هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
بِاِســمِ الإِلَــهِ المَلِـكِ الرَحمَـنِ
ذي العِــزِّ وَالقُـدرَةِ وَالسـُلطانِ
الحَمــــدُ لِلَّـــهِ عَلـــى آلائِهِ
أَحمَــدُهُ وَالحَمــدُ مِـن نَعمـائِهِ
أَبــدَعَ خَلقـاً لَـم يَكُـن فَكانـا
وَأَظهَـــرَ الحُجَّـــةَ وَالبَيانــا
وَجَعَــــلَ الخـــاتَمَ لِلنُبُـــوَّةِ
أَحمَــدَ ذا الشــَفاعَةِ المَرجُـوَّه
الصـــادِقُ المُهَــذَّبَ المُطَهَّــرا
صــَلّى عَلَيــهِ رَبُّنــا فَــأَكثَرا
مَضــى وَأَبقــى لِبَنــي العَبّـاسِ
ميــراثَ مُلــكٍ ثــابِتَ الأَســاسِ
بِرُغـــمِ كُـــلِّ حاســِدٍ يَبغيــهِ
يَهــــدِمُهُ كَــــأَنَّهُ يَبنيــــهِ
هَـــذا كِتـــابُ ســِيَرِ الإِمــامِ
مُهَـــذَّباً مِـــن جَـــوهَرِ الكَلامِ
أَعنـي أَبـا العَبّـاسِ خَيرَ الخَلقِ
لِلمَلــكِ قَــولُ عــالِمٍ بِــالحَقِّ
قـامَ بِـأَمرِ المُلـكِ لَمّـا ضـاعا
وَكـانَ نَهبـاً فـي الـوَرى مُشاعا
مُـــذَلِّلاً لَيســـَت لَــهُ مَهــابَهُ
يَخــافُ إِن طَنَّــت بِــهِ ذُبــابَه
وَكُـــلَّ يَـــومٍ مَلِـــكٌ مَقتــولٌ
أَو خــــائِفٌ مُــــرَوَّعٌ ذَليـــلُ
أَو خــالِعٌ لِلعَقـدِ كَيمـا يَغنـى
وَذاكَ أَدنـــى لِلــرَدى وَأَدنــى
وَكَــم أَميــرٍ كــانَ رَأسَ جَيــشِ
قَــد نَغَّضــوا عَلَيــهِ كُـلَّ عَيـشِ
وَكُـــلَّ يَـــومٍ شـــَغَبٌ وَغَصـــبُ
وَأَنفُــــسٌ مَقتولَــــةٌ وَحَـــربُ
وَكَـم فَـتىً قَـد راحَ نَهباً راكِباً
إِمّــا جَليــسَ مَلِــكٍ أَو كاتِبـا
فَوَضــَعوا فــي رَأسـِهِ السـِياطا
وَجَعَلـــوا يُردونَـــهُ شـــَطاطا
وَكَــم فَتــاةٍ خَرَجَـت مِـن مَنـزِلِ
فَغَصــَبوها نَفسـَها فـي المَحفِـلِ
وَفَضــَحوها عِنــدَ مَــن يَعرِفُهـا
وَصــَدَّقوا العَشـيقَ كَـي يَقرِفَهـا
وَحَصــَلَ الــزَوجُ لِضــُعفِ حيلَتِـه
عَلــى نُــواحِهِ وَنَتــفِ لِحيَتِــه
وَكُــلَّ يَــومٍ عَســكَراً فَعَســكَرا
بِـالكَرخِ وَالـدورِ مَواتـاً أَحمَرا
وَيَطلِبـــونَ كُــلَّ يَــومٍ رِزقــاً
يَرَونَـــهُ دَينــاً لَهُــم وَحَقّــا
كَــذاكَ حَتّــى أَفقَـروا الخِلافَـه
وَعَوَّدوهــا الرُعــبَ وَالمَخــافَه
فَتِلـــكَ أَطلالٌ لَهُـــم قِفـــارا
تَــرى الشــَياطينَ بِهـا نَهـارا
بِالتَــلِّ وَالجَوســَقِ وَالقَطــائِعِ
كَــم ثَــمَّ مِـن دارٍ لَهُـم بِلاقِـعِ
كــانَت تُــزارُ زَمَنــاً وَتُعمَــرُ
وَيُتَّقـــى أَميرُهـــا المُـــؤَمَّرُ
وَتَصــهَلُ الخَيـلُ عَلـى أَبوابِهـا
وَيَكثُــرُ النــاسُ عَلـى حُجّابِهـا
وَكَــم هُنــاكَ والِجــاً كَريمــا
وَراجِعـــاً مُـــدَفَّعاً مَظلومـــا
وَواقِفـــاً يَنظُــرُ مِــن بَعيــدٍ
مَخافَـــةَ العِقــابِ وَالتَهديــدِ
حَتّــى إِذا مـا اِرتَفَـعَ النَهـارُ
ضــَجَّت بِهــا الأَصـواتُ وَالأَوتـارُ
وَدارَتِ الســــُقاةُ بِالمُــــدامِ
وَاِرتَكَبَـــت عَظـــائِمُ الآثـــامِ
ثُـمَّ اِنقَضـى ذاكَ كَـأَن لَـم يَفعَلِ
وَالــدَهرُ بِالإِنســانِ ذو تَنَقُّــلِ
فَمــا بَكَــت عَلَيهِــمُ الســَماءُ
لَمّـــا أُتيــحَ لَهُــمُ القَضــاءُ
وَكــانَ قَــد مَـزَّقَ ثَـوبَ المُلـكِ
طَـــوائِفٌ إيمـــانُهُم كَالشــَركِ
فَمِنهُــمُ فِرعَــونُ مِصـرَ الثـاني
عاصــي الإِلَــهِ طـائِعُ الشـَيطانِ
وَالعَلَـــوِيُّ قـــائِدُ الفُســـّاقِ
وَبــائِعُ الأَحــرارِ فـي الأَسـواقِ
وَالـــدُلَفِيُّ العَــودُ وَالســَفّارُ
وَمِنهُــــمُ إِســـحَقٌ البَيطـــارُ
أَعلَــمُ خَلــقِ اللَـهِ بِالمـاخورِ
وَعَـــــدَدٍ مُثَلَّـــــثٍ وَزيــــرِ
وَأَعشــَقُ النـاسِ لِمَـن لا يَنصـُرُه
حَتّــى يُطيــلَ لَيلَــهُ وَيَســهَرُه
وَمِنهُـمُ عيسـى اِبـنُ شـَيخٍ وَاِبنُهُ
كِلاهُمــــا لِــــصٌّ حَلالٌ لَعنُـــهُ
يَــدعونَ لِلإيمــامِ كُــلَّ جُمُعَــة
وَلا يَــــرَدّونَ إِلَيـــهِ قُطَعَـــه
وَهُــم يَجــورونَ عَلــى الرَعِيَّـه
فَســـادُ ديـــنٍ وَفَســادُ نِيَّــه
وَيَأخُــذونَ مــا لَهُــم صــُراحا
وَيَخضـــِبونَ مِنهُـــمُ الســـِلاحا
وَلَــم يَــزَل ذَلِــكَ دَأبَ النـاسِ
حَتّــى أُغيثــوا بِـأَبي العَبّـاسِ
السـاهِرِ العَـزمِ إِذا العَزمُ رَقَد
الحاسـِمِ الـداءِ إِذا الداءُ وَرَد
فَجَمَــعَ الــرَأيَ الَّــذي تَفَرَّقـا
وَأَبـرَأَ الداءَ الَّذي أَعيا الرُقى
كَــم عَزمَــةٍ بِنَفســِهِ أَمضــاها
لَــم يَكِــلِ الأَمـرَ إِلـى سـِواها
كــانَ لَنــا كَأَزدَشــيرِ فــارِسٍ
إِذ جَــدَّ فـي تَجديـدِ مُلـكٍ دارِسِ
حَتّــى اِتَّقــوهُ كُلُّهُـم بِالطاعَـةِ
وَصــارَ فيهِــم مَلِــكَ الجَمـاعَه
فَلَــم يَــزَل بِـالعَلَوِيِّ الخـائِنِ
المُهلِـــكِ المُخَــرَّبِ المَــدائِنِ
وَالبـائِعِ الأَحـرارِ فـي الأَسـواقِ
وَصـــاحِبِ الفُجّـــارِ وَالمُــرّاقِ
وَقاتِـــلِ الشـــُيوخِ وَالأَطفــالِ
وَنــــاهِبِ الأَرواحِ وَالأَمــــوالِ
وَمالِـــكِ القُصــورِ وَالمَســاجِدِ
وَرَأسِ كُــــلِّ بِدعَـــةٍ وَقـــائِدِ
حَتّــى عَلا رَأسَ القَنــاةِ رَأســُهُ
وَزالَ عَنـــهُ كَيـــدُهُ وَبَأســـُهُ
شــَيخُ ضــَلالٍ شــَرُّ مِــن فِرعَـونِ
لِحيَتُــــهُ كَـــذَنَبِ البِـــرذَونِ
إِمـــامُ كُـــلِّ رافِضــِيٍّ كــافِرِ
مِـــن مُظهِــرٍ مَقالَــةً وَســاتِرِ
يَلعَـنُ أَصـحابَ النَبِـيِّ المُهتَـدي
إِلّا قَليلاً عُصـــبَةً لَـــم تَــزدَدِ
فَكَفَّــرَ النــاسُ ســِواهُم عِنـدَهُ
فَلَعنَــةُ اللَــهِ عَلَيــهِ وَحــدَهُ
مـا زالَ حينـاً يَخـدَعُ السودانا
وَيَــدَّعي الباطِــلَ وَالبُهتانــا
وَقــالَ ســَوفَ أَفتَــحُ السـَوادا
وَأَملِــــكُ العِبــــادَ وَالبِلادا
وَيَـــدخُلونَ عـــاجِلاً بَغـــداذا
فَلَــم يَــرَ الكَــذّابُ ذا وَلا ذا
صــاحَبَ قَومــاً كَـالحَميرِ جَهَلَـه
وَكُــلُّ شــَيءٍ يَــدَّعيهِ فَهـوَ لَـه
وَقــالَ إِنّــي أَعلَــمُ الغُيوبـا
لَــم يَـرَ فيهـا عالِمـاً مُجيبـا
بَعضـــُهُمُ يُريــدُ مِنــهُ نَفَقَــه
وَيَــترُكُ الــدَرسَ عَلَيــهِ صـَدَقَه
فَخَــــرَّبَ الأَهـــوازَ وَالأُبُلَّـــه
وَواســِطاً قَــد حَــلَّ فيـهِ حَلَّـه
وَتَـــرَكَ البَصــرَةَ مِــن رَمــادِ
ســـَوداءَ لا تــوقِنُ بِالميعــادِ
وَأَطعَـمَ الـذُبوحَ أَطفـالَ النـاس
مَكيــدَةً مِنـهُ فَـأَعظِم مِـن بـاس
فَواحِــــدٌ يُشـــدَخُ بِـــالعَمودِ
وَواحِــدٌ يُــدخَلُ فــي الســَفّودِ
وَبَعضــــُهُم مُســــَمَّطٌ مَربـــوطُ
وَبَعضــُهُم فــي مِرجَــلٍ مَســموطُ
وَجَعَــــلَ الأَســـرى مُكَتَّفينـــا
أَغــــراضَ نَبـــلٍ وَمُعَلَّقينـــا
وَبَعضـــُهُم يُحـــرَقُ بِــالنيرانِ
وَبَعضــُهُم يُلقــى مِـنَ الحيطـانِ
وَبَعضــُهُم يُصــلَبُ قَبــلَ المَـوتِ
وَبَعضــُهُم يَــإِنُّ تَحــتَ البَيــتِ
وَهَـــزَمَ العَســـاكِرَ الجَليلَــه
بِشــِدَّةِ البَــأسِ وَلُطـفِ الحيلَـه
وَرامَــهُ موســى فَمــا أَطــاقَه
وَمَجَّــهُ مَــن فيــهِ حيـنَ ذاقَـه
وَقَــد سـَقى مُفلِـحَ كَـأسَ القَتـلِ
وَشــــَكَّهُ بِمِخصــــَفٍ ذي نَصـــلِ
وَتَــرَكَ الأَتــراكَ بَعــدَ فَقــدِهِ
كَـذي يَـدٍ قَـد قُطِعَـت مِـن زَنـدِهِ
وَقَتَــلَ اِبــنَ جَعفَــرٍ مَنصــورا
وَكـــانَ قَبــلَ قَتلِــهِ كَــبيرا
مِــن بَعــدِ مـا صـابَرَ أَيَّ صـَبرِ
وَأَرجَــفَ النــاسُ لَــهُ بِالنَصـرِ
وَالشــَيخُ قَــد غَرَّقَــهُ نَصــيرا
وَقــالَ حَسـبي فَقـدُ هَـذا خيـرا
أَعنــي غُلامــاً لِسـَعيدِ الأَعـوَرا
قَـد كانَ في الحُروبِ مَوتاً أَحمَرا
وَكَـــم ســِوى ذاكَ وَهَــذاكَ وَذا
أَبـــادَهُم حَتفــاً وَقَتلاً هَكَــذا
حَتّــى إِذا مــا أَســخَطَ الإِلَهـا
وَبَلَغَــــت فِتنَتُــــهُ مَـــداها
وَشـــَكَتِ الأَرضُ إِلـــى الســَماءِ
مـا فَوقَهـا مِـن كَـثرَةِ الـدِماءِ
وَضــاقَتِ القُلــوبُ فـي الصـُدورِ
وَأَيقَنَــــت بِحــــادِثٍ كَـــبيرِ
وَاِرتَفَعَـت أَيـدي العِبـادِ شـُرَّعا
بَعــدَ الصــَلاةِ جُمَعــاً فَجُمَعــا
أَغـرى بِـهِ اللَـهُ هِزَبـراً ضَيغَما
إِذا رَأى أَقرانَــــهُ تَقَــــدَّما
قَــد جَـرَّبَ الحُـروبَ حَتّـى شـابا
فَـــإِن دَعــاهُ حــادِثٌ أَجابــا
لا عـــاجِزَ الــرَأيِ وَلا بَليــدا
لَكِــن شــُجاعاً يَخضـِبُ الحَديـدا
فَلَـم يَـزَل عامـاً وَعامـاً ثانِيا
وَثالِثـــاً يُكابِــدُ الــدَواهِيا
مُجاهِــــداً بِرَأيِـــهِ وَنَصـــلِهِ
وَمــــالِهِ وَقَــــولِهِ وَفِعلِـــهِ
حَتّــى لَقَــد ســَمّوهُ بِالكَنّــاسِ
وَعــايَنوا صـَعباً شـَديدَ البـاسِ
مُســـائِفاً مُطاعِنـــاً مُنــابِلا
مُواقِفـــاً مُنـــازِلاً مُجـــاوِلا
فَكَــم لَــهُ مِــن شــِدَّةٍ وَحَملَـهُ
وَضــــَربَةٍ وَطَعنَــــةٍ وَقَتلَـــه
إِن رَقَـــدوا فَـــإِنَّهُ لا يَرقُــدُ
أَو قَعَـــدوا فَـــإِنَّهُ لا يَقعُــدُ
يَحبـو المُطيـعَ وَيُبيـدُ العاصِيا
وَيَخضــِبُ الســُيوفَ وَالعَوالِيــا
وَيَقبَــلُ المُســتَأمِنَ المُنيبــا
وَيَغفِـــرُ الـــزَلّاتِ وَالــذُنوبا
وَلا تَـــراهُ ناقِضـــاً لِعَهـــدِهِ
وَلا يَشــــوبُ بــــاطِلاً بِجَـــدِّهِ
حَتّــى قَضـى اللَـهُ لَـهُ بِالفَتـحِ
مِــن بَعــدِ طــولِ تَعَــبٍ وَكَـدحِ
وَنَصــَبَ النــاسُ لَــهُ القِبابـا
وَشــَكَروا المُهَيمِــنَ الوَهّابــا
ثُــمَّ ســَما مِـن بَعـدُ لِلشـَآمَين
فَجُرِّعــوا مِــن كَأســِهِ الأَمَرَّيـن
وَعَرَفــوا عِنــدَ اللِقـاءِ صـَبرَهُ
وَشـــَدَّهُ يَــومَ الــوَغى وَكِّــرِّه
ســَل عَنـهُ قيلاً صـُرِعوا بِشـَيزَرا
وَآخَــــراً وَآخَــــراً وَآخَـــرا
وَراكِبــاً عَلـى النَجيـبِ هارِبـا
لَمّـا رَأى مَـن فِعلِـهِ العَجائِبـا
جـاءَ مِـنَ الشـامِ إِلـى الفُسطاطِ
يَحُــثُّ عَــدوَ الخَيــلِ بِالسـِياطِ
وَحــارَبَ الصــَفّارَ بَعـدَ الزَنـجِ
فَطـــارَ إِلّا أَنَّـــهُ فــي ســَرجِ
وَفَـــرَّ مِـــن قُــدّامِهِ فِــرارا
وَكـــانَ قِـــدماً بَطَلاً كَـــرّارا
وَمــا نَســينا مَصــرَعَ الكَفـورِ
الجاهِـــلِ المُخَلِّــطِ المَغــرورِ
إِذ قَـــدَّرَ الخِلافَ وَالعِصـــيانا
فَـــزادَهُ رَبُّ العُلـــى هَوانــا
يُكنــى بِصــَقرٍ وَأَبــوهُ بُلبُــلُ
هَــذا لَعَمــري باطِــلٌ لا يُقبَـلُ
مــا زالَ فــي نَخــوَتِهِ وَتيهِـهِ
لا يَأخُــذُ الصــَوابَ مِـن وُجـوهِهِ
يُجَهـــوِرُ اللَفــظَ إِذا تَكَلَّمــا
وَيَزجُـــرُ العــافِيَ وَالمُســَلِّما
أَجـرَءُ خَلـقِ اللَـهِ ظُلمـاً فاحِشا
وَأَجـوَرُ النـاسِ عِقابـاً بِالوِشـا
يَأخُـذُ مِـن هَـذا الشـَقِيِّ ضـَيعَتَه
وَذا يُريــدُ مــا لَــهُ وَحُرمَتَـه
وَوَيــلُ مَـن مـاتَ أَبـوهُ موسـِرا
أَلَيــسَ هَــذا مُحكَمــاً مُشــَهَّرا
وَطــالَ فــي دارِ البَلاءِ ســَجنُهُ
وَقــالَ مَـن يَـدري بِأَنَّـكَ إِبنَـهُ
فَقــامَ جيرانــي وَمَـن يَعرِفُنـي
فَنَتَفــوا ســِبالَهُ حَتّــى فَنــي
وَأَســرَفوا فــي لَكمِــهِ وَدَفعِـهِ
وَاِنطَلَقَــت أَكُفُّهُــم فــي صـَفعِهِ
وَلَــم يَـزَل فـي أَضـيَقِ الحُبـوسِ
حَتّــى رَمــى إِلَيهِــمُ بِــالكيسِ
وَتــــاجِرٍ ذي جَـــوهَرٍ وَمـــالِ
كــانَ مِــنَ اللَــهِ بِحُسـنِ حـالِ
قيـــلَ لَــهُ عِنــدَكَ لِلســُلطانِ
وَدائِعٌ غالِيَـــــةُ الأَثمـــــانِ
فَقـالَ لا وَاللَـهِ مـا عِنـدي لَـهُ
صـــَغيرَةٌ مِـــن ذا وَلا جَليلَــه
وَإِنَّمــا رَبِحــتُ فــي التِجـارَه
وَلَـم أَكُـن فـي المالِ ذا خَسارَه
فَــــدَخَّنوهُ بِـــدُخانِ التِبـــنِ
وَأَوقَـــدوهُ بِثِفـــالِ اللِبـــنِ
حَتّــى إِذا مَــلَّ الحَيـاةَ وَضـَجِر
وَقـالَ لَيـتَ المالَ جَمعاً في سَفَر
أَعطــاهُمُ مــا طَلَبـوا فَأَطلَقـا
يَسـتَعمِلُ المَشـيَ وَيَمشـي العَنَقا
ثُــمَّ بَنــى مِــنَ الغُصـوبِ دارا
فَأَصــــبَحَت موحِشـــَةً قِفـــارا
مـا مـاتَ حَتّـى اِنتُهِبَت وَهوَ يَرى
وَبَلَغـوا فـي هَـدمِها إِلى الثَرى
وَأَثبَــتَ الأَعـرابَ فـي الـديوانِ
وَقــالَ إِنّــي مِـن بَنـي شـَيبانِ
مُضـــــطَرِبُ الآراءِ وَالأَحــــوالِ
وَالـــزَيِّ وَالأَلفــاظِ وَالأَفعــالِ
يَســتَعمِلُ الغَريــبَ فـي خِطـابِهِ
وَغامِضــاتِ النَحــوِ فـي كِتـابِهِ
وَيَزجُـــرُ النــاسَ إِذا تَكَلَّمــا
مُفَخَّمـــاً مُجَهـــوَراً مُغَلصـــِما
كَــــأَنَّهُ قَحطــــانُ أَو مَعَـــدٌّ
وَدارُهُ تِهامَـــــةٌ أَو نَجـــــدُ
وَكــانَ قَـد كَنّـى اِبنَـهُ بِثَعلَـبِ
كَــذا يَكــونُ العَرَبِــيُّ وَاِقلِـبِ
وَهــوَ عَلــى الفِطـامِ ذو زَئيـرِ
أَبلَــغَ لِلمُجــدي مِــنَ التَنّـورِ
مُرَســـــِّمٌ لِيــــافِعٍ طَويــــلِ
مِثــلَ جَنـاحِ الطـائِرِ المَبلـولِ
ثُــمَّ إِذا مـا قـامَ عَـن غِـذائِهِ
وَفُرِّغَــــت قَهــــوَتُهُ بِمـــائِهِ
تَنــاوَلَ الريشــَةَ وَالطَنبــورا
فَأَضـــحَكَ الصــَغيرَ وَالكَــبيرا
وَضــاعَتِ الأُمــورُ عِنــدَ ذاكــا
وَأَظهَــرَ التَعطيــلَ وَالإِشــراكا
وَمَـــدحَ أَفلاطـــونَ وَالفَلاســِفَه
وَســاعَدَتهُ فــي هَــواهُ طـائِفَه
وَذَكَـــرَ الســـُعودَ وَالنُحوســا
وَالجَـوهَرَ المَعقـولَ وَالمَحسوسـا
وَذَرعَ طــــــــولِ الأَرضِ وَالأَفلاكِ
وَكَـــم بِلادِ الصــينِ وَالأَتــراكِ
وَالعَـرَضَ الظـاهِرَ فـي التَجسـيمِ
وَالقَـــولَ فــي طَلائِعِ النُجــومِ
وَذَكَـــرَ التَعـــديلَ وَالإِقــامَه
وَقَــدَّموا النِظــامَ أَو تَمــامَه
وَاِســتَثقَلوا مَــن قـامَ لِلصـَلاةِ
فَكَيــفَ مَــن طَـوَّلَ فـي القِـراةِ
وَطَعَنــوا فـي الفُقـهِ وَالحَـديثِ
وَعَجِبـــوا مِــن مَيِّــتٍ مَبعــوثِ
فَلَــم يَــزَل ذَلِـكَ دَأبَ الجاهِـلِ
حَتّــى رُمـي بِسـَهمِ حَتفِـن قاتِـلِ
فَلَيـتَ شـِعري كـانَ ذا فـي لَجمِهِ
وَكـانَ ذا فيمـا يَـرى مِـن عِلمِهِ
سـُبحانَ مَـن أَراحَ مِنـهُ الخَلقـا
فَكَيــفَ يَحيــا مِثلُــهُ وَيَبقــى
ثُـمَّ اِسـتَوَت مِـن بَعـدِهِ الخِلافَـه
وَزالَـــتِ الرَهبَــةُ وَالمَخــافَه
وَوَلِــيَ المُلــكَ إِمــامٌ عــادِلُ
قـــائِلُ كُـــلَّ حِكمَــةٍ وَفاعِــلُ
مِثــلُ حُســامِ العَضـبِ فـي جَلائِهِ
عَـــدا بِـــهِ صــَيقَلُهُ بِمــائِهِ
فَلُقِيَـــت بَيعَتُـــهُ بِالطـــاعَه
وَرَضــــِيَت بِـــذَلِكَ الجَمـــاعَه
فَأَنفَــذَت مِصــرُ إِلَيــهِ مالَهـا
فَأَصــلَحَت حَصــراً إِلَيـهِ حالَهـا
وَســـارَعَ الصـــَفّارُ بِالإِذعــانِ
وَقَبِـــلَ البَيعَـــةَ غَيـــرَ وانِ
وَاِختــارَ مِـن جُنـودِهِ كُـلَّ بَطَـل
مُجَــرَّبٍ إِن حَضــَرَ المَــوتُ قَتَـل
ثُــمَّ نَفـى كُـلَّ دَخيـلٍ قَـد مَـرَق
إِذا رَأى السـَيفَ قَضـى مِنَ الفَرَق
فَـإِن غَـدا مِـن فَـوقِ ظَهـرٍ نَـدبِ
كــانَ إِلـى الأَرضِ سـَريعَ الجَنـبِ
وَإِن رَمــى كــانَ مَريـضَ السـَهمِ
ذا وَتَــرٍ رِخــوٍ ضــَعيفِ الرَجـمِ
يَضــحَكُ مِنــهُ كُــلُّ مَــن يَـراهُ
وَيَشــــتَهي بِرجاســـُهُ قَفـــاهُ
وَهَرَبَــت ســِهامُهُ مِــنَ الهَــدَف
كَــأَنَّهُ يَرمــي بِرِجــلٍ لا بِكَــف
وَإِن بَـدا بِالرُمـحِ كـانَ أَعجَبـا
تَحســـَبُهُ قِــرداً يَجُــرُّ ذَنَبــا
حَتّــى إِذا صــَغا خِيـارُ الجُنـدِ
وَقــالَ يـا حَـربُ اِهزِلـي وَجُـدّي
سـارَ إِلـى المَوصـِلِ يَنـوي أَمرا
فَمَلَأَ البَـــرَّ مَعـــاً وَالبَحــرا
وَكَبَـــسَ اللُصـــوصَ وَالأَفــرادا
وَأَمَّـــــنَ البِلادَ وَالعِبــــادا
وَجَزِعَــت مِــن خَـوفِهِ الفَراعِنَـه
وَأَصــبَحَت ســُفنُ البِحـارِ آمِنَـه
وَكــانَ فــي دِجلَـةَ أَلـفُ مـاخِر
لَــم يَعنِهــا إِلّا جَنــاحُ طـائِر
يَجبـــونَ كُــلَّ مُقبِــلٍ وَمُــدبِرِ
مُجـــاهِرينَ بِفِعـــالِ المُنكَــرِ
كَــم تــاجِرٍ رَوَّغَهُــم بِزَورَقِــه
فَأَغمَــدوا سـُيوفَهُم فـي مَفرِقِـه
وَفَـــرَّتِ الأَعـــرابُ فــي البِلادِ
وَءُهلِكـــوا إِهلاكَ قَـــومِ عــادِ
فَـــأودِعوا الســُفنَ مُكَتَّفينــا
مُغَلَّليـــــــنَ وَمُصــــــَفَّدينا
وَبَعضـــُهُم مُراقَـــةٌ دِمـــائُهُم
قَــد عَبِقَــت بِريحِهِـم صـَحرائُهُم
وَكُلُّهُــم قَـد كـانَ لِصـّاً عادِيـا
مـا زالَ قِـدماً يَعمَـلُ الدَواهِيا
لَمّــا رَأى مِــنَ السـُيوفِ بَرقـا
مَلا الســَراويلَ الطِــوالَ ذَرقـا
فَداســَهُم دَوسَ الحَصـيدِ اليـابِسِ
بِالخَيــلِ وَالرِجــالِ وَالفَـوارِسِ
حَتّــى أَتــى المَوصـِلَ فَاِسـتَهَلَّتِ
لَــو قَــدِرَت صــامَت لَـهُ وَصـَلَّتِ
وَأَرسـَلَ الرُسـلَ إِلـى اِبـنِ عيسى
وَكـــادَ أَن يَجعَلَـــهُ قِسّيســـا
وَهَـــمَّ أَن يَــدخُلَ أَرضَ الــرومِ
وَظَــلَّ فــي كَــربٍ وَفــي هُمـومِ
حَتّـــى اِفتَـــدى حَيــاتَهُ وَأَدّى
مــالاً يَهُــدُّ الحــامِلينَ هَــدّا
وَوَرَدَ الرُســـلُ مَــعَ الهَــدايا
مِــن عِنــدَهُ فَكـانَ هَـذا رايـا
فَـــآثَرَ الحَيـــاةَ وَالهَوانــا
وَمــا هَــدا حَتّـى رَأى الأَمانـا
وَجــاءَ إِســحاقُ مُطيعـاً سـامِعا
وَلَـم يَجِـد شـَيئاً سِوى ذا نافِعا
وَقَــد أَتــى حَمـدانُ مِثـلَ هَـذا
فَـــأَدخَلوهُ صـــاغِراً بَغــداذا
وَهُـــدِمَت قَلعَتُـــهُ الحَصـــينَه
وَأُخِـــذَت نِعمَتُـــهُ الثَمينَـــه
وَلَــم يَـدَع مِـن بَعـدِهِ هارونـا
وَكــانَ رَأيــاً لِلشــَراةِ حينـا
مُراوِغـــاً كَــالثَعلَبِ الجَــوّالِ
مُستَبصــِراً فـي الكُفـرِ وَالضـَلالِ
يَلعَـنُ عُثمـانَ وَيَـبرا مِـن عَلـي
وَاللَـهُ ذو الجَلالِ مِنـهُ قَـد بَري
خَليفَـــةَ الأَكـــرادِ وَالأَعــرابِ
وَقـــائِدَ الفُجّـــارِ وَالخُــرّابِ
يَـــدعونَهُ أَميـــرَ مُؤمِنينـــا
بَــل كــافِراً أَميــرَ كافِرينـا
حَتّـــى حَـــواهُ كَفُّــهُ أَســيراً
وَأَلبَســوهُ الوَشــيَ وَالحَريــرا
وَأَركَبـــوهُ أَكبَـــرَ البَهــائِمِ
مَركَــبَ كِســرى مَلِــكِ الأَعــاجِمِ
آكَــلُ خَلــقِ اللَــهِ لِلعَصــائِدِ
وَمُضـــغَةِ اللُحــومِ وَالســَرائِدِ
يَشــرَبُ جُبّــاً وَيُعَــرّي مــائِدَه
وَهـيَ عَلَيـهِ فـي العَشـِيِّ عـائِدَه
حَتّــى إِذا قـامَ إِلـى الحَفيـرَه
أُلفــي كَعَنــزٍ رَبَضــَت كَســيرَه
بِمِثــلِ هَــذا طَلَبـوا الرِياسـَه
وَلِلحَميــرِ مِنــهُ أَضـحَوا ساسـَه
لا لِمَقــــالاتٍ وَعَقــــدِ دَيـــنٍ
لَكِــن لِخَـدعِ الجاهِـلِ المَفتـونِ
فَنَزَلــــوا مَنــــازِلاً عَلِيَّـــه
وَاِرتَفَعــوا عَـن مَوضـِعِ الرَعِيَّـه
وَكــانَ مِمّــا كـانَ قَبـلُ رافِـعُ
النـاكِثُ العَهـدِ الغَرورِ الخالِعُ
غَـرسٌ مِـنَ الرَفـضِ زَكـا وَأَينَعـا
فَــاِجتُثَّ مِــن مَكـانِهِ وَاِقتُلِعـا
إِذا أَرادَ فِتنَــــةً لا يُجتَـــرى
خَوفــاً وَيُبـدي غَيـرَ ذاكَ وَيَـرى
مــا زالَ يُبــدي طاعَـةً مَريضـَه
وَهــوَ يَــرى عِصــيانَها فَريضـَه
حَتّـى إِذا مـا اِسـتَحكَمَت مَرائِرُه
وَثَقُلَـــت مِـــن دائِهِ ضــَمائِرُه
وَقـــادَ آلافـــاً مِــنَ الضــَلالِ
يُعِـــدُّهُم لِلحَـــربِ وَالقِتـــالِ
نـاداهُ سـُلطانُ الأَماني الكاذِبَه
وَهــيَ عَلـى رَأسِ الشـَقِيِّ غـالِبَه
وَأَظهَــــرَ الخِلافَ وَالعِصـــيانا
وَنُصــرَةَ الباطِــلِ وَالبُهتانــا
وَبَيَّــضَ الــزَيَّ عَلــى أَجنــادِهِ
فَخَلَــعَ الســُؤدَدَ مِــن ســَوادِهِ
وَمـا الَّـذي أَنكَـرَ مِـن تَسويدِنا
وَمَــن عَلَيـهِ لَـجَّ فـي تَفنيـدِنا
وَإِنَّمــا كــانَ حِــدادُ الهيــمِ
عَلــى الحُسـَينِ وَعَلـى اِبراهيـمِ
وَكَــم حَــوى مِــن فَجـرِهِ وَغِيِّـهِ
مُـــذَكِّراً بِمـــا حَــوَت أُمَيَّــه
وَلَــم يَــزَل دَهـراً عَلـى ضـَلالِهِ
ذا بَطَــــرٍ لِجُنـــدِهِ وَمـــالِهِ
يَـدعو إِلـى النَـبي عَلِـيٍّ الرِضى
عَنهُـم وَعَنّـا وَجهُـهُ قَـد أَعرَضـا
وَلَـو أَضـاعَ النـاسُ هَذا الدُنيا
لَقَعَـــدوا يَبغـــونَهُ ســـِنينا
فَــاِختَلَفوا فَقــالَ قَــومٌ هَـذا
وَقـــالَ قَـــومٌ آخَـــرونَ لا ذا
وَضـــاعَتِ الأَحكــامُ وَالشــَرائِعُ
وَلَــم يَكُـن لِلنـاسِ أَمـرٌ جـامِعُ
وَقَــرَّتِ العَيــنُ مِــنَ الشـَيطانِ
بِمــا يَــرى فـي أُمَّـةِ الإيمـانِ
مِــن خَيــرِ آلِ أَحمَــدَ المُطَهَّـرِ
وارِثِ كُــــلَّ عِــــزَّةٍ وَمَفخَـــرِ
عَلَيــكَ لَعـنُ الخـالِقِ المُهَيمِـنِ
إِلّا بَنــو عَــمِّ النَبِـيِّ المُـؤمِنِ
ذاكَ ســَقى اللَــهُ بِــهِ عَلِيّــا
وَعُمَــراً مِــنَ الســَماءِ الرَيّـا
وَنَصــَبوهُ قائِمــاً يَــدعو لَهُـم
فَحَقَّــقَ الرَحمَــنُ فيــهِ سـُؤلَهُم
وَهَــل رِضــا إِلّا أَبــو العَبّـاسِ
الواسـِعُ الحِلـمِ الشـَديدُ الباسِ
مــا زالَ يَـأتي لَـكَ مـا تُريـدُ
حَتّــى أَتــى بِرَأســِهِ البَريــدُ
وَاِبتَهَــجَ الحَــقُّ وَأَهـلُ السـُنَّه
وَشــَكَروا وَاللَــهِ تِلـكَ المِنَّـه
وَأَصـــبَحَ الرَوافِـــضُ الفُجّــارُ
يُخفــونَ حُزنـاً فَـوقَهُ اِستِبشـارُ
وَمِــن أَيــاديهِ عَلــى الكَـبيرِ
مِــنَ العِبــادِ وَعَلــى الصـَغيرِ
وَالنـازِحِ الـدارِ البَعيـدِ عَنـهُ
فــي كُــلِّ أَرضٍ وَالقَريــبِ مِنـهُ
تَــأخيرُهُ النَيــروزَ وَالخَراجـا
وَلَـــو أَرادَ أَخـــذَهُ لَراجـــا
تَكَرُّمــاً مِنــهُ وَجــوداً شـامِلاً
وَحَــزمَ تَــدبيرٍ وَحُكمـاً عـادِلا
وَعيــدُنا بِكُــلِّ مَـن كـانَ مَلـي
مُســتَأدِياً وَالـزَرعُ لَـم يُسـَنبِلِ
فَكَــم وَكَــم مِــن رَجُــلٍ نَبيـلِ
ذي هَيبَــــةٍ وَمَركَـــبٍ جَليـــلِ
رَأَيتُــــهُ يَعتَـــلُّ بِـــالأَعوانِ
إِلــى الحُبـوسِ وَإِلـى الـديوانِ
حَتّـى أُقيـمَ فـي جَحيـمِ الهاجِرَه
وَرَأســُهُ كَمِثــلِ قِــدرٍ فــائِرَه
وَجَعَلـــوا فــي يَــدِهِ حِبــالاً
مِـــن قُنَّــبٍ يُقَطِّــعُ الأَوصــالا
وَعَلَّقــوهُ فــي عُــرى الجِــدارِ
كَـــأَنَّهُ بَــرّادَةٌ فــي الــدارِ
وَصــَفَّقوا قَفــاهُ صــَفقَ الطَبـلِ
نَصـــباً بِعَيـــنِ شــامِتٍ وَخِــلِّ
وَحَمَّــروا نُقرَتَــهُ بَيـنَ النُقَـر
كَأَنَّهــا قَــد خَجِلَـت مِمَّـن نَظَـر
إِذا اِسـتَغاثَ مِـن سـَعيرِ الشـَمسِ
أَجــــابَهُ مُســــتَخرِجٌ بِرَفـــسِ
وَصــَبَّ ســَجّانٌ عَلَيــهِ الزَيتــا
فَصـــارَ بَعـــدَ بِــزَّةٍ كُمَيتــا
حَتّــى إِذا طــالَ عَلَيـهِ الجَهـدُ
وَلَـــم يَكُــن مِمّــا أَرادَ بُــدُّ
قـالَ ئذَنـوا لـي أَسأَلِ التُجّارا
قَرضـــاً وَإِلّا بِعتُهُـــم عَقــارا
وَأَجَّلــــوني خَمســـَةً أَيّامـــا
وَطَوَّقـــوني مِنكُـــمُ إِنعامـــا
فَضـــايَقوا وَجَعَلوهــا أَربَعَــه
وَلَــم يُؤَمِّـل فـي الكَلامِ مَنفَعَـه
وَجـــائَهُ المُعَيَّنــونَ الفَجَــرَه
وَأَقرَضـــوهُ واحِـــداً بِعَشـــَرَه
وَكَتَبــوا صــَكّاً بِبَيـعِ الضـَيعَه
وَحَلَّفـــوهُ بِيَميـــنِ البَيعَـــه
ثُــمَّ تَــأَدّى مــا عَلَيـهِ وَخَـرَج
وَلَـم يَكُـن يَطمَـعُ في قُربِ الفَرَج
وَجـــائَهُ الأَعـــوانُ يَســأَلونَهُ
كَـــأَنَّهُم كـــانوا يُـــذَلِّلونَه
وَإِن تَلَكّـــا أَخَــذوا عِمــامَتَه
وَخَمَشـــوا أَخـــدَعَهُ وَهـــامَتَه
فَـــالآنَ زالَ كُـــلُّ ذاكَ أَجمَــعُ
وَأَصــبَحَ الجَــورُ بِعَــدلٍ يُقمَـعُ
وَلا بَنـــى بـــانٍ مِــنَ الخَلائِفِ
وَلا مُلــوكِ الــرومِ وَالطَــوائِفِ
كَمــا بَنـى مِـن أَعجَـبِ البِنـاءِ
لا زالَ فينـــا دائِمَ البَقـــاءِ
فَرَجَعَــــت كَغــــادَةٍ كَعــــابٍ
تَقَــرُّ فيهــا أَعيُــنُ الأَحبــابِ
فَمَــن رَأى مِثـلَ الرَبـابِ قَصـراً
كَــم حِكمَــةٍ فيـهِ تُخـالُ سـِحرا
وَالنَهــرَ وَالبُسـتانَ وَالبُحَيـرَه
قَـد جَمَـعَ المـاءُ إِلَيهـا طَيـرَه
وَلِلبُــــزاةِ مَعَهـــا وَقـــائِعُ
فَغــائِصٌ فــي جَوفِهــا وَواقِــعُ
وَبَعضـــُها يُذبَــحُ فــي الأَكُــفِّ
مَأســـورَةٌ قَــد رُمِيَــت بِحَتــفِ
وَمـا رَأى الـراؤونَ مِثلَ الشَجَرَه
ذاتَ غُصـــونٍ مورِقــاتٍ مُثمِــرَه
وَلَـم تَكُـن غَرسـاً تُرابُهُ الثَراء
وَلَـم تَكُـن مِـن شـَجَرٍ يُسقى بِماء
لَكِنَّهـــا تُخبِـــرُ عَــن حَكيــمِ
مُوَفَّـــــقٍ مُجَـــــرَّبٍ عَليــــمِ
مُفَكِّــرٍ مِــن قَبــلِ أَن يَقــولا
وَيُحســِنُ التَفهيــمَ وَالتَمـثيلا
كَأَنَّهــا مِــن شــَجَراتِ الجَنَّــه
أَنزَلَهـــا إِلَهُنــا ذو المِنَّــه
وَالقُبَّــةُ العَليــاءُ وَالأُترُجَّــه
مَلَـــكَ فيهــا أَربَعيــنَ حِجَّــه
وَبِالزُبَيــــداتِ فَلا تَنســــاها
قُــرَّةُ عَيــنِ كُــلِّ مَــن رَآهــا
أَبنِيَــةٌ فيهــا جِنــانُ الخُلـدِ
لِكُـــلِّ ذي زُهــدٍ وَغَيــرِ زُهــدِ
ريـــبَ عَــدُوُّها بِهــا وَذُعِّــرا
وَمَلَأَت عَينَيـــهِ لَمّـــا نَظَـــرا
كـــانَت عَلــى ســاكِنِها دَليلا
جَليلَـــةً قَـــد وَضـــَعَت جَليلا
وَمُـــذكِراتٍ لِجِنـــانِ الخُلـــدِ
لَطيفَــةٍ مــا إِن لَهـا مِـن نَـدِّ
وَمُظهِــــراتٍ قُــــوَّةَ الإِســـلامِ
عَلـــى رَعــاديهِ مِــنَ الأَنــامِ
تُخبِــرُ عَــن عِــزٍّ وَعَـن تَمكيـنِ
وَحِكمَـــةٍ مَقرونَـــةٍ بِالـــدينِ
كَــذاكَ كــانَ فــاعِلاً ســُلَيمان
إِذ أَمكَنَتـــهُ حِكمَــةٌ وَســُلطان
وَالتُبَّعِيّــــونَ وَبُخـــتُ نَصـــَّرِ
وَحُكَمـــاءُ الــرومِ وَالإِســكَندَرِ
وَمَلِــكُ المُلــوكِ أَعنـي جَعفَـرا
كَفــى بِــهِ لِلفــاخِرينَ مَفخَـرا
كَــم لَهُــمُ مِــن نَهَــرٍ وَقَصــرِ
وَأَثَـــرٍ بــاقٍ جَديــدِ الــذِكرِ
فَلَــم يَــزَل لِلعــابِرينَ عَجَبـا
وَمَفخَـــراً لِلـــوارِثينَ حَســَبا
وَمَـــن أَطــاعَ رَغبَــةً وَرَهبَــه
أَكثَـرُ مِـن قَـومٍ أَطـاعوا حَسـبَه
لا ســِيَّما إِن طــالَ عُمـرُ الأُمَّـه
وَنَظَــــرَت ســــَلامَةً وَنِعمَــــه
وَاِختَلَفَـــت وَأَحــدَثَت أَحــداثا
وَاِلتـاثَ أَمـرُ دينِهـا اِلتِياثـا
فَمــا لِــذاكَ الـداءِ مِـن دَواءِ
إِلّا اِمتِــزاجَ الخَــوفِ بِالرَجـاءِ
وَكُلَّمــا فَخَّــمَ أَمــرَ المَملَكَـه
وَجَـــدَّ ضــِغنٌ لِلأَعــادي حَنَّكَــه
وَمُعظَــمُ الفُتــوحِ فيــهِ آمِــدُ
مَعقِـــلُ كُـــلِّ فــاجِرٍ مُعانِــدِ
لَــم تُــرَ قَــطُّ مِثلُهـا مَـدينَه
مَنيعَــــةً بِســـَعدِها حَصـــينَه
فَلَـــم يَــزَل بِرَأيِــهِ وَحِيَلِــه
وَحَزمِـــهِ فــي قَــولِهِ وَعَمَلِــه
يَــــذوقُها بِــــالرُفقِ أَيَّ ذَوقِ
وَالجَيــشُ حَـولَ سـورِها كَـالطَوقِ
حَتّـى اِسـتَغاثَت بِالأَمـانِ صـاغِرَه
وَغَمَــدَ الســَيفَ بِكَــفٍّ قــادِرَه
وَحـازَ مِنهـا كُـلَّ مـا كـانَ جَمَع
فيهــا قَـديماً لُكَـعٌ إِبـنُ لُكَـع
نَعَـم عَفـا عَـن إِبـنِ شَيخٍ بَعدَما
قَـد نَقَـضَ العَهدَ الَّذي قَد أَحكَما
ثُــمَّ أَتـى الرَقَّـةَ يَنـوي أَمـرا
فَلَـم يَـزَل فيهـا مُقيمـاً شـَهرا
فَزَلـــزَلَ الشــامَ وَعَقــرَ دارِهِ
وَقَرُبَــت مِنهــا شــَبا أَظفـارِهِ
وَبــادَرَت مِصــرُ إِلــى رِضــائِهِ
تَنتَظِــرُ الإِصــعاقَ مِــن سـَمائِهِ
وَحَمَلَــــت أَموالَهـــا إِلَيـــهِ
وَخــافَتِ البَطشــَةَ مِــن يَــدَيهِ
وَعــادَ مَنصــوراً إِلـى الثُرَيّـا
وَكُـــلُّ مــا أَرادَ قَــد تَهَيّــا
وَجـــائَهُ الـــوَزيرُ وَالأَميـــرُ
بِغِبطَــــةٍ فَكَمَــــلَ الســـُرورُ
مُظَفَّــرٌ مَــن قَــد أَبـانَ مَكـرا
وَمــاتَ خَوفــاً مِنهُمــا وَذُعـرا
لَمّـا رَأى الجُيـوشَ صـارَ ثَعلَبـا
يَجُــرُّ فــي كُــلِّ البِلادِ ذَنَبــا
وَقَتَلا اللُصــــوصَ وَالأَكــــرادا
وَعَمَـــرا مِــن بَعــدِها البِلادا
لَــم يُــرَ قَــطُّ صــاحِبا إِمـامِ
مِثلَهُمــا فــي ســائِرِ الأَنــامِ
إِلّا أَبـا الحُسـَينِ أَعنـي قاسـِما
أَحضـَرَ خَلـقِ اللَـهِ رَأيـاً حازِما
ثَلاثَــــةٌ لِلمُلـــكِ كَالأَثـــافي
قَــوادِمٌ لَيســَت مِــنَ الخَـوافي
دينُهُـــمُ الطاعَـــةُ لِلخَليفَــه
وَنِيَّــــةٌ ناصــــِحَةٌ عَفيفَــــه
وَحَزمَــةٌ فـي الـرَأيِ وَالمَشـورَه
قَديمَـــةٌ مَعروفَـــةٌ مَشـــهورَه
وَاِنظُـر إِلى التَوفيقِ بِاِختِيارِهِم
وَالعِلــمِ بِالنـاسِ وَبِاِختِيـارِهِم
وَصــالِحُ بـنُ مُـدرِكٍ قَـد أُدرِكـا
بِمــا جَنــاهُ ظالِمـاً وَاِنتَهَكـا
فَكَــم مُلَــبٍّ أَشـعَثٍ قَـد أَحرَمـا
يَرجـو مِـنَ اللَهِ العَطاءَ الأَعظَما
جـاءَ إِلـى الكَعبَـةِ مِن أَرمينِيَه
وَمِــن خُراســانَ وَمِـن إِفريقِيَـه
وَعابِــدٍ جــاءَ مِــنَ الشــاماتِ
قَـد سـارَ فـي البَرِّ وَفي الفُراتِ
وَتـــاجِرٍ مَــع حَجِّــهِ وَعُمرَتِــه
يَطلُــبُ رِبـحَ مـالِهِ فـي سـَفرَتِه
مُقَـدِّرٍ فـي الرِبـحِ أَضعافَ الثَمَن
مِـن قاصـِدٍ صـَنعا إِلـى أَرضِ عَدَن
فَهُــم كَــذاكَ ســائِرونَ ظُهــرا
أَو تَحـتَ لَيـلٍ أَو ضـُحىً أَو عَصرَا
إِذ قــالَ قَــد جـاءَكُمُ الأَعـرابُ
وَكَثُـــرَ الطِعـــانُ وَالضـــِرابُ
وَصـــارَ فـــي حَجِّهِـــمُ جِهــادُ
وَاِحمَـــرَّتِ الســُيوفُ وَالصــِعادُ
وَصــالِحٌ يُســعِرُ نــارَ الحَــربِ
فــي شــَرِّ أَعــوانٍ وَشــَرَّ صـَحبِ
فَكَــم أَبـاحَ مِـن حَريـمٍ مَمنـوع
وَكَــم قَتيــلٍ وَجَريــحٍ مَصــروع
وَكَــم وَكَــم مِــن حُـرَّةٍ حَواهـا
ســــَبِيَّةٍ وَزَوجُهــــا يَراهـــا
وَتــاجِرٍ عُريـانَ يَـدعو بِـالحَرَب
لا مــالَ أَبقــاهُ لَــهُ إِلّا سـَلَب
فَلَـم يَـزَل كَيـدُ الإِمـامِ يَرقُبُـه
يَــترُكُهُ طَــوراً وَطَـوراً يَطلُبُـه
حَتّــى إِذا حــاطَت بِــهِ آثـامُهُ
وَقَرُبَــت مِــنَ الــرَدى أَيّــامُه
دَسَّ إِلَيــهِ قاصــِداً أَبـا الأَغَـر
بِحيلَــةٍ مَكتومَــةٍ عَــنِ البَشـَر
قَــد راضـَها فـي قَلبِـهِ زَمانـا
حَتّـــى إِذا أَتقَنَهــا إِتقانــا
أَظهَـرَ مـا فـي قَلبِـهِ المَقبـولِ
فَجـــائَهُ بِرَأســـِهِ المَقتـــولِ
يَميــلُ مَغــروزاً عَلـى القَنـاةِ
كَمِثــلِ نَشــوانَ عَلــى الأَصـواتِ
حَتّــى إِذا قــارَبَ عِنـدَ العَشـرِ
فـي مُلكِـهِ مِـنَ السـِنينَ الزُهـرِ
وَقَمَــعَ الجَــورَ بِحُكــمٍ عــادِلِ
وَمَلَأَ الــــدينَ بِحَـــقٍّ شـــامِلِ
بَــدا لَـهُ النَبِـيُّ فـي المَنـامِ
حُلـــمُ يَقيــنٍ لَيــسَ كَــالأَحلامِ
يَشــــكُرُهُ لِحَزمِـــهِ وَرَأفَتِـــه
وَحُســنِ مــا يَفعَـلُ فـي خِلافَتِـه
بِشــارَةٌ دَلَّــت عَلــى الرُضـوانِ
مِــن رَبِّــهِ ذي المَـنِّ وَالإِحسـانِ
وَاللَـهُ يـولي الفَضـلَ مَـن يَشاءُ
بِكُـــلِّ شـــَيءٍ ســَبَقَ القَضــاءُ
فَــدَفَعَ اللَــهُ الخُطــوبَ عَنــهُ
وَنَحـــنُ لِلســوءِ فِــداءٌ مِنــهُ
ثُـمَّ حَـوى مِـن بَعـدِ ذاكَ فارِسـا
كَـم نَهـبِ مـالٍ كـانَ مِنـهُ آيِسا
وَطالَمــا كــانَت لَعَمـري طُعمَـهُ
يَأكُـــلُ مِنهـــا ثَمَــراتٍ جَــمَّ
وَكــانَ لا يَحمِــلُ مِـن أَموالِهـا
شـَيئاً وَيَستَقصـي عَلى اِستِئصالِها
ســِوى هَــدايا كُـلِّ حَـولٍ كامِـلِ
يَشـهُرُها فـي السـوقِ وَالمَحافِـلِ
رَســـولُهُ كَــأَنَّهُ قَــد أَفلَحــا
وَقَــد أَتــى بِطــائِلٍ وَأَنجَحــا
مِنهــا رَمـادِيٌّ كُمَيـتٌ قَـد صـَفَن
وَغِلمَـةٌ فـي القَـدِّ يَعلـوهُم دَرَن
فَــإِن عَــدا ذاكَ فَبــازٌ أَبيَـضُ
وَفَــــرَسٌ حــــافِرُهُ مُفَضــــفَضُ
ثُــمَّ أَتَــت ســَعادَةُ الخَليفَــةِ
وَحيلَــــةٌ خَفِيَّــــةٌ لَطيفَــــه
وَاِنقَـــضَّ إِســماعيلُ مِــن بِلادِهِ
إِلَيــهِ حَتّــى صـارَ فـي قِيـادِهِ
وَهَكَـــذا عـــاقَبَهُ الطُغيـــانِ
وَطاعَـــةُ الأَنفُـــسِ لِلشـــَيطانِ
وَجـــاءَ مــالُ فــارِسٍ مُــوَقَّرا
كَعَهــدِهِ فيمــا مَضــى وَأَكثَـرا
وَحُمِــلَ الصــَفّارُ فــي القُيـودِ
إِلــى إِمــامِ الأُمَّــةِ الســَعيدِ
ثُـمَّ اِبـنُ زَيـدٍ بَعدَ ذاكَ قَد قُتِل
لَــم يُنجِــهِ حِصـنٌ وَلا رَأسُ جَبَـل
وَأَســـلَمَتهُ لِلســُيوفِ وَالقَنــا
جُنـدٌ تَخَلّـوا عَنـهُ حيـنَ قَد دَنا
وَطالَمــا عــاثَ وَجــارَ وَعَنَــد
وَقـامَ يَبغـي المُلـكَ حيناً وَقَعَد
ســَل عَنــهُ كُــلَّ كَــدَّةٍ وَحَجــرِ
فـــي طَبَرِســـتانَ وَوادٍ وَعـــرِ
فَكـانَ مـا قَـد كـانَ أَن يَكونـا
وَصـــارَ حَقّــاً قَتلُــهُ يَقينــا
وَاِسـأَل ثُغـورَ الشـامِ عَـن وَصيفِ
يُخبِـــر بِفَتـــحٍ عَجَــبٍ ظَريــفِ
قــالَ أُريـدُ الغَـزوَ وَهـوَ آبِـق
وَلَيــسَ يَخفـى كـاذِبٌ مِـن صـادِق
وَقـــالَ وَلّـــونِيَ فــي مَكــانِ
وَجـــاهَرَ الإِســـلامَ بِالعِصــيانِ
وَســارَ بَـل طـارَ إِلَيـهِ عَسـكَرُه
مــا كــانَ إِلّا بِالعِيـانِ خَبَـرُه
فَعـايَنَ المَـوتَ الَّـذي مِنـهُ هَرَب
وَمَــن يَفـوتُ قَـدَراً إِذا اِقتَـرَب
فَكَــم وَكَــم مِــن هـارِبٍ ذَليـلِ
وَكَـــم أَســيرٍ خاضــِعٍ مَغلــولِ
وَثــابِتٍ إِلــى الأَمــامِ يَعــدو
وَذُلُّـــهُ مِـــن قَبلِـــهِ أَشـــَدُّ
لَمّــا أُتيــحَ لِوَصــيفٍ خاقــان
فَعَلِمَـت كَيـفَ الرِجـالُ الخُصـيان
وَمُـــؤنِسٌ عـــادَ بِـــهِ عَلَيــهِ
وَغَـــلَّ مِـــن ســـاعَتِهِ يَــدَيهِ
وَلِوَصــــيفٍ وَوَصــــيفٍ أَيضـــاً
يَـدٌ فَقَـد خـاضَ المَنايـا خَوضـا
مِن بَعدِ ما أَشجى وَصيفٌ في الوَغى
ســَمِيُّهُ وَلَــم يَكُــن مِمَّـن بَغـى
وَمــاتَ الاِفشــينُ عَلَيــهِ حَسـرَه
وَمــا بَكَــت عَيـنٌ عَلَيـهِ قَطـرَه
وَصــارَ أَيضــاً قَـد طَغـى بُغَيـلُ
ذاكَ الَّـــذي تَصـــحيفُهُ نُغَيــلُ
فَوافَــقَ الخــادِمُ فـي الطَريـقِ
مُقَيَّـــداً أَقبَـــحَ مِــن رَقيــقِ
وَاِبــنُ البُغَيــلِ وَأُنــاسٌ أُخَـرُ
قَـد كُسـِبوا مِـن أَرضـِهِم وَأُسِروا
فَـــأُدخِلوا مَدينَـــةَ الســـَلامِ
وَآخَــــذَتهُم أَلســـُنُ الأَنـــامِ
تَخطِــرُ مِــن تَحتِهِــمِ الجِمــالُ
وَفَــــوقَهُم قَلانِــــسٌ طِــــوالُ
وَالقَرمَطِيّــــونَ ذَوُو الآجــــامِ
صـَغَوا فَقَـد بـاؤوا مَـعَ الآثـامِ
وَشـــَرَعوا شـــَرائِعَ الفَســـادِ
وَءُهلِكـــوا إِهلاكَ قَـــومِ عــادِ
كــانوا يَقولــونَ إِذا قُتِلنــا
صــَبراً عَلــى مِلَّتِنــا رَجَعنــا
مِــن بَعـدِ أَيّـامٍ إِلـى أَهلينـا
فَقَبَّــحَ الرَحمَــنُ هَـذا الـدينا
وَضـَرَطَ العَنـزُ عَلـى هَـذا الخَبَر
فَهَـأُلاءِ الحُمـقُ مَـن يَـأتي سـَقَر
يُجاهِــدونَ عَــن إِمــامٍ مُختَفـي
يُقَــرِّبُ الوَعــدَ لَهُــم وَلا يَفـي
آلَ عَلِـــيٍّ يـــا أَبـــا عَلِــيَّ
هَـــذا لَعَمـــري ســـَفَهٌ وَعِــيُّ
لَيـسَ يَزيـدُ النـاسُ إِن تَرَوَّسـوا
وَلا يَزيــدُ المُلــكُ إِن تَسَوَّسـوا
وَلا أَراكُـــم تُحســـِنونَ ذاكــا
كَلّا وَلا إِن تُهلِكــــوا إِهلاكـــا
وَلا تَكونـــوا حَطَبـــاً لِلنــارِ
فَـــرُبَّ أَشــرارٍ مِــنَ الأَخيــارِ
وَأُدخِــلَ الصــَفّارُ شــَرَّ مَــدخَلِ
يَــإِنُّ مِــن عَــصِّ حَديــدٍ مُثقِـلِ
بَغــدادَ فَــوقَ جَمَــلٍ مَغلــولا
أَوَّلَ يَــومٍ مِــن جُمـادى الأولـى
وَقــــالَ شـــادانُ وَقَـــد رَآهُ
كَمــا يُحِــبُّ كُــلُّ مَــن عـاداهُ
لَيـثٌ رَمـاهُ اللَـهُ ذو المَعـارِجِ
بِفالِــجٍ قَبــلَ رُكــوبِ الفالِـجِ
وَمَلِــكُ الــرومِ أَتــى كِتــابُهُ
بِزَلَّــــةٍ تَزِفُّــــهُ أَصــــحابُهُ
فَـأُدخِلوا بَغـدادَ فـي شـَهرِ رَجَب
وَأَيقَــنَ التُــركُ بِصــُغرٍ وَغَلَـب
وَســـَأَلَ الهَدنَـــةَ وَالفِـــداءَ
فَلَــم يَجِــد مِــن دائِهِ شــِفاءَ
ثُــمَّ بَــدا لِلسـِرِّ مِـن آلِ عَلـي
مُجـانِبٌ فِعـالَ ذي الرُشـدِ التَقي
حَبَّــذا وَعـادا بِصـَنعاءِ اليَمَـن
وَبـــاغَ أَجلادِ وَقتِنـــا ذا دَرَن
وَناســـِجاً لِلبُـــردِ وَالحَــبيرِ
وَمَــأكَلاً لِلبــالِ فــي الهَجيـرِ
أَتبــاعُ إِمــرَةٍ وَأَســرى هُدهُـدِ
إِن حَضَروا لَم يُكرَموا في المَشهَدِ
وَحُقِّــروا لَمّـا عَتَـوا وَأَشـرَكوا
فَفُرِّقـــوا بِغـــارَةٍ وَءُهلِكــوا
ضـاعوا عَـنِ الإِرشـادِ وَالتَسـديدِ
وَاِقتَبَســــوا خَلائِقَ القُــــرودِ
وَســَمِعوا نَعقَــةَ غــاوٍ جاهِــلِ
فَــاِتَّبَعوهُ رَغبَــةً فـي الحاصـِلِ
فَســَلَّطوا اِبــنَ يَعفُــرٍ عَلَيهِـم
وَســـارَ فــي عَســكَرِهِ إِلَيهِــم
فَأَصــبَحوا كَــأَنَّهُم مـا كـانوا
جَـزاءَ مـا قَـد فَجَـروا وَخـانوا
وَجـــاءَ بِالفَتــحِ كِتــابٌ وارِدُ
يَصــدُقُهُ الشــَدَّ بَريــدٌ جاهِــدُ
وَأُشــخِصَ الأَميــرُ نَحــوَ طــاهِرِ
يَســحَبُ أَذيــالاً مِــنَ العَسـاكِرِ
حَتّــى نَفــاهُ مِـن تُخـومِ فـارِسِ
وَبـــانَ عَنهــا بِضــَميرٍ آيِــسِ
وَاِســتَمِعِ الآنَ حَــديثَ الكــوفَه
مَدينَـــةً بِعَينِهـــا مَعروفَـــه
كَـــثيرَةِ الأَديـــانِ وَالأَإِمَّـــه
وَهَمُّهــا تَشــتيتُ أَمــرِ الأُمَّــه
مَصـــنوعَةٍ بِكُفــرِ بُخــتَ نَصــَّر
وَكُفــرِ نَمــرودٍ إِمــامِ الكُفَّـر
وَعَشــَّشَ الشــِمرُ بِهــا وَفَرَّخــا
ثُـــمَّ بَنــى بِأَرضــِها وَرَســَّخا
وَغَــرِقَ العــالَمُ مِــن تَنّورِهـا
جَــزاءَ شــَرٍّ كـانَ مِـن شـُرورِها
وَهَرَبَـــت ســـَفينَةُ الطوفـــانِ
مِنهــا إِلـى الجـودِيِّ وَالأَركـانِ
وَهُـم بَنَـوا لِلجَـورِ صَرحاً مُحكَما
فَاِتَّخَــذوا إِلـى السـَماءِ سـُلَّما
وَلَــم يَــزَل ســُكّانُها فُجّــارا
مُستَبصـِراً فـي الشـِركِ أَو سَحّارا
تَفَرَّقـــوا وَبُلبِلــوا بَلبــالا
وَبُــدِّلوا مِـن بَعـدِ حـالٍ حـالا
وَهُـم رَمَـوا في البِئرِ إِبراهيما
لَمّــا رَأَوا أَصــنامَهُم رَميمــا
وَدانِيــالَ طَرَحــوا فــي الجُـبِّ
كُفــراً وَشـَكّاً مِنهُـمُ فـي الـرَبِّ
وَأَخَــــذوا وَقَتَلـــوا عَلِيّـــاً
العـادِلَ البَـرَّ التَقـي الزَكِيّـا
وَقَتَلــوا الحُســَينَ بَعـدَ ذاكـا
فَـــأَهلَكوا أَنفُســـَهُم إِهلاكــا
وَجَحَــــدوا كِتـــابَهُم إِلَيـــهِ
وَحَرَّفــــوا قُرآنَهُـــم عَلَيـــهِ
ثُــمَّ بَكَـوا مِـن بَعـدِهِ وَنـاحوا
جَهلاً كَـــذاكَ يَفعَــلُ التِمســاحُ
فَقَـد بَقـوا فـي دينِهِـم حَيـارى
فَلا يَهـــودٌ هُـــم وَلا نَصـــارى
وَالمُســـلِمونَ مِنهُـــمُ بَـــراءُ
رافِضــــَةٌ وَدينُهُــــم هَبـــاءُ
فَبَعضــُهُم قَــد جَحَــدَ الرَسـولا
وَغَلَّطــوا فــي فِعلِــهِ جِـبريلا
وَبَعضــُهُم قــالوا عَلِــيٌّ رَبُّنـا
وَحَســبُنا ذَلِــكَ دينــاً حَسـبُنا
وَمِنهُـــمُ الشـــَراةُ وَالحِــرابُ
إِن ســـَمِعوا بِبَيعَــةٍ أَجــابوا
كَـم أَسـلَموا مِـن طـالِبٍ مَغـرور
وَهَرَبـوا فـي يَـومِ حَـربٍ مَشـهور
وَلَيـسَ مِنهُـمُ سـِوى اِبـنِ النَبِـيِّ
وَأَنــا أَفــديكَ بِــأُمّي وَأَبــي
حَتّـى إِذا ما الحَربُ قامَت سوقُها
بِالضـَربِ وَالطَعـنِ وَصـاحَ بوقُهـا
طـاروا كَمـا طـارَ رَمـادُ الجَمرِ
وَوَهَبـــوهُ لِلرِمـــاحِ الســـُمرِ
وَاِبــنُ أَبـي القَـوسِ لَهُـم نَبِـيُّ
إِمـــامُ عَـــدلٍ لَهُـــمُ مَرضــِيُّ
خَفَّــفَ عَنهُــم مِـن صـَلاةِ الفَـرضِ
وَقــالَ نــابَ بَعضـُها عَـن بَعـضِ
فَـاِذهَب إِلـى الجِسرِ تَجِدهُ فارِسا
عَلـــى طِمِـــرٍّ لِأَســيرٍ جالِســا
وَتِلــكَ عُقــبى الغَــيِّ وَالضـَلالِ
وَالكُفـــرِ بِــالرَحمَنِ ذي الجَلالِ
ثُـمَّ اِنقَضـى أَمرُ الإِمامِ المُعتَضِد
وَكُــلُّ عُمــرٍ فَــإِلى يَـومٍ نَفِـد
وَمــاتَ بَعــدَ مِـأَتَينِ قَـد خَلَـت
فــي عـامِ تِسـعٍ وَثَمـانينَ مَضـَت
وَالحَــيُّ مُنقــادٌ إِلـى الفَنـاءِ
وَلــرِزقُ لا بُــدَّ إِلــى اِنتِهـاءِ
عبد الله بن محمد المعتز بالله ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي، أبو العباس.الشاعر المبدع، خليفة يوم وليلة. ولد في بغداد، وأولع بالأدب، فكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم.آلت الخلافة في أيامه إلى المقتدر العباسي، واستصغره القواد فخلعوه، وأقبلو على ابن المعتز، فلقبوه (المرتضى بالله)، وبايعوه للخلافة، فأقام يوماً وليلة، ووثب عليه غلمان المقتدر فخلعوه، وعاد المقتدر، فقبض عليه وسلمه إلى خادم له اسمه مؤنس، فخنقه.وللشعراء مراث كثيرة فيه.