدُّ عِصابَ النّاقَةِ ثُمَّ يَحْلِبْنَها، وَيَبْكِينَ رِجالَهُنَّ وَيَبْكِي الحارِثُ مَعَهُنَّ، فَنَشَأَ عَلَى بُغْضِ خالِدٍ. وَأَرْدَفَ ذلِكَ قَتلُ خالِدٍ زُهَيْرَ بْنَ جَذِيمَةَ، فَاسْتَحَقَّ العَداوَةَ فِي غَطْفانَ. وَقالَ خالِدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي تِلْكَ الوَقْعَةِ:
تَركْتُ نِساءَ يَربوعِ بنِ غَيْظٍ أَراملَ يَشْتَكِينَ إِلى وَلِيدِ
يَقُلْنَ لِحارِثٍ جَزَعاً عَلَيهِ لَكَ الخَيراتُ مَالَكَ لَا تَسُودُ
تَرَكْتُ بَنِي جَذِيمَةَ فِي مَكَرٍّ وَنَصراً قدْ تَرَكْتُ لَدى الشُّهودِ
وَرُبَّما كانَتْ هذِهِ الأَحْداثُ القاسِيَةُ الَّتِي عاشَها الحارِثُ فِي طُفُولَتِهِ هِيَ الَّتِي شكّلتْ شخصيّتَهُ وأَكْسَبَتْهُ الشَّجاعَةَ وَالإِقْدامَ حَتَّى أَصْبَحَ بَعْدَها مِنْ فُتّاكِ العَرَبِ، وَغَذَّتْ فِي نَفْسِهِ رُوحَ الانْتِقامِ وَهُوَ ما حَصَلَ بَعْدَ ذلِكَ. فقد تميّزَ الحارِثُ بِالفروسِيَّةِ والبأْسِ وكانَ لَهُ سَيْفٌ اسْمُهُ المَعْلُوبُ، يَقُولُ فِيهِ:
أَنا أَبو لَيْلى وسَيْفِـي المَعْلُوبْ كَمْ قَدْ أَجَرْنا مِنْ حَرِيْبٍ ومَحْروبْ
وَقَدْ آلَتْ سِيادَةُ غَطَفانَ إِلَى الحارِثِ بَعْدَ مَقْتَلِ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ، وَكانَ الحارِثُ مِنْ ذَوِي الشَّأْنِ والمكانةِ بَيْنَ العَرَبِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذلِكَ ما ذُكِرَ فِي كِتابِ (العَقْدِ الفَرِيدِ) عَنْ وُفُودِ العَرَبِ إِلَى كِسْرَى، فَقَدْ اخْتارَهُ النُّعْمانُ بْنُ المُنْذِرِ مِنْ ضِمْنِ أَشْرافِ العَرَبِ لِلوُفُودِ عَلَى كِسْرَى لِيَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَفِي هذِهِ القِصَّةِ يُظْهِرُ تَقَدُّمُ الحارِثِ وَرَجَحانُ عَقْلِهِ وَقُوَّةُ مَنْطِقِهِ، وفقَدْ كانَ آخِرُ المُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ كِسْرَى وَقالَ فِي كَلِمَتِهِ: إِنَّ مِنْ آفَةِ المَنْطِقِ الكَذِبَ، وَمِنْ لُؤْمِ الأَخْلاقِ المَلَقَ، وَمِنْ خَطَلِ الرَّأْيِ خِفَّةَ المَلِكِ المُسَلَّطِ، فَإِنْ أَعْلَمْناكَ أَنَّ مُواجَهَتَنا لَكَ عَن ائْتِلافٍ، وَانْقِيادَنا لَكَ عَنْ تَصافٍ، ما أَنْتَ لِقَبُولِ ذلِكَ مِنّا بِخَلِيقٍ، وَلا لِلاِعْتِمادِ عَلَيْهِ بِحَقِيقٍ، وَلكِنَّ الوَفاءَ بِالعُهُودِ، وَإِحْكامَ وَلَثِ العُقُودِ، وَالأَمْرُ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مُعْتَدِلٌ، ما لَمْ يَأْتِ مِنْ قِبَلِكَ مِيلٌ أَوْ زَلَلٌ...."
قالَ كِسْرَى: مَنْ أَنْتَ؟
قالَ: الحارِثُ بْنُ ظالِمٍ.
قالَ: إِنَّ فِي أَسْماءِ آبائِكَ لدَلِيلاً عَلَى قِلَّةِ وَفائِكَ، وَأَنْ تَكُونَ أَوْلَى بِالغَدْرِ، وَأَقْرَبَ مِنْ الوِزرِ.
قالَ الحارِثُ: إِنَّ فِي الحَقِّ مَغْضَبَةً، وَالسَُرُوُّ التَّغافُلُ، وَلَنْ يَسْتَوْجِبَ أَحَدٌ الحِلْمَ إِلّا مَعَ القُدْرَةِ، فَلْتُشْبِهْ أَفْعالُكَ مَجْلِسَكَ.
قالَ كِسْرَى: هذا فَتَى القَوْمِ.
لٰكِنَّ الحادِثَةَ الَّتِي سَتُغَيِّرُ مَجْرَى حَياةِ الحارِثِ وَتُثِيرُ الكَثِيرَ مِنْ الصِّراعاتِ هِيَ حادِثَةُ قَتْلِهِ لِخالِدٍ بْنِ جَعْفَرٍ، فَقَدْ وَرَدَ فِي (الأَغانِي) أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى النُّعْمانِ وَقِيلَ على الأَسْوَدِ أَخِيهِ فِي الحِيْرَةِ فَصادَفَ عِنْدَهُ خالِداً، وَجَرَتْ بَيْنَهُما مُنازَعاتٌ، فَقَدْ كانَ خالِدٌ مُتَعالِياً وَأَرادَ أَنْ يُقَلِّلَ مِنْ شَأْنِ الحارِثِ، فمِنْ ذلِكَ أَنَّهُ تَغَزَّلَ بِخالاتِ الحارِثِ، وَكانَ يَأْكُلُ التَّمْرَ عِنْدَ النُّعْمانِ وَيُلْقِي النَّوَى فِي صَحْنِ الحارِثِ وَيَتَّهِمُهُ بِالنَّهَمِ. وَكانَ الحارِثُ يَرُدُّ عَلَى خالِدٍ وَيُنازِعُهُ، حَتَّى قالَ لَهُ خالِدٌ: أَتُنازِعُنِي يا حارِثُ وَقَدْ قَتَلْتُ حاضِرَتَكَ وَتَرَكْتُكَ يَتِيماً فِي جُحُورِ النِّساءِ. فَقالَ الحارِثُ: ذلِكَ يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ، وَأَنا مُغْنٍ اليَوْمَ بِمَكانِي، قالَ خالِدٌ: فَهَلّا تَشْكُرُ لِي إِذْ قَتَلْتُ زُهَيْرَ بْنَ جَذِيمَةَ وَجَعَلْتُكَ سَيِّدَ غَطَفانَ، قالَ: بَلَى أَشْكُرُكَ عَلَى ذلِكَ. فَخَرَجَ الحارِثُ وَأَنْشَدَ بَعْدَها مُتَوَعِّداً خالِداً:
تَـعَــلَّمْ أَبَيْـتَ اللَّعْنَ أَنِّيَ فاتِـكٌ مِنَ الْيَوْمِ أَوْ مِنْ بَعْدِهِ بِابْنِ جَعْفَرِ
أَخـالِدُ قَدْ نَبَّهـْتَـنِـي غَيْـرَ نائِمٍ فَلا تَأْمَنَنْ فَتْكِي يَدَ الدَّهْرِ وَاحْذَرِ
أَعَيَّرْتَـنِـي أَنْ نِلْتَ مِنَّا فَوارِسـاً غَـداةَ حُـراضٍ مِـثْـلَ جِنَّانِ عَبْـقَـرِ
أَصابَهُـمُ الدَّهْرُ الْخَتُـورُ بِخَـتْـرِهِ وَمَنْ لا يَقِ اللهُ الْحَوادِثَ يَعْثُرِ
فَـعَــلَّكَ يَـوْمـاً أَنْ تَنُـوءَ بِضَـرْبَـةٍ بِكَـفِّ فَتـىً مِنْ قَوْمِهِ غَيْـرِ جَيْـدَرِ
يُغِـصُّ بِها عُلْيـا هَوازِنَ وَالْمُنَـى لِقـاءَ أَبِـي جَـزْءٍ بِأَبْـيَـضَ مُبْـتَـرِ
وقدْ حَذَّرَ عَبدُ اللهِ ُبنُ جَعدَةَ خالداً مِنَ الحارِثِ، وقالَ لَهُ هُوَ سَفِيهٌ مَوتورٌ، فاخْفِ مَبيتَكَ الليلةَ فَإِنَّهُ قدْ شَرِبَ. فَإِن أَبيتَ فاجْعَلْ بَينَك وَبينَهُ رَجُلاً لِيحرُسَكَ، فَحرسَهُ فِي تلكَ اللَّيلةِ ابنُ جَعدَةَ وابنُ عُتْبَةَ، لكنَّ الحارثَ بنَ ظالِمٍ أقْبلَ فِي تلكَ اللّيلةِ وقَتَلَ خالداً وهو نائِمٌ، وقالَ فِي ذَلكَ:
أَلا سائِلِ النُّعْمانَ إِنْ كُنْتَ سائِلاً وَحَـيَّ كِـلابٍ هَـلْ فَـتَــكْــتُ بِخـالِدِ
عَـشَــوْتُ عَـلَيْهِ وَابْـنُ جَعْـدَةَ دُونَهُ وَعُـرْوَةُ يَـكْــلا عَـمَّهُ غَيْـرَ راقِدِ
وَقَدْ نَصَـبـا رَجْلاً فَبـاشَـرْتُ جَوْزَهُ بِـكَــلْكَــلِ مَـخْـشِـيِّ الْعَداوَةِ حارِدِ
فَـأَضْــرِبُهُ بِـالسَّيــْفِ يَأْفُـوخَ رَأْسِهِ فَـصَــمَّمَ حَتَّى نالَ نُوطَ الْقَلائِدِ
وَأَفْـلَتَ عَـبْــدُ اللهِ مِنِّي بِذُعْـرَةٍ وَعُرْوَةُ مِنْ بَعْـدِ ابْنِ جَعْدَةَ شاهِدِي
وَبَعْدَ حادِثَةِ قتلِهِ لخالدٍ هَرَبَ الحارِثُ وَبَقِيَ مُتَخفِّياً زمناً يتنقّلُ بينَ القبائِلِ التي خَشِيتْ أَنْ تُجيرَهُ، فَقدْ عادَ إِلى قَبيلَتِهِ غَطفان لكنّها رفَضَتْ أنْ تُجيرَهُ وغَضِبَتْ لِذلكَ عَبْسٌ وَبَعثَ إِليهِ قَيسُ بنُ زُهيرِ بنِ جَذيمَةَ بِهذِهِ الأَبياتِ:
جزاكَ اللهُ خَيـراً مِن خَليـلٍ شَفـَى مِن ذِي تَبولَتِهِ الخَلِيلا
أزَحْتَ بِهـا جَوىً ودَخيـلَ نَفْسٍ تَمَـخَّـخَ أَعْظُـمِـي زَمَنـاً طَوِيلا
كَسَـوْتَ الجعـفَـرِيَّ أَبا جُزَيءٍ ولمْ تَحـفِـل بِهِ سَيـفاً صَقِيلا
فأَجابَهُ الحارثُ بنُ ظالِمٍ:
أَتانِـي عَنْ قُيَيْـسِ بَنِـي زُهَيْرٍ مَـقَــالَةَ كـاذِبٍ ذَكَرَ التُّبُولا
فَلَوْ كُنْـتُـمْ كَمـا قُلْتُمْ لَكُنْتُمْ لِقـاتِـلِ ثَأْرِكُـمْ حِرْزاً أَصِيـلا
وَلَكِـنْ قُـلْتُــمُ جـاوِرْ سِـوانــا فَـقَـدْ جَلَّلْتَـنـا حَدَثـاً جَلِيـلا
فَخَرَجَ الحارِثُ وَطافَ بَيْنَ القَبائِلِ وَجاءَ صَدِيقاً لَهُ مِنْ كِنْدَةَ، فَلَمّا أَلَحَّ الأَسْوَدُ بْنُ المُنْذِرِ فِي طَلَبِهِ أَرادَ الكِندِيُّ أَنْ يُلْحِقَهُ باليَمَنِ، فَتَرَكَهُ الحارِثُ وَلَجَأَ إِلَى بَنِي عِجلِ بْنِ لُجَيْمٍ، وَنَزَلَ عِنْدَ زَبّان العِجْلِيِّ فَأَجارَهُ وَفِي ذلِكَ يَقُولُ زَبّان:
ونحنُ مَنعْنا بِالرِّماحِ ابنَ ظالِمٍ فَظلَّ يُغنِّي آمِناً فِي خِبائِنا
فَجاءَتْهُ بَنُو ذُهْلِ بنِ ثَعلَبَةَ وبَنُو عَمرِو بنِ شَيبانَ وطَلَبُوا مِنْهُ إِخراجَ الحارِثِ لأَن لا طاقةَ لَهُم بِالأَسودِ بنِ المُنذرِ، فَأَبَتْ عِجْلٌ أَنْ تَخْفِرَهُ، وَفِي ذَلكَ يَقُولُ:
وَدُونِـيَ رَكْـبٌ مِـنْ لُجَيْـمٍ مُصَـمِّمٌ وَزَبَّانُ جارِي وَالْخَفِيرُ عَلى بَكْرِ
لَعَمْـرِيَ لا أَخْشَـى ظُلامَـةَ ظالِمٍ وَسَعْدُ بْنُ عِجْلٍ مُجْمِعُونَ عَلى نَصْرِي
لكِنَّ الحارِثَ غادَرَهُم أَيضاً فَلَحِقَ بِطَيِّئٍ، وَفِي ذَلكَ يَقُولُ:
لَعَمْرِي لَقَدْ حَلَّتْ بِيَ اليَومَ ناقَتِي إِلى ناصِرٍ مِن طَيِّئٍ غيرِ خاذِلِ
وَأَرادَ الأَسْوَدُ بْنُ المُنْذِرِ الانْتِقامَ مِنْ الحارِثِ فَاعْتَدَى عَلَى جاراتٍ لِلحارِثِ فَأَخَذَهُنَّ وَاسْتاقَ أَمْوالَهُنَّ، وَلَمّا بَلَغَ ذلِكَ الحارِثُ انْسابَ فِي غِمارِ النّاسِ حَتَّى عَرَفَ مَوْضِعَ جاراتِهِ وَمَرْعَى إِبِلِهِنَّ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى أَمْوالِ جاراتِهِ وَإِلَى جاراتِهِ فَجَمَعَهُنَّ وَرَدَّ أَمْوالَهُنَّ وَسارَ مَعَهُنَّ حَتَّى أَنْقَذَهُنَّ. وَيُقالُ إِنَّهُ عِنْدَما عَلِمَ بِما فَعَلَهُ الأَسْوَدُ فِي جاراتِهِ ذَهَبَ إِلَى قَوْمِهِ مُتَخَفِّياً وَكانَتْ أُخْتُهُ سَلْمَى بِنْتَ ظالِمٍ عِنْدَ سِنانَ بْنِ أَبِي حارِثَةَ المُرِّيّ، وَكانَ سِنانُ قَدْ تَبَنَّى وَلَداً لِلأَسْوَدِ اسْمُهُ شُرحبِيلُ، فَأَخَذَهُ الحارِثُ وَقَتَلَهُ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
قِفا فَاسْمَعا أُخْبِرْكُما إِذْ سَأَلْتُما مُـحــارِبُ مَـوْلاهُ وَثَـكْـلانُ نادِمُ
فَـأُقْــسِــمُ لَوْلا مَـنْ تَعَـرَّضَ دُونَهُ لَخـالَطَهُ صـافِـي الْحَدِيـدَةِ صارِمُ
حَـسِــبْـتَ أَبا قابُـوسَ أَنَّكَ سالِمٌ وَلَمَّا تُـصِــبْ ذُلّاً وَأَنْـفُـكَ راغِمُ
فَـإِنْ تَـكُ أَذْوادٌ أَصَـبْـنَ وَصِبْـيَـةٌ فَهَذا ابْنُ سَلْمَـى رَأْسُهُ مُتـفاقِمُ
عَلَوْتُ بِذِي الْحَيَّاتِ مَفْـرِقَ رَأْسِهِ وَهَلْ يَرْكَبُ الْمَكْرُوهَ إِلَّا الْأَكارِمُ
وَهَرَبَ الحارِثُ، فَغَزا الأَسْوَدُ بَنِي ذُبْيانَ وَبَنِي أَسَدٍ إِذْ يُقالُ إِنَّ سَلْمَى مُرَبِّيَةَ شُرحبِيلَ كانَتْ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَلَيْسَتْ أُخْتَ الحارِثِ، وَيُقالُ إِنَّهُمْ وَجَدُوا نَعْلَ شَرحبِيلَ عِنْدَ بَنِي مُحارِبٍ، فَأَمْشاهُمْ الأَسْوَدُ عَلَى الصَّفا المُحَمَّى فَتَساقَطَ لَحْمُ أَقْدامِهِمْ، وَأَخَذَ الأَسْوَدُ سِنانَ بْنَ أَبِي حارِثَةَ الَّذِي قُتِلَ ابْنُهُ عِنْدَهُ، حَتَّى افْتَدَتْهُ قَبِيلَتُهُ بِأَلْفِ بَعِيرٍ.
ثُمَّ أَتَى الحارِثُ بَنِي دارِمٍ فَأَجارَهُ حاجِبُ بْنُ زُرارَةَ وَوَعَدَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ، فَلَمّا عَلِمَتْ بَنُو عامِرٍ بِمَكانِهِ فِي بَنِي تَمِيمٍ سارُوا إِلَيْهِمْ، فَدَعا حاجِبٌ الحارِثَ بْنَ ظالِمٍ فَأَخْبَرَهُ بِرَأْيِهِ وَخَبَرِ القَوْمِ وَقالَ: يا ابنَ ظالِمٍ، هؤُلاءِ بَنُو عامِرٍ قَدْ أَتُوكَ، فَما أَنْتَ صانِعٌ؟ قالَ الحارِثُ: ذلكَ إِليكَ، إِنْ شئْتَ أَقمتُ فَقاتلْتُ القومَ، وإِنْ شِئتَ تَنحَّيْتُ، قالَ حَاجِبٌ: تَنحَّ عَنِّي غيرَ مَلُومٍ. فَغَضِبَ الحارثُ مِن ذلكَ وَقالَ:
لَعَمْـرِي لَقَدْ جاوَرْتُ فِي حَيِّ وائِلٍ وَمِـنْ وائِلٍ جـاوَرْتُ فِي حَيِّ تَغْـلِبِ
فَأَصْـبَـحْـتُ فِي حَيِّ الْأَراقِمِ لَمْ يَقُلْ لِيَ الْقَوْمُ يا حارِ بْنِ ظالِمَ إِذْهَبِ
فَغادَرَ الحارِثُ فَلَحِقَ بِعَرُوضِ اليَمامَةِ، وَجَرَتْ بَيْنَ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عامِرٍ وَقْعَةٌ مَشْهُورَةٌ هِيَ يَوْمُ رَحْرَحانَ الثّانِي، وَكانَتْ الغَلَبَةُ فِيهِ لِبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ.
وَظَلَّ الحارِثُ بَعْدَ ذلِكَ طَرِيداً مُتَنَقِّلاً لا يَسْتَقِرُّ فِي مَكانٍ حَتَّى مَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَمَعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ بَنِي هَزّانَ مِنْ عَنْزَةَ وَهُوَ نائِمٌ، فَأَخَذُوا فَرَسَهُ وَسِلاحَهُ ثُمَّ أَوْثَقُوهُ، لكِنَّهُ اسْتَطاعَ الهَرَبَ مِنْهُمْ وَاسْتَجارَ بِبَنِي عِجْلٍ، ثُمَّ غادَرَهُمْ إِلَى بَنِي قَشِيْرٍ فَأَكْرَمُوهُ، وَيُقالُ إِنَّهُ لَحِقَ بِمَكَّةَ وَانْتَمَى إِلَى قُرَيْشٍ، وَفِي ذلِكَ يَقُولُ:
فَمـا قَوْمِـي بِثَـعْـلَبَـةَ بْنِ سَعْدٍ وَلا بِـفَـزَارَةَ الشُّعْرَى رِقابـا
وَقومِي إِنْ سَأَلْتَ بَنُو لُؤَيٍّ بِمَكَّةَ عَلَّمُوا مُضَرَ الضِّرابا
ثُمَّ لَحِقَ الحارِثُ بِالشَّأْمِ بِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ غَسّان فَأَجارَهُ، وَيُقالُ كانَ لِهذا المَلِكِ ناقَةٌ مُحْمّاةٌ فِي عُنُقِها مُدْيَةٌ وَزِنادٌ وَصُرَّةُ مِلْحٍ، وَإِنَّما يَخْتَبِرُ بِذلِكَ رَعِيَّتَهُ هَلْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَكانَ مَعَ الحارِثِ امْرَأَتانِ فَتَوَحَّمَتْ إِحْداهُما عَلَى الشَّحْمِ وَقَدْ أَصابَتْ النّاسَ سَنَةٌ شَدِيدَةٌ، وَأَلَحَّتْ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَ ناقَةَ المَلِكِ وَأَخَذَ سَنامَها خُفْيَةً، وَلَمّا عَلِمَ المَلِكُ بما حصلَ لناقَتِهِ أَرْسَلَ إِلَى الخِمْسِ التَّغلِبِيِّ- وَكانَ كاهِناً- فَقالَ: مَنْ نَحَرَ النّاقَةَ؟ فَذَكَرَ أَنَّ الحارِثَ نَحَرَها. فَتَذَمَّمَ المَلِكُ وَكَذَّبَ عَنْهُ. فَقالَ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ عِلْمَ ذلِكَ فَدُسَّ امْرَأَةً تَطْلُبُ إِلَى امْرَأَتِهِ شَحْماً، فَفَعَلَ. فَدَخَلَ الحارِثُ وَقَدْ أَخْرَجَتْ امْرَأَتُهُ إِلَيْها شَحْماً، فَعَرَفَ الدّاءَ فَقَتَلَها وَدَفَنَها فِي بَيْتِهِ. فَلَمّا فُقِدَتْ المَرْأَةُ قالَ الخِمْسُ: غالَها ما غالَ النّاقَةَ، فَإِنْ كَرِهَ المَلِكُ أَنْ يُفَتِّشَهُ عَنْ ذلِكَ فَلْيَأْمُرْ بِالرَّحِيلِ، فَإِذا ارْتَحَلَ بُحِثَ بَيْتُهُ، فَفَعَلَ. وَاسْتَثارَ الخِمْسُ مَكانَ بَيْتِهِ؛ فَوَثَبَ عَلَيْهِ الحارِثُ فَقَتَلَهُ، فَأَمَرَ المَلِكَ بِقَتْلِهِ، فَقالَ: إِنَّكَ قَدْ أَجَرْتَنِي فَلا تَغْدِرْنِي. فَقالَ: لا ضَيْرَ، إِنْ غَدَرْتُ بِكَ مَرَّةً فَقَدْ غَدَرْتَ بِي مِراراً. فَأَمَرَ مالِكَ بْنَ الخِمْسِ التَّغْلِبِيِّ أَنْ يَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ. فَقالَ: يا بْنَ شَرِّ الأَظْماءِ أَنْتَ تَقْتُلُنِي؟ فَقَتَلَهُ.
قُتِلَ الحارِثُ بْنُ ظالِمٍ فِي الشَّامِ، بَعْدَ أَنْ نَزَلَ عِنْدَ أَحَدِ مُلُوكِ الغَساسِنَةِ، وَكانَ سَبَبَ مَقْتَلِهِ اعْتِداؤُهُ عَلَى ناقَةِ المَلِكِ وَقَتْلَهُ لِلخِمْسِ التَّغْلُبِيِّ، وَكانَتْ وَفاتُهُ حَوالَيْ سَنَةِ 22ق.هـ/600م. وَيُقالُ إِنَّ ابْنَ الخِمْسِ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ الحارِثَ بِأَمْرِ المَلِكِ الغَسّانِيِّ أَخَذَ سَيْفَ الحارثِ وَكان اسْمُهُ (المَعْلُوبَ)، فَأَتَى بِهِ سُوقَ عُكاظَ فِي الحَرَمِ، فَجَعَلَ يَعْرِضُهُ عَلَى البَيْعِ وَيَقُولُ: هذا سَيْفُ الحارِثِ بْنِ ظالِمٍ. فَاسْتَرْآهُ إِيّاهُ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ فَأَراهُ إِيّاهُ، فَعَلاهُ بِهِ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الحَرَمِ. فَقالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ يَرْثِي الحارِثَ بْنَ ظالِمٍ:
ما قَصَرَتْ مِنْ حاضِنٍ سِتْرَ بَيتِها أَبرَّ وَأَوفَى مِنكَ حارِ بنِ ظالِمِ
أَعزُّ وأَحمَى عِندَ جارٍ وذِمَّةٍ وَأَضْرَبُ فِي كابٍ مِنَ النَّقْعِ قاتِمِ
اُشْتُهِرَ الحارثُ بنُ ظالِمٍ بالشَّجاعَةِ والإقدامِ، فَكانَ مِن فُتّاكِ العَرَبِ في الجاهليَّةِ، وقد دَارَ مُعظَمُ شِعرِهِ حَولَ الفَخرِ والحَماسَةِ.
هوَ شاعِرٌ مُقلٌّ لكنَّهُ مِن أَصحابِ القصائِدِ المُنتقاةِ فِي أَشهرِ المُختاراتِ الشِّعريَّةِ العربيَّةِ، فقد اختارَ لهُ المُفضَّلُ الضَّبّيُّ قصيدتينِ ضِمنَ مُفضّليَّاتِهِ.
"قالتْ العربُ: أَسْخَى مِن حاتمٍ... وأَمْنعُ مِن الحارِثِ بنِ ظالِمٍ."
(ابن عبد ربّه/ العقد الفريد).
(أبو عبيدة/ ذكره ابنُ رشيقٍ في العُمدة).
(البغداديّ/خزانة الأدب).