هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
آمِنَةُ بنتُ وَهَبٍ بنُ عبدِ منافٍ، من قريشٍ، أمُّ النّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، كانت أفضلُ امرأةٍ في قريشٍ نَسَبًا ومكانةً، امتازتْ بالذَّكاءِ وحُسْنِ البيانِ، ربَّاها عمُّها وهيبُ بنُ عبدِ مناف، وتزوّجها عبدُ الله بن عبد المطّلب فحملَتْ منه بمحمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم، ورحلَ عبدُ اللهِ بتجارةٍ إلى غزَّةَ، فلمّا كان عائدًا إلى المدينةِ مَرِضَ فماتَ بها، وولَدَتْ آمنةُ بعدَ وفاتِهِ. فكانت تخرجُ كلَّ عامٍ من مكّةَ إلى المدينةِ لتزورَ قبرَهُ وأخوالَ أبيهِ (بني النّجار) وتعود. فمرِضَتْ بإحدى رحلاتِها هذه وتوفِّيَتْ بموضعٍ يقالُ له الأبواء بينَ مكّةَ والمدينةِ، وللنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم من العمرِ ستُّ سنينٍ وقيلَ أربع.
عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ، مِنْ قَبِيلَةِ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، وهو مِنْ أَقْدَمِ الشُّعَراءِ الجاهِلِيِّينَ، شاعِرٌ فَحْلٌ صَنَّفُهُ ابْنُ سَلّامٍ فِي الطَّبَقَةِ الثّامِنَةِ مِنْ طَبَقاتِ فُحُولِ الشُّعَراءِ، اشْتُهِرَ بِمُرافَقَتِهِ لِاِمْرِئِ القَيْسِ فِي رِحْلَتِهِ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، وَإِيّاهُ عَنَى امْرَؤُ القَيْسِ بِقَوْلِهِ (بَكَى صاحِبِي لَما رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ)، وَقد تُوُفِّيَ فِي رِحْلَتِهِ هذِهِ فَسُمِّيَ عَمْراً الضّائِعَ، وَكانَتْ وَفاتُهُ نَحْوَ عامِ 85هـ/ 540م.
السُّليك بن السُّلَكة هو السُّليك بنُ بنُ عمرِو بنِ سنان، من قبيلةِ سعد بنِ زيد مناة المنحدرة من قبائل تميم النّزارية العدنانيّة. والسُّلَكَة: أمُّه، ويُنسَب إليها. شاعرٌ جاهليٌّ من كبارِ الشّعراءِ الصّعاليك، عُرِفَ بغاراتِهِ على قبائلِ مراد وخثعم وبكر بن وائل، وكان معروفاً بشدّة البأس والقدرةِ الفائقةِ على العَدْو والمعرفة العظيمة بالصّحراء والمفاوز والقفار. يُعَدّ من أغربةِ العرب؛ لسوادِ بشرتِهِ ونسبتِهِ إلى أمِّه وشجاعتِهِ وشاعريّته، وقد قُتِل على يد أنس بن مدرك الخثعميّ نحو سنة 17ق.ه/606م. عدّهُ المفضّل الضبّيّ من أشدّ رجال العرب وأنكرِهم وأشعرِهم، ويدورُ شعرُه حول وصفِ صعلكتِهِ وغاراتِهِ ومشاهدِه.
امرُؤ القيس بن حُجر بن الحارث الكِنْدِيّ، يُلقّبُ بالملك الضّلّيل وبذي القُروح. شاعرٌ جاهليٌّ كبيرٌ من قبيلةِ كندة الّتي شكّلت مملكةً في نجد قبل الإسلام، تُوفّيَ نحو 85ق.ه/545م. عاشَ مرحلتينِ بارزتينِ من حياته؛ ابتدأت الأولى منذُ صباه وتميّزت بالتّرفِ واللَّهو النّاتجينِ عن كونِهِ ابناً لأسرةٍ ملكيّة، والأخرى ابتدأت بمقتل أبيه الملك حُجر بن الحارث على يد قبيلةِ أسد، وهي مرحلة امتازت بالحروب وطلب الثّأرِ والتنقّل بين القبائل العربيّة إلى أن وصلَ إلى قيصرِ الرّوم طلباً للمساعدة، وهناك أهداهُ الملكُ حلّةً مسمومةً جعلته يموتُ بمرضٍ جلديّ. يُعَدّ شاعراً من أهمّ الشّعراء العرب على مرّ العُصور؛ فهو من أصحاب الطّبقة الأولى وله المعلّقة الأشهر في الأدب العربيّ، وقد اعتُنِيَ بديوانه عناية بالغة في القديم والحديث. أمّا موضوعاتُ شعرِه فتركّز على الوصف والطّبيعة والأطلال ووصفِ الفرس والصّيد والمرأة واللّهو، بالإضافة إلى الشّعر المقولِ في التأريخِ لمقتل أبيه والأحداث اللّاحقة.
طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ بْنِ سُفْيانَ بْنِ سَعْد بن مالكٍ، من قبيلة بكْرِ بن وائِلٍ، مِنْ أَشْهَرِ شُعَراء الجاهِلِيَّةِ، وَمِنْ أَصْحابِ المُعَلَّقاتِ، وُلِدَ فِي بادِيَةِ البَحْرَيْنِ، وَنَشَأَ يَتِيماً، وَامْتازَ بِالذَكاءِ وَالفِطْنَةِ مُنْذُ صِغَرِهِ، وَأَقْبَلَ فِي شَبابِهِ عَلَى حَياةِ اللَّهْوِ وَالمُجُونِ وَمُعاقَرَةِ الخَمْرِ، ثُمَّ وَفَدَ عَلَى عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مَلِكِ الحَيْرَةِ مَعَ خالِهِ المُتَلَمِّسِ وَأَصْبَحَ مِنْ نُدَمائِهِ، وَقَدْ أَمَرَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ عامِلَهُ فِي البَحْرَيْنِ أَنْ يَقْتُلَ طَرَفَةَ لِهَجاءٍ قالَهُ فِيهِ، فَقَتَلَهُ وَقَدْ بَلَغَ العِشْرِينَ وَقِيلَ سِتّاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، كانَتْ وَفاتُهُ نَحْوَ سَنَةٍ (60 ق.هـ/ 565م).
زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى رَبِيعَةَ بْنِ رَباحٍ، المُزَنِيّ نَسَباً، الغَطَفانِيُّ نَشْأَةً، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ مِنْ أَصْحابِ المُعَلَّقاتِ، وَمِنْ أَصْحابِ الطَبَّقَةِ الأُولَى بَيْنَ الشُّعَراءِ الجاهِلِيِّينَ، عاشَ فِي بَنِي غَطَفانَ وَعاصَرَ حَرْبَ داحِس وَالغَبْراءَ، وَكَتَبَ مُعَلَّقَتَهُ يَمْدَحُ هَرِمَ بْنَ سِنان وَالحارِثَ بْنَ عَوْفٍ اللَّذَيْنِ ساهَما فِي الصُّلْحِ وَإِنْهاءِ الحَرْبِ، تُوُفِّيَ حَوالَيْ سَنَةِ 13 قَبْلَ الهِجْرَةِ.
عَبِيدُ بنُ الأبرصِ الأسديّ، أبو زِياد، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ قَديم، تُوفّيَ نحو 77ق.ه/545م. أحدُ شعراءِ المعلّقاتِ في تصنيف التّبريزيّ وشعراء المجمهراتِ في تصنيف أبي زيدٍ القرشيّ، وعدّه ابنُ سلّام في شعراء الطّبقة الرّابعة. كانَ شاعرَ قبيلتِهِ "أسد" وأحد وجهائها الكبار، اشْتُهِرَ بتوثيقِهِ لمآثرِ قبيلتِهِ لا سيّما حادثة قتلِهِم للملك الكِنْدِيّ "حُجر بن الحارث"، وفي شعرِهِ مناكفاتٌ مع امرئ القيس الّذي كان يطلبُ ثأرَه في قبيلةِ عَبيد. يُعَدّ في الشّعراء المعمّرين، وتدور موضوعاتُ شعرِهِ حول الحكمة ووصف الشّيب والشّيخوخة، بالإضافة إلى شعرِهِ في الفخر بنفسهِ وقبيلتِه، وشعرِهِ في وصفِ العواصفِ والأمطار. يرى كثيرٌ من الباحثين أنّ شعرَهُ مضطربٌ من النّاحية العروضيّة، ويستدلّ آخرون بشعرِهِ على أنّه ممثّل لبدايات الشّعر العربيّ. قُتِلَ على يدِ المنذر بن ماء السّماء بسببِ ظهورِهِ عليهِ في يومِ بُؤسِهِ كما تقولُ الرّواياتُ التّاريخيّة.
هو عروة بن الورد بن حابس العبسيّ، من قبيلةِ عبس المنحدرةِ من قبائلِ غطفان النزاريّة العدنانيّة، كُنيتُهُ أَبو نجد، شاعِرٌ وفارسٌ من رؤوسِ الصّعاليكِ في العصرِ الجاهليّ، وقد لُقِّبَ بأبي الصّعاليك لأنّه كان يحمي الصّعاليك ويقودُهم في الغارات، كما أنّه أحدُ المنظّرين الكبار للصّعلكة في الشّعر الجاهليّ؛ فقد نظّرَ لضرورةِ ثورةِ الصّعاليك على الأغنياء وإعادة علاقات التّوازن الاقتصاديّ في المجتمع. اشتُهِرَ بكرمِهِ وجودِهِ وحمايتِه للضّعفاء والملهوفين ودعوته إلى مكارم الأخلاق. تدورُ معظمُ قصائدُه حول الصّعلكة وضرورة الضّرب في الأرض بحثاً عن الرّزق، كما أنّ له قصائد في بعض الشؤون القبليّة في عصرِه.
السَّمَوْأَلُ بْنُ عُرَيضِ بْنِ عادِياءَ، مِنْ قَبِيلَةِ الأَزْدِ، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ، جَعَلَهُ ابْنُ سَلامٍ عَلَى رَأْسِ طَبَقَةِ الشُّعَراءِ اليَهُود، لَهُ حِصْنٌ مَشْهُورٌ بِتَيْماءَ يُسَمَّى الأَبْلَق، عُرِفَ السَّمَوْأَلُ بِالوَفاءِ وَلَهُ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ حَوْلَ حِفْظِهِ لِدُرُوعِ امْرِئِ القَيْسِ، وَهُوَ مِنْ الشُّعَراءِ المُقِلِّينَ وَأَشْهَرُ شِعْرِهِ لامِيَّتُهُ الَّتِي مَطْلَعُها: (إِذا المَرْءُ لَمْ يَدْنُسْ مِنْ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ فَــكُـــلُّ رِداءٍ يَــرْتَـــدِيـــهِ جَــمِــيــلُ) وَقَدْ نُسِبَتْ لِغَيْرِهِ، وَكانَتْ وَفاتُهُ نَحْوَ عامِ 65ق.هـ المُوافِقُ لعامِ 560م.
أَوسُ بنُ حَجَرٍ، مِن بَنِي تَمِيمٍ، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ مُقَدَّمٌ، كانَ يُعَدُّ شاعِرَ مُضَرَ فِي الجاهِلِيَّةِ لَم يَتَقَدَّمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى نَشَأَ النّابِغَةُ وَزُهَيْرٌ فَأَخْمَلاهُ، وَهُوَ زَوْجُ أُمِّ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَى، وَكانَ زُهَيْرٌ راوِيَتَهُ، وَقَدْ عَدَّهُ ابنُ سَلَّامٍ فِي طَبَقاتِهِ مِن شُعَراءِ الطَّبَقَةِ الثّانِيَةِ، وَكانَ أَوسٌ مُعاصِراً لِعَمْرِو بنِ هِندٍ، وَنادَمَ مُلُوكَ الحِيْرَةِ. عُمِّرَ طَوِيلاً وَتُوُفِّيَ نَحْوَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
عَمْرُو بْنُ كُلْثُومِ بنِ مالكِ بنِ عَتّابٍ، مِن قَبيلَةِ تَغْلِبَ بنِ وائِلٍ، وَأُمُّهُ لَيلى بِنتُ مُهلْهِلِ بنِ رَبيعةَ، شَاعِرٌ جَاهليٌّ مِن أَصحابِ المُعلَّقاتِ، وَهو مِنَ الشُّعراءِ المُقلِّينَ، سَادَ قَومَهُ وَهو فِي الخامِسةَ عشرةَ مِن عُمرهِ وكان فارِساً شُجاعاً وهو أحدُ فُتَّاكِ الجاهليّةِ، قَتلَ عَمرَو بنَ هِندٍ مَلِكِ الحِيرةِ فِي قِصّةٍ مَشْهُورَةٍ، وَماتَ وَقدْ بَلغَ مئةً وخَمسينَ عاماً، وكانت وفاتُه نحوَ سَنةِ 40ق.هـ/ 584م.
هيَ آمِنةُ بنتُ وَهَبِ بن عبدُ منافِ بن زهرةَ بن كِلاب بن مرَّةَ بن كعب بن لؤيّ بن غالبِ بن فهر بن مالك بن النَضر بن كنانةَ بن خزيمةَ بن مدركةَ بن إلياس بن مضرِ بن نزار بن معد بن عدنان.
تندرجُ آمنةُ بنتُ وهبٍ من بني زهرةَ بن كلابٍ وهم أحدُ بطونِ قريشٍ ذاتِ المكانةِ العظيمةِ فقدْ كانَ أبوها وهبٌ بن عبدِ منافٍ سيَّدَ بني زهرةَ شرفًا وحَسَبًا، وكذلك نسبُها من أمِّها، فهي ابنةُ برَّة بنتُ عبدِ العُزَّى من بني عبدِ الدّار بنُ قصيِّ بن كلابٍ أحدِ بطونِ قريشٍ.
نَشَأَتْ آمنةُ بنتُ وهَب في أسرةٍ عريقةِ النَّسَبِ، مشهودٍ لها بالشرفِ والأدبِ، وربَّاها عمُّها وهيبُ بن عبد مناف، وكانت تُعْرَفُ بزهرةِ قريشٍ فهيَ بنتُ بني زُهرة. وقيلَ إنَّها عندما خُطِبَتْ لـعبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطّلبِ كانتْ أفضلَ فتاةٍ في قريشٍ نسبًا وموضعًا.
ثمَّ ذهبَ عبدُ المطّلبِ بابنِهِ عبدِ اللهِ حتّى أتى وهبَ بنَ عبدِ مناف، وهوَ يومئذٍ سيَّدُ بني زهرة سنًّا وشرفًا، فزوَّجَهُ ابنتَهُ آمنةَ بنتَ وهبٍ وهيَ يومئذٍ سيَّدةُ نساءِ قومِها. ولمّا تزوَّجَها عبدُ اللهِ أقامَ عندها ثلاثةَ أيّام، وكانتْ تلكَ العادةُ عندَهمْ، وحملَتْ آمنةُ بالنّبيِّ محمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم.
وما لَبِثَتْ أنْ ماتَ عنها زوجُها عبدُ اللهِ حينَ خرَجَ من مكَّةَ متوجِّهًا إلى غزَّةَ في الشامِ في قافلةٍ للتّجارةِ بأموالِ قريشٍ، وفي طريقِ عودَتِهِم وأثناءَ مرورِهِمْ بالمدينةِ المنوَّرةِ مرِضَ عبدُ الله، فقرَّرَ البقاءَ عندَ أخوالِه من بني النّجّارِ على أملِ اللَّحاقِ بالقافلةِ إلى مكَّةَ عندما يُشْفَى من مرَضِه، فمكثَ عندَهم شهرًا، وتوفِّي بعدَ ذلك وعمرهُ خمسٌ وعشرون سنةً، ودُفِنَ في دارٍ تُسمَّى (دارُ النّابغةِ) (وهوَ رجُلٌ من بني عديّ بن النّجار)، وكانتْ زوجَتُه آمنةُ بنتُ وهبٍ يومئذٍ حاملاً بالنبيّ محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم لشهرينِ. وقدْ تركَ عبدُ الله وراءَه خمسةَ أجمالٍ، وقطعةَ غنمٍ، وجاريةً حبشيَّةً اسمُها (بركة) وكُنْيَتُها أمُّ أيْمَن. وقالتْ آمنةُ ترثي زوجَها عبدَ الله:
عَفـا جـانِبُ الْبَطْحاءِ مِنْ إِبْنِ هاشِمٍ وَجاورَ لَحْـدًا خارِجًا فِي الْغَماغِمِ
دَعَتْـهُ الْمَنايـا دَعْـوَةً فَأَجابَهـا وَما تَرَكَتْ فِي النَّاسِ مِثْلَ ابْنِ هاشِمِ
عَشِــيَّةَ راحُــوا يَحْمِلُـونَ سـَرِيرَهُ تَعــاوَرَهُ أَصْـحَابُهُ فِـي الـتَّزاحُمِ
فَـإِنْ يَـكُ غالَتْهُ الْمَنايا وَريْبُها فَقَـدْ كـانَ مِعْطَـاءً كَثِيرَ التَّراحُمِ
وأمَّا ولادتُها للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقدْ رُوِيَ أنّها حينَ حملَتْ بهِ أُتِيَتْ فقيلَ لها: «إنّك قد حملتِ بسيِّدِ هذه الأمّةِ، فإذا وقعَ على الأرضِ فقولي "أعيذُه بالواحدِ من شرِّ كلِّ حاسدِ"، ثم سمِّيه "محمّدًا"». وبعدَ أنْ بقِيَ محمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم في بطنِ أمّهِ تسعةَ أشهرٍ، وُلِد في مكَّةَ في شِعْبِ أبي طالبٍ، في الدّارِ التي صارتْ تُعرف بدارِ "ابنِ يوسف". وتولّت ولادتَهُ (الشّفاء) أمّ عبد الرّحمن بن عوف.
وقد كانَ مولِدُهُ يومَ الاثنين، الثّامنَ من ربيعِ الأوّل، وقيلَ التاسعَ من ربيعِ الأوّل، وقيلَ الثاني عشر من ربيعِ الأوّل وهو المشهور عند المسلمين، من عامِ الفيلِ، بعدما حاولَ أبرهةَ الأَشْرَم غزوَ مكَّةَ وهدمَ الكعبةِ، وقيلَ بعده بشهرٍ، وقيلَ بأربعينَ يومًا، وقيل بخمسينَ يومًا وهو المشهورُ.
وكانتْ آمنةُ تحدِّث أنّها لمْ تجِدْ حينَ حملَتْ بهِ ما تجدُه الحواملُ من ثقلٍ ولا وحمٍ، ولمّا وضعتُه وقعَ إلى الأرض مستقبلَ القبلةِ رافعًا رأسَه إلى السماءِ، مقبوضةً أصابعِ يديهِ مشيرًا بالسّبابة كالمسبّحِ بها. وأنّها رأتْ حينَ ولدتْهُ كأنّه خرجَ منها نورٌ أضاءَتْ له قصورَ الشّام. قالتْ أمّ عثمان بن أبي العاص: "حضرتُ ولادةَ رسولِ الله ﷺ، فرأيتُ البيتَ حين وُضِعَ قد امتلأَ نورًا، ورأيتُ النّجومَ تدنو حتّى ظننتُ أنّها ستقعُ عليّ». وبعدما ولدَتْهُ أرسلتْ إلى عبدِ المطّلب تبشِّرُهُ بحفيدِه، ففرحَ به فرحًا شديدًا، ودخلَ به الكعبةَ شاكرًا الله، وقالَ "ليكوننّ لابني هذا شأنٌ"، واختارَ له اسمَ "محمّد" ولم تكنْ العربُ تسمّي به آنذاك، إلّا ثلاثةٌ طَمِعَ آباؤهم حينَ سمعوا بذكرِ محمّدٍ وبقُرْبِ زمانِه وأنّه يُبعثُ في تهامةَ فيكونَ ولدًا لهم. وقدْ علمتْ اليهودُ آنذاك بولادةِ محمّد، يقول حسّان بن ثابت "والله إنّي لغلامٌ يَفَعَة، ابنُ سبعِ سنينٍ أو ثمانٍ، أعقِلُ كلَّ ما سَمِعْتُ، إذْ سَمِعْتُ يهوديًّا يصرخُ بأعلى صوته على أَطَمَةٍ بيثرب: يا معشرَ يهود، حتّى إذا اجتمعوا إليه، قالوا له: ويلكَ ما لكَ؟ قال: طلعَ اللّيلةُ نجمُ أحمدَ الذي ولد به".
تُوفِّيَتْ آمنةُ بنتُ وهَب وهيَ بنتُ عشرينَ سنةً، وقدْ وافَتْها المنيَّةُ قافلةً من زيارَتِها لأقارِبِها بيثربَ بالأبواءِ، فلمّا بلغَ الرّسولُ صلّى الله عليه وسلّم ستَّ سنينٍ خرجَتْ بهِ إلى أخوالِه بني عديّ بن النّجار بيثربَ تزورُهم به، ومعَهُ أمّ أيمن تحضُنُه، وهم على بعيرينِ، فنزلَتْ به في دارِ النّابغةِ عندَ قبرِ أبيه عبدِ الله بن عبدِ المطّلب، فأقامتْ بهِ عندَهم شهرًا، ثمَّ رجَعَتْ بهِ إلى مكَّةَ فلمّا كانوا بالأبواءِ توفِّيَتْ، وقبرُها هناك، ورجعَتْ به أمُّ أيمنَ على البعيرينِ إلى مكَّةَ.
اختلفتِ الآراءُ حولَ قبرِها، وهناكَ روايةٌ تقولُ بأنَّها دُفِنَتْ في مقبرةِ الحَجونِ، والمشهورُ أنَّ قبرَها على جبلٍ. وكان القبرُ معروفًا بينَ النّاس، إلّا أنّه أُزِيل. وكان قديمًا على القبرِ بناءٌ، وقيلَ أنَّ قبرَها في مقبرةِ أمِّ عثمانَ. وهناك قبورٌ تنتسِبُ لها في الأبواءِ.
ويُقدِّرُ الزِّركليّ تاريخَ وفاتِها بـ45ق.هـ الموافق لـ575م.