هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هـيَ الرّيـحُ قد هبّت من الغَربِ صَرصَرا
تلبّــدُ فــي جـوِّ الشـآمِ الكَنَهـورا
تربَــدُّ حــتى احمـرَّ واسـودَّ فَوقهـا
فأمطَرهــا الشــؤبوبُ أسـودَ أحمـرا
فمــا وقــتِ الآطـامُ حلسـاً دلهمَسـاً
ولا حَمــتِ الآجــامُ ليثــاً غضــَنفرا
رَعـى اللـهُ أرضـاً أصبَحت بعدَ نَضرِها
ســُجوناً وأرماســاً لِشــعبٍ تبــذَّرا
حلاحِلُهـــا المحشــودُ فــرَّ وقَبلَــهُ
حمارِســُها المقــدامُ خــرَّ مُقَطّــرا
لقــد جــلَّ رِزءُ المُسـلمينَ برزئهـا
وقـد حـلَّ مـا شـقَّ الصـّدُورَ وأوغـرا
يــرونَ مُـرادي الخيـلَ تـدعَقُ تُربـةً
عليهــا أميــرُ المــؤمنينَ تخفّـرا
ولــو حَدَســت أجفــانُهم وقُلــوبُهم
لكــانَ وربِّ الكعبـةِ الحـدسُ أيسـرا
وهـانَ عَليهـم أن يموتـوا فلا يَـرَوا
أُفـولَ الهُـدى حَيـثُ الحِجـابُ تسـرّرا
فيـا ذلّـةَ الإسـلامِ والمُلـكِ والتُّقـى
وقــد وطِــئ الأعلاجُ خــزّاً ومرمــرا
وكيـفَ يطيـبُ العَيـشُ للمُسـلمِ الـذي
يَـرَى الـدينَ عـن أرضِ الشآم مُقَهقرا
فمِـن نهـرِ هُنـدوسٍ إلى النّيلِ نَعيُها
ومـن بحـرِ قزويـنٍ إلـى بحـرِ مرمرا
لــه جَفَّــتِ الجنَـاتُ إذ بـضَّ ماؤهـا
فمـا الحُـورُ والولدان يُسقَونَ كوثرا
وزَحزَحَــتِ القَــبرَ الشـّريفَ خُطُوبُهـا
وزَعزَعــتِ البَيـتَ العَـتيقَ المُسـتَّرا
فـأيُّ عِظـامٍ فـي الثّـرى مـا تَقلقَلت
وأيُّ حســـامٍ فـــوقَهُ مــا تَكســَّرا
تبـاغَى عُلـوجُ الـرّومِ يَبغـونَ قِسـمَةً
لأرضٍ عــــروبٍ أنكَرتهـــم تَـــبرُّرا
ومــا بكَّــةُ العُطمـى تَبـكُّ رِقـابهم
ولا مُضـَرٌ تـدعو إلـى الشـام حِميـرا
فتعســـاً لشـــَعبٍ خامـــلٍ مُتَملّــقٍ
يـــؤلّه عِلجـــاً ظالمــاً مُتَجبِّــرا
وســَحقاً لأرضِ عَفَّــرَت هــامَ أهلِهــا
إذا حــلَّ فيهـا ثعلـبٌ صـار داغـرا
فمــا شــَعبُها شــعبٌ ولا هـيَ مـوطنٌ
وقــد قيـلَ للعـاوي هُنالِـكَ زمجـرا
إِلامَ يُضــــامُ النّـــابهونَ بأمـــةٍ
تُطبِّــلُ إن جــاءَ الغَريــبُ مُزَمِّــرا
جنازَتُهـــا عـــرسٌ وتَعـــذيبها دَدٌ
فقُــل أُمَّــةٌ هَــذي تُبــاعُ وتُشـترى
وأحرارُهــا أعــداؤها وهــيَ عَبـدَةٌ
لئن أبقَــت مــن ســَيِّدٍ تَلـقَ آخـرا
لقــد جَرَّمــت أتقـى بَنيهـا وغَرَّمَـت
كِرامــاً بهــم حِفـظُ الأمانـةِ غـرّرا
ألسـتَ تراهـا تشـتمُ الفَضـلَ والنُّهى
وتســـخرُ ممَّـــن لا يَعيــشُ مســَخّرا
ولكـــن لهــا بــالطَّيبينَ شــَفَاعةٌ
فَهُــم خيــرُ أبــدالٍ لخيـرٍ تـأخرا
تــأنّثَ فــي أرضِ الشــآمِ رِجالُهــا
وفـي غَيرهـا الأُنـثى تَسـلُّ المُـذكّرا
وأســـيادُها زربيَّـــةٌ خَلـــفَ دائصٍ
وطاغيــةُ الإفرنــجِ صــارَ المـؤمَّرا
مَشــى مَرِحــاً فيهــا يُصــعّرُ خَــدَّهُ
فــــأنكرَ تحليلاً وحَلّـــلَ مُنكـــرا
ومـا انفكّ بينَ الرّفقِ والعنفِ مُدغِلاً
يُعبِّـــئُ للأحــرارِ زنجــاً وبربــرا
وخــافَ مِــنَ القـومِ اتحـاداً وقـوّةً
فَغـــرَّ وأغــرى واســتَجاشَ وســوّرا
ولمّــا رآهــم فـي التَّقـاطعِ حَضـَّهم
ولمّــا رآهــم فـي التّقـاعُسِ شـمّرا
لـــهُ شـــهوةٌ وحشـــيَّةٌ وضـــريبةٌ
صـــليبيّةٌ لكِنَّـــهُ قـــد تَســـتَّرا
فمـــا كــان أبغــاهُ عُتِلَّاً مشــرّزاً
بلحـــظٍ فرنـــديٍّ وقلـــبٍ تحجَّــرا
لقــد شـهدَت مرّاكِـشُ الفتَكـةَ الـتي
لهــا ضــَجَّتِ الأملاكُ والنَّجــم غـوَّرا
فحَـــرَّقَ مُجتاحـــاً وغــرَّمَ ناهِبــاً
وقتَّـــلَ ســـفّاحاً وعـــاثَ ودمّــرا
ففـي المغربِ الأقصى وفي الشّام صَيحَة
يُردِّدُهــا مـا فـي القُبـورِ تَبَعـثرا
كــأنّ حُظــوظَ المُســلمينَ لِتعســِهم
أعــــدَّتهُ جلّاداً لهـــم ومُســـَيطرا
تــوالت علــى أرضِ الشــآمِ وُلاتُهـا
فمــا حَمَلـت أدهـى وأقسـى وأخـترا
بَــدَت منــهُ فيهــا قســوةٌ همَجيـةٌ
فنَفّـــر ذُهلــولاً وســيداً وقَســوَرا
بأفتـــكِ جُنـــدٍ راعَ أضــعفَ أُمّــةٍ
فمــا كـان إِلا أزرَقَ العيـنِ أبـترا
ومـن قـومهِ الصـُّهبِ العَثـانينِ زُمرَةٌ
حـواليهِ كـانت منـهُ أطغـى وأفجـرا
مَلاحِـــدُ ســِكّيرونَ للمــالِ ســَعيُهم
لهــم قَـرَمٌ بـالبطنِ والفَـرجِ حيّـرا
فصـبراً علـى اسـتِبدادِهم واختيالِهم
لنأخُــذَ عنهــم ثــم نُصـبح أقـدَرا
ألا رُبَّ شــّرٍ كــان للخَيــرِ واقعــاً
فأحســَنَ عُقــبى مَــن وعـى وتفكّـرا
تجــرَّأَ طــاغُوتٌ علــى غَــزوٍ أُمّــةٍ
وإرهاقِهـــا حــتى تــذِلَّ وتَصــغُرا
رأت منـهُ تَقتيـلَ العواطِـفِ والمنـى
فهــانَ عَليهــا أن تمــوتَ ولا تـرى
برجــلِ دِفــاعٍ راعَهــا واســتَذلَّها
فصــَيَّرَ أرضَ الشــامِ طــرّاً مُعسـكَرا
وحَشـــَّدَ لِلأحـــرارِ زحفــاً مُضرِّســاً
مُضـرَّىً قـد اعتـادَ الفَواتِـكَ والضّرى
ومــا حَمـدَ الإفرنـجُ قلبـاً وسـاعداً
ولكنَّهــم قــد يجمــدونَ الســنوَّرا
عَليـهِ إذا اشـتَدّ القِتـالُ اتِّكـالهم
ولـــولاهُ لا نلقـــى أذَلَّ وأخســـَرا
ملأنــا فـؤاد العِلـجِ رُعبـاً وهيبـةً
فـــأحكمَ آلاتِ الـــدَّمارِ وأكـــثرا
معـــدّاتُهُ كُـــثرٌ وجـــمٌّ عَديـــدُهُ
وإعــدادُنا مـن عَـدِّنا كـان أنـزرا
ومــاذا يُرجَّــى مــن ســِلاحٍ مُصــَرَّد
وجُنـــدٍ حَماســـيٍّ تَطـــوّعَ أشــهرا
كــبيرٌ علـى الجيـشِ الصـّغيرِ مُقـدَّمٌ
أطــاعَ الهــوى حــتى رآهُ مُكَبَّــرا
هـو الأعظـمُ ابنُ العَظمةِ البَطلُ الذي
أبـى العـارَ فاختارَ الوقيعةَ مَخطرا
إليـهِ تنـاهى الضـّرسُ مـن كـلِّ مَعشرٍ
فكــان بتأثيــلِ الكتــائبِ أخـبرا
ولكــنَّ مُلكــاً حادثــاً قــلَّ مـالهُ
وأعــوانُه قـد صـادَفَ الأمـرَ أعسـرا
فأقــدمَ حــتى قيــلَ ليــسَ مُـدَرَّباً
وخــاطَرَ حــتى قيــلَ ليــسَ مـدبِّرا
وإذ تســــتخِفُّ الأريحيّـــةُ رَبَّهـــا
يَـرى المـوتَ سـكراً والمـرارةَ سُكّرا
لقـــد طـــوّحتهُ نخـــوَةٌ عربيَّـــةٌ
تهـــوَّسَ مـــن هَزاتِهـــا فتَهــوّرا
وَمــن ذا يـردُّ البحـرَ فـي هَيَجـانهِ
إذا اصـــطخَبت أمـــواجُهُ فــتزّخرا
ترَبّــص إحــدى الحُســنَيينِ تبســُّلاً
فمــا عــابَهُ ألا يكــونَ المُظفَّــرا
وأيقَــنَ أن النصـرَ فـي جنـب خصـمِهِ
ولكــن رأى حــظَّ الشـَّهيدينَ أفخـرا
علــى أشــرَفِ الميتـاتِ وطَّـنَ نفسـهُ
فشـدّ لِكـي يلقـى الـرّدى لا لِيُنصـَرا
ونادى بأعلى الصّوت يدعو إِلى الوفى
وحـاوَلَ أن يهـدي الخليـطَ المُبعثرا
ومــا ذاكَ إِلا مــن إبــاءٍ ونخــوةٍ
يزيــدانِ نفــسَ المُســتميتِ تكبُّـرا
إذا الحــرُّ ألفــى بالحيـاةِ مَذلَّـةً
يَكــرُّ إِلــى حيــثُ المنيّـةُ تُـزدَرى
خميــسُ العـدى أربـى عديـداً وعـدَّةً
فمـا هـابَهُ بَـل كـان لِلحَـربِ مُسعِرا
ولــو عـادلَ الأعـداءَ جُنـداً وأهبـةً
لنثَّـــرَ إِكليــلَ الســّماءِ وضــَفَّرا
فقــادَ بريمــاً مــن رِجــالٍ أعِـزَّةٍ
ليلقــى خميســاً قارِحــاً مُتجَمِّــرا
تواصـوا علـى حـربِ العِدى وتحاشدوا
مَذاويــد يلقــونَ المــدافعَ حُسـَّرا
عروبَتُهــم قـد أعربـت عـن نُفوسـهم
فكـانت مـن الإبريـزِ أصـفى وأبهـرا
لقــد حقـرت فـي ضـُعِفها كـلَّ بـاذخٍ
كما استصغرت في البأس كِسرى وقيصرا
فلــم تحمِــلِ الغَـبراءُ أصـدقَ همَّـةً
وأثبَــتَ إقــداماً وأطيــبَ عُنصــُرا
لهــم جهّـزَ الجبّـارُ جيشـاً عرَمرمـاً
فلـم يشـهدِ الألمـانُ أقـوى وأكـثرا
ولكــنَّ أبنــاءَ القُــرومِ تبــذّلوا
لِمــوتِ شــريفٍ كـان بـالحرِّ أجـدَرا
فكـان لهـم بالقـائدِ الشـّهمِ إسـوةً
وكــان المُرجَّــى للشـؤونِ المصـدّرا
علـى الهضـبةِ الشـّماءِ كـان وقـوفُهُ
يُباصــِرُ أجنــادَ العِــدى مُتبصــِّرا
فعـــرَّضَ للأخطـــارِ نفســاً عزيــزةً
ومُرتبــةً مــن أن يخــاطِرَ أخطــرا
وعـانقَ بنـتَ المجـدِ واستقبلَ الرَّدى
أمــامَ الســَّرايا صــابراً ومُصـبِّرا
أطــــلَّ علــــى أعـــدائهِ مُتهلِّلاً
فهلَّـــلَ جيــشُ المــؤمنينَ وكبَّــرا
وأكــبرَ جيــشُ المعتـدينَ اقتحـامَهُ
فقــالَ أهـذا السـّيلُ يصـدعُ أنهـرا
تــرادوا بــآلاتِ الـرّدى وتراشـقوا
ونــارُ الـوغى منهـا جحيـمٌ تسـعَّرا
فطَبَّقـــت الآفـــاقَ لمّــا تبَهنَســت
وأنفاســُها كــانت دُخانـاً وعِـثيرا
تـداعت جبـالُ الشـّامِ مـن صـعقاتِها
وهــزَّ صــداها أرضَ بصــرى ودُمّــرا
لِصـــوقعةِ الجلّــى صــواعِقٌ جَلّلــت
لهــا الفلـك الأعلـى دَجـا وتقـوَّرا
فكــانت جحيمـاً مـن أبالِسـةٍ أتـوا
يـبيعونَ وسـطَ النّـارِ فحشـاً ومُسكرا
فكــم ثـمَّ مِـن دبّابـةٍ دكَّـتِ الرُّبـى
وطيّــارَةٍ شــعلولها دكــدَكَ الـبرى
فلــم يرهـبِ الأبطـالُ تحـتَ لِـوائهم
براقيــلَ بالســّجيلِ ترمـي مُـدَردرا
جلاميــدَ كــانوا بالجلاميـدِ أُلصـِقت
فمـا زَحزَحتهـم مطـرةُ النّـارِ مشبرا
ســــواعِدُهم صــــفريَّةٌ وصـــدورُهم
حديديَّــةٌ تــزري الحدِيـدَ المُزَبَّـرا
لقــد ثبتــوا حُمســاً وكـلُّ مُجاهِـدٍ
لِعشـــرةِ أعلاجٍ فـــأبلى وأعـــذَرا
فقـــالَ أعــاديهم لحُســنِ بلائهــم
أذلِــكَ جُنـدُ اللـهِ أم أُسـُدُ الشـّرى
كـذا لبسـوا فـي النّقعِ ثوباً مُضرَّجاً
لِكـي يلبسـوا العليـاءَ بُرداً مُحبَّرا
ولكــن لجــدٍّ عــاثِرٍ خـانت الـوغى
فــأردت أميـرَ الجيـشِ حـرّاً تهجَّـرا
تصعصـعَ صـفُّ الجنـدِ وانصـاعَ حـائراً
لمصــرعِ نــدبٍ كـانَ قُطبـاً ومحـورا
تقــوَّضَ رُكــنُ الــدّينِ عنـدَ سـُقوطِه
ومـالَ عمـادُ المُلـكِ والحـقُّ أدبـرا
لــه خُســِفت أرضُ الشــآمِ وزَلزلــت
وأوشـــكتِ الأجـــرامُ أن تَتــدَهورا
هـوى القائدُ الأعلى فتى العربِ الذي
حكـى أنجـدَ القـوّادِ بـل كان أمهرا
فهـــل بعـــدهُ حُرّيـــةٌ وســـعادةٌ
لشـعبٍ يـرى جيشـاً مـن الرّومِ أخزَرا
أصــابتهُ فــي حــرِّ النِّضـالِ شـظيَّةٌ
أصـابت قلـوب العُـربِ فاصـِمَةُ العُرى
فخــرّ صــريعاً وهــو أبســلُ قـائدٍ
ومَــجّ نجيعـاً أخلـجَ الجـرحِ أتغـرا
وجـــادَ بنفـــسٍ حُـــرَّةٍ مُشـــمئزَّةٍ
تــودُّ ولــو بــالموتِ أن تتحــرَّرا
أرادَت ِإلــى دارِ الخلــودِ تخلُّصــاً
فمــا وجــدَت إلا الشــَّهادَةَ معـبرا
فــأطهرُ أنفــاسٍ إليهــا تصــاعدَت
وأزكــى دمٍ يــومَ الجهــادِ تَفجَّـرا
ســرى نفــسٌ منــه الرِّيـاحُ تعطّـرَت
وســالَ دمٌ منــهُ التّــرابُ تطهّــرا
فأجنِحــــةُ الأملاكِ فيـــهِ تخضـــَّبت
وقــد مَســحتهُ كــي يُصـانَ ويُـذكرا
علـــى شـــرفٍ أودى فشـــرّفَ أُمَّــةً
وقــدَّسَ أرضــاً حجَّبــت منـهُ محسـرا
رأتـــهُ ثَقيلاً فاســـتخفّتهُ ميِّتـــاً
وضــمَّتهُ مشــبوحَ الـذِّراعينِ مُسـقرا
طـويلاً سـتبكيهِ الفـواطمُ فـي الحِمى
فقـد كـان دون الخِدرِ والحصنِ حيدرا
وينــثرنَ أزهــاراً ومسـكاً ولؤلـؤا
ودمعـاً علـى أحـبى الخـدودِ تحـدّرا
علينـــا يميــنٌ أن نحُــجَّ ضــريحهُ
لنأخُـــذَ منـــهُ قُـــوَّةً وتصـــبُّرا
فأطيبنــا ريحــاً وخلقــاً وســمعةً
قضـى فـي هوانـا أشعَثَ الرأسِ أغبرا
أيوسُفَ يا ابن العظمةِ استعظمَ الورى
شــهادَتَكَ المُثلـى ومثلـكَ لـم يـرا
تردَّيـــتَ فارتـــدَّت أمــانيُّ أُمّــةٍ
مُشـــرَّدةٍ تشــتاقُ عَرشــاً ومنــبرا
يَعِـــزُّ علينــا أن نــراكَ مُشــَحَّطاً
وتـأبى الثُّريَّا أن نواريكَ في الثَّرى
ألا يـا شـهيدَ الحـقِّ والمُلكِ والهُدى
بموتِــكَ بجّلــتَ الضــَّعيفَ المُحسـَّرا
وأحييــتَ شــعباً صـارَ فـي نكبـاتهِ
يـرى القـبرَ مهـداً والنّـذيرَ مُبشِّرا
فســوريَّةُ الثّكلــى عليــكَ تفجَّعــت
وقــد ذهبـت فيهـا النّفـوسُ تحسـُّرا
فنــم فــي ثراهـا مُطمئنّـاً مُكرَّمـاً
فـذاكَ الثّـرى قـد صارَ مِسكاً وعنبرا
عليـــكَ صـــلاةُ المُصــطفى وســلامُهُ
فــأنت كـبيرٌ صـار بـالموت أكـبرا
صــحابُكَ فِتيــانٌ كِــرامٌ تســاقطوا
وكـانوا على الهيجاءِ والموتِ أصبرا
لقــد أرخَصــوا أرواحهـم ومتـاعهُم
وغـالوا بـأعراضٍ هـي النّجـمُ أزهرا
فمــاتوا أُبــاةً مُســلمينَ تشـَهَّدوا
فلـم تشـهدِ الجنّـاتُ أتقـى وأنصـرا
بهـــم قــدَّمت أرضُ الشــآمِ ضــحيَّةً
تقبّلهــــا ربُّ الســـماءِ وبـــرَّرا
وكــلٌّ شــهيدٍ ســوفَ يشــخُبُ جرحــهُ
دمـاً طـاهراً يـومَ القيامـةِ أذفـرا
يُــرشُّ علــى الجنّــاتِ مِنـه تبرُّكـاً
فينبــتُ فيهــا زعفرانــاً وعُصـفرا
ســلامٌ علــى الأبطــالِ إنّ دمــاءَهم
ســتُحيي شـُعوراً لـن يمـوتَ ويُقـبرا
لعمـرُ العُلـى الأحيـاءُ هـم فمماتُهم
خُلــودٌ وهـذا حـظّ مـن عـاشَ مـؤثرا
سـقاكِ الحيـا يـا ميسلونَ كما سقوا
ثـراكِ دمـاً مـن صـيِّبِ المُـزن أطهرا
شـهدتُ الأُلـى يـوم الشـّهادةِ أشهدوا
علـى الحـقّ والحريّـةِ اللـه والورى
فأضـحى يقينـاً كـلُّ مـا كـان شـُبهة
وأمسـى قويمـاً كـلُّ مـا كـان أزورا
عـــل كـــلِّ رشٍّ مــن دمٍ رشُّ مــدمعٍ
ففـي الوجدِ صار الدّمعُ والدَّمُ جوهرا
فمـــا كــان أغلاهُ وأثمنَــهُ دمــاً
علـــى ذوبِ أرواحٍ وأدمِغـــةٍ جــرى
لقـــد ذهبــت بطلاً دمــاءٌ عزيــزةٌ
بتهريقهـا ذو البطـلِ أصـبح أبطـرا
ولكِنَّهـــا ســـالت لخيــرٍ ونعمــةٍ
كمــا سـالَ يُنبـوعٌ فـأروى وأنضـرا
ســَقت زَرعَ أحــرارٍ وأغــراسَ أُمــةٍ
كـذلكَ حـانَ الـزّرعُ والغـرسُ أثمـرا
ومـــا بَســـقت حرّيـــةٌ وتأصـــّلت
بغيـرِ الـذي يجـري مِنَ القلبِ مُهدرا
هَــوى عَلــمٌ قـد ظلَّـلَ المُلـكَ مُـدَّةً
فبــاتَ علــى كــلِّ العُيـونِ مُصـوَّرا
ولكنَّــهُ لــم يهــوِ عَـن قَلـبٍ أمـةٍ
تـراهُ علـى البأسـاءِ أبيـضَ أخضـرا
لقـــد رَفعتــهُ ثــم فــدَّتهُ حُــرَّةٌ
وشــامَت بــهِ برقــاً تـألَّقَ مُمطـرا
فــألوانُهُ فــي كــلِّ قلــبٍ ومُقلـةٍ
ونجمتُــهُ تهــدي الضـَّليلَ المحيَّـرا
بنجمتِـهِ الزهـراءِ فـي اليأسِ نهتَدي
وقــد زيّنــت مـا بالـدِّماء تحمّـرا
ومــا هــي إِلا رَمــزُ أُمنيَّــةٍ بـدَت
لنا في المنايا فازدَرَينا المُحذفَرا
ســَلامٌ علــى ذيّالِــكَ العَلـمِ الـذي
بَــدا فـي دياجينـا مَنـاراً ونيِّـرا
فقدَّســهُ يــومَ الشــَّهادةِ والفِــدَى
دَمُ الشـُّهداءِ المُرتقيـنَ إِلـى الذُّرى
كــراتُ الأعــادي مزَّقتـهُ فلـم يكُـن
بتمزيقــــهِ إِلا أَجــــلَّ وأوقـــرا
تحيَّتُهـــا زادَتـــهُ عــزّاً ورِفعــةً
وحبّــاً وإكرامــاً وحُســناً مُــؤثِّرا
جَوانحُنــــا آفــــاقُهُ وقُلوبُنـــا
مَطــالِعُهُ مــا بلّـلَ الـدّمعُ محجـرا
فلــن يحجبـوا ألـوانَ مجـدٍ ونجمَـةً
تـذُرُّ علينـا مِـن دُجـى الخطبِ أظهرا
ســَنحيا كمــا مُتنـا كِرامـاً لأجلـهِ
وعـن نيلـهِ بـاعُ العِـدى كان أقصَرا
ونـذكر يومـاً أثبـت الحـقَّ بـالرَّدى
ونحفَــظُ تبلاً صــَيّرَ القلــبَ مُجمـرا
ونكظـــمُ غيظــاً مُظهريــنَ تجلُّــداً
وننهـــضُ شــعباً حــائراً مُتَعثَّــرا
ونثـــأرُ بَطّاشــينَ بعــد ســُكوتِنا
وقــد حـرَّكَ التّـذكارُ حِقـداً مُـدثَّرا
ونضــربُهُم ضــرباً بمـا ضـرَبوا بـهِ
ونرشــُقُهم رشــقاً دَراكــاً مُشرشـرا
ولا رَحمــةٌ يــومَ التّفـاني فطالمـا
غـدا معشـرٌ يُفنـي مـن الضّغنِ مَعشرا
عـن الثّـأرِ والشـّحناءِ ضاقت صُدورُنا
وهــذا انتِقــامٌ كـان مِنّـا مُقـدَّرا
فقــل أيُّهــا المُسـتذئبونَ ترقَّبـوا
مــن العـربِ الأقتـالَ يومـاً مُشـهَّرا
صـَبرنا علـى المكـروهِ منـا نُفوسنا
وقــد بَلغــت عِــذراً بـأمر تعـذَّرا
كتبنــا علــى رقِّ القلـوبِ عُهودَنـا
فصــينت ولـن تمحـو الأسـِنّةُ أسـطُرا
لقـــد شـــهدَت أمٌّ وأخــتٌ وزوجــةٌ
وبنــتٌ وجُوهــاً شـوّهتها الحبـوكرى
لنـا فَخرُهـا الأسـمى وللخصـم نصرُها
ورُبَّ انتِصـارٍ كـان فـي البطل مُعوَرا
فيالــكِ مــن ذكــرى هُنـاكَ أليمـةٍ
لنــا كلــفٌ منهــا بــأن نتـذَكَّرا
فقلــت لِعينــي حــانَ أن تتقطَّــري
وقلــتُ لقلــبي هــانَ أن تتفَطَّــرا
تمنيَّــتُ مـع فتيـانِ قـومي شـهادَتي
ولكنّنــي أهــوى الحيــاةَ لأثـأرا
إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة.شاعر من أدباء لبنان في المهجر الأميركي، امتاز بروح عربية نقية.ولد بقرنة الحمراء في المتن بلبنان، وتخرج بمدرسة الحكمة ببيروت، وهاجر إلى أميركا الجنوبية 1908 فأصدر جريدة الحمراء في ريو دي جانيرو بالبرازيل، واتخذ لنفسه اسم أبو الفضل الوليد سنة 1916.عاد إلى وطنه سنة 1922، وقام برحلات في الأقطار العربية وغيرها.له: كتاب القضيتين في السياستين الشرقية والغربية، ونفخات الصور، وأحاديث المجد والوجد، والسباعيات مقاطيع شعرية، وقصائد ابن طعمة.