هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
بعــد أن مـت واحتـواني الحفيـرُ
جـــاءني يبلــو مُنكَــرٌ ونكيــرُ
ملَكــان اســطاعا الظهـور ولا أد
ري لمــاذا وكيــف كـان الظهـورُ
لهمـا وجهـان ابتنـت فيهما الشر
رةُ عشــــاً كلاهمــــا قمطريـــرُ
ولكـــلٍّ أنـــفٌ غليـــظٌ طويـــلٌ
هــو كــالقرن بالنطــاح جــديرُ
وفــمٌ مهــروتٌ يضـاهي فـم اللـي
ث يرينــي نابــاً هـي العنقفيـرُ
وبأيــــــديهما أفــــــاعٍ غلاظٌ
تتلـــــوى مخوفــــةٌ وتــــدورُ
وإلـــيَّ العيــونُ ترســل نــاراً
شـــرُّها مــن وميضــها مســتطيرُ
كنــت فـي رقـدةٍ بقـبري إلـى أن
أيقظــاني منهــا وعـاد الشـعورُ
فبــدا القــبرُ ضــيقاً ذا وخـومٍ
مــا بــه للهــواء خــرقٌ صـغيرُ
إنـــــه تحــــت الأرض إلا قليلاً
منـزلُ المـرء ذي الطمـوحِ الأخيـرُ
ألمـــن خــابَ حفــرةٌ ذات ضــيقٍ
ولمـــن فـــاز روضـــةٌ وغــديرُ
أتيــا للســؤال فَظَّيــنِ حيـث ال
ميــتُ بعــد اســتيقاظه مــذعورُ
عــن أمــورٍ كــثيرةٍ قـد أتاهـا
يــوم فـي الأرض كـان حيـاً يسـيرُ
صـــيحة تحــت الأرض ثُــمَّ حــوارٌ
بيــن أقســاهما وبينــي يــدورُ
واقفــاً لــي كأنمــا هــو نسـرٌ
وكـــــأني أمــــامهُ عصــــفورُ
خــار عزمــي ولــم أكـن أتظنَّـى
أن عزمــي يومــاً لشــيءٍ يخــورُ
ولقــد كنـتُ فـي البـداءة أشـحى
مثلمــا يشــحى للخشـاة الـذعورُ
ثــم إنــي ملكــت نفســي كـأني
لســت أخشــى شـيئاً وإنـي جسـورُ
مظهــراً أنــي كنـتُ أحمـل نفسـاً
لــم يكــن للشـكوك فيهـا خطـورُ
غيـر أنـي صـدعت بـالحق فـي الآ
خــر حــتى التـاثت علـى الأمـورُ
فـي الأديـب الحـر النفـاق ذميـمٌ
وهـو مـا لا يرضـاه منـه الضـميرُ
فـــألمَّت بـــي الرزيـــة حــتى
ضــجرت مـن ضـجيج قـبري القبـورُ
قـال مـن أنـتَ وهـو ينظـر شـزراً
قلــت شــيخٌ فــي لحــده مقبـورُ
قــال مـاذا أتيـتَ إذ كنـت حيـاً
قلــت كــل الــذي أتيــت حقيـرُ
ليـس فـي أعمـالي الـتي كنت آتي
هــا علـى وجـه الأرض أمـرٌ خطيـرُ
قـال فـي أيٍّ مـن ضـروب الصـناعا
ت تخصصـــــت إنهــــن كــــثيرُ
قلـت مارسـت الشعر أرعى به الحق
قَ وقـــد لا يفـــوتني التصــويرُ
قـال مـا دينك الذي كنت في الدن
يــا عليــه وأنــت شــيخٌ كـبيرُ
قلــت كــان الإسـلام دينـيَ فيهـا
وهـــو ديــنٌ بــالإحترام جــديرُ
قـال مـن ذا الـذي عبدت فقلت ال
لَــهَ ربـي وهـو السـميع البصـيرُ
قــال مــذا كــانت حياتـك قبلاً
يـوم أنـت الحـر الطليـق الغريرُ
قلـــت لا تســألنَّني عــن حيــاةٍ
لـم يكـن فـي غضـونها لـي حبـورُ
كنــت عبــداً مســيَّراً غيــر حـر
لا خيــــارٌ لــــه ولا تخييــــرُ
مـا حبـوني شيئاً من الحول والقد
رة حـــتى أديــر مــا لا يــدورُ
كـان خيـراً منـي البهـائمُ تثـوي
حيــــث لا آمــــرٌ ولا مــــأمورُ
قــال هلا كســبت غيــر المعاصـي
قلــت إن لـم أكسـب فربـي غفـورُ
كــان إثمــي أنــي إذا سـألوني
لــم أقــل مـا يقـوله الجمهـورُ
إنهــم مــن أوهـامهم فـي إسـارٍ
ولقـــد لا يرضـــيهم التحريـــرُ
وإذا لـــم يكـــن هنالـــك رأيٌ
لـــي أفضـــي بــه فلا أســتعيرُ
ربَّ أمــرٍ يقـول فـي شـأنه العـق
لُ نقيــض الــذي يقــول الضـميرُ
ثمـــراتُ الأحـــراث لا تتســـاوى
هـــذه حنطـــةٌ وهـــذا شـــعيرُ
وقشـــورٌ ومـــا هنـــاك لبــابٌ
ولبـــابٌ ومـــا هنـــاك قشــورُ
يتبــع الجاهــل الغــويُّ أخــاه
مثلمــا يتبــع الضـريرَ الضـريرُ
قــال هـل صـدقت النـبيين فيمـا
بلغـــوه ولــم يُعقْــكَ الغــرورُ
والكتـاب الـذي مـن اللـه قد جا
ء فــأدلى بــه البشـير النـذيرُ
قلــت فــي خشــيةٍ بلـى وفـؤادي
مــن شــعاع بــه يكــاد يطيــرُ
إنــه مُنـزَلٌ مـن اللـه يهـدي ال
نـاس طـرَّاً فهـو السـراج المنيـرُ
قــال هــل كنــت للصـلاة مقيمـاً
قلـت عنهـا مـا إن عرانـي فتـورُ
إنمــا فــي اقتنـاء حـورٍ حسـانٍ
بصـــــلاةٍ تجــــارةٌ لا تبــــورُ
قـال هـل صـمت الشـهر مـن رمضان
قلــت قــد صـمته وطـاب الفطـورُ
قــال هــل كنــت للزكـاة بِمُـؤتٍ
قلــت مـا كـان بـي لهـا تـأخيرُ
قــال والحــج مــا جوابـك فيـه
قلــت قـد كـان لـي بحجـي سـرورُ
قــال هــل كنـت للجهـاد خفيفـاً
قلـــت إنــي لبالجهــادِ فخــورُ
قــال هــل كنــت قــائلاً بنشـورٍ
قلــت ربــي علـى النشـور قـديرُ
فـــإذا شــاء للعبــاد نشــوراً
فمــن الســهل أن يكــون نشــورُ
قـال مـاذا تقول في الحشر والمي
زان ثــم الحســاب وهــو عســير
والســؤال الـدقيق عـن كـل شـيء
والصــراط الــذي عليـه العبـور
والجنـان الـتي بهـا العسل الما
ذيُّ قــد صــفوه وفيهــا الحــور
وبهـــا ألبـــانٌ تفيــضُ ولهــوٌ
وأبـــــاريقُ ثــــرةٌ وخمــــور
وبهـــا رمـــانٌ ونخــلٌ وأعنــا
بٌ وطلــحٌ تشــدو عليــه الطيـور
ليـــس فيهـــا أذى ولا موبقــاتٌ
ليــس فيهــا شــمسٌ ولا زمهريــر
والجحيـم الـتي بهـا النار تذكو
فـــي دهـــور وراءهـــنَّ دهــور
إنمـا المهـلُ ماؤهـا فهـو يغلـي
والهــواء الــذي يهــب الحـرور
تلــك فيهــا للمجرميــن عــذابٌ
تلــك فيهــا للكــافرين ســعير
إن مــن كـان كـافراً فهـو فيهـا
وإن اعتـــاد أن يـــبرَّ خســـير
هــو فــي نارهـا الشـديدة حـرا
ن وفــــي زمهريرهـــا مقـــرور
قلـت مهلاً يـا أيهـا الملـك المُل
حِـــف مهلاً فـــإن هـــذا كــثير
كــان إيمــاني فـي شـبابي جمّـاً
مـــا بـــه نـــزرةٌ ولا تقصــير
غيــر أنَّ الشــكوك هبَّــت تلاحــي
نــي فلــم يسـتقرَّ منـي الشـعور
ثـم عـادَ الإيمـان يقـوى إلـى أن
ســلَّه الشـيطان الرجيـمُ الغـرور
ثــم آمنــت ثــم ألحــدتُ حــتى
قيـــل هـــذا مذبـــذب ممــرور
ثــم دافعــت عنــه بعــد يقيـنٍ
مثلمــا يفعــل الكمــيُّ الجسـور
وتعمَّقـــتُ فــي العقــائد حــتى
قيـــل هـــذا علامـــةٌ نحريـــر
ثـم إنـي فـي الـوقت هـذا لخوفي
لسـت أدري مـاذا اعتقـادي الأخير
لـم يُربنـي أمـرُ الصـراط مقامـاً
فــوق وادٍ مــن الجحيــم يفــور
غيــر أنــي أجــل ربــي مـن إت
يـانِ مـا يأبـاه الحجـى والضمير
فـــإذا صـــح أنــه كغــرار ال
ســيفِ أو شــعرةٍ فكيــف العبـور
لا تخـــل أن عــبر جســرٍ دقيــق
ذرعــــه آلاف الســـنين يســـير
إنَّ ألفــاً منــه صــعودٌ وألفــاً
ذو اســتواءٍ ســمح وألفـاً حـدور
إنهـــا شـــقةٌ تطـــول فلا يــق
طعهـــا إلا البهمـــةُ المحضــير
ولعـــل الــذين ضــحوا بأكبــا
ش عليهــم بهــا يهــون المـرور
أنــا لــو كنـت بـالبعير أضـحي
ســار بــي مـرقلاً عليـه البعيـر
ولــو اَنــي ركبــت صـهوة يعفـو
رٍ مضــى بــي يســتعجلُ اليعفـور
ولــو اَنــي هـويتُ لا سـمح الـرح
مَــن منــه فيهـا لسـاءَ المصـير
لا يطيـب الخلـود فـي لجـج النـا
ر فـــإن الخلــود شــيءٌ كــثير
ربنــا لا ترســل علينــا عـذاباً
ليــس فينـا علـى العـذاب صـبور
ربنــا ارفــق بنـا فإنـا ضـعافٌ
مـا لنـا مـن حـولٍ وأنـت القدير
قـال مـاذا رأيـت فـي الجن قبلاً
ومـــن الجـــن صـــالح وشــرير
ثـم فـي جبريـل الـذي هو بين ال
لَــهِ ذي العــرش والرسـول سـفير
ثـم فـي الأبـرار الملائك حـول ال
عــرشِ والعـرش قـد زهـاه النـور
فتـدوي السـماء فـي السمع من تس
بيحهــم مثلمــا يــدوي القفيـر
ثـم فـي الخنـاسِ الذي ليس من وس
واسـه فـي الحيـاة تخلـو الصدور
والعفـــاريت ذاهـــبين عـــراةً
تجفــل الــوحشُ منهــمُ والطيـور
والشــياطين مفســدين بهــم قـد
ضــلَّ نــاسٌ هـم الفريـق الكـبير
قلــت للــه فـي السـماوات والأر
ضِ ومـــا بينهـــن خلــقٌ كــثير
غيـر أنـي أرتـابُ فـي كـل ما قد
عجــز العقــل عنــه والتفكيــر
لـم يكـن فـي الكتـاب من خطأٍ كَل
لا ولكــن قــد أخطــأ التفســير
قـال هـل فـي السـفور نفـعٌ يرجَّى
قلــت خيـرٌ مـن الحجـاب السـفور
إنمــا فــي الحجــاب شـلٌّ لشـعبٍ
وخفـــاءٌ وفــي الســفور ظهــور
كيــف يسـمو إلـى الحضـارة شـعبٌ
منــه نصــفٌ عــن نصــفه مسـتور
ليــس يــأتي شـعب جلائلَ مـا لـم
تتقــــدم إنــــاثه والـــذكور
إنَّ فــي رونــق النهــار لناسـاً
لــم يَـزُل عـن عيونهـا الـديجور
قــال هــل فـي الإلـه عنـدك شـك
قلــت لا والــذي إليــه المصـير
قــال مــاذا هـو الإلـه فهـل أن
ت مجيــبي كمــا يجيــب الخـبير
قلــت إنَّ الإلــه فــوق منـال ال
عقـل منـا وهـو العزيـز الكـبير
إنمـــا هــذه الطبيعــة ذات ال
لاتنــــاهي كتـــابُهُ المســـطور
إنهـــا للإلـــه ســـفرٌ قـــديمٌ
ذو فصــول والكائنــاتُ الســطور
ولقــد قــال نـاعتوه هـو العـا
لــم منــا بمــا تكــنُّ الصـدور
إنـه فـي الجبـال والـبر والبـح
ر مـــن الأرض والســماوات نــور
فلــه الأرض مــا لهـا مـن سـكون
والســـماوات مــا بهــنَّ فطــور
كـــل حــيٍّ بــه يعيــش ويــردى
وكمــا قــد أراد تجــري الأمـور
إنـــه واهــبُ الوجــود فلــولا
ه لمـــا كــان للوجــود ظهــور
إنــه واجــبُ الوجــود فقـد كـا
ن ولا عــــــالمٌ ولا دســــــتور
عرشــه فــي السـماء وهـو عليـه
مســـتوٍ مـــا لأمـــره تغييـــر
وهــو يهــتز للمعاصـي كمـا يـه
تــزُّ فـي زرقـة الصـباح السـرير
وهـو إن قـال كـن لشـيءٍ يكون ال
شـــيءُ مـــن فــوره فلا تــأخير
إن هــذا مــا قــد تلقنتـه وال
قلــبُ مــن شــكهِ يكــادُ يخــور
قلــت مــا قلـت ثـم إنـك لا تـد
ري أحـــقٌّ مـــا قلتـــه أم زور
وأرى فــي الصــفات مـا هـو لـلَ
هِ تعــــالت شــــؤونه تصـــغير
مـا عقـابي مـن بعـد ما صح نقلاً
أنَّ مـــا قـــد أتيتــهُ مقــدور
ليـس لـي فـي مـا جئتـه من خيارٍ
إننـــي فـــي جميعـــه مجبــور
وإذا كــان منــه كفــري وإيمـا
نــي فــإن الجــزاءَ شـيءٌ نكيـر
أللهــــو واللــــه ليـــس بلاهٍ
أم لجــورٍ واللــه ليــس يجــور
أمـنَ الحـقِّ خَلـقُ إبليـس وهـو ال
مســــتبدُّ المضــــلِّلٌ الشـــرير
إنــه يلقـي فـي النفـوس شـكوكاً
ذات أظفــــارٍ نزعهـــنَّ عســـير
إنمــا فـي الـدارين عسـفٌ وحيـفٌ
غيــر أنَّ الســماءَ ليســت تمـور
فلنـــــاس تعاشــــةٌ وشــــقاءٌ
ولنـــــاسٍ ســــعادةٌ وســــرور
قــال مــا ذاتــه فقلـت مجيبـاً
بلســـانٍ قــد خــانه التفكيــر
إننــي لا أدري مـن الـذات شـيئاً
فلقــد أســدلت عليهــا السـتور
إنمــا علمــي كلــه هــو أن ال
لَــــهَ حـــي وأنـــه لا يبـــور
مـــا لكـــل الأكــوان إلا إلــهٌ
واحـــدٌ لا يــزول وهــو الأثيــر
منــه هـذا الوجـود فـاضَ عميمـاً
وإليـــه بعــد البــوار يصــير
ليــس بيــن الأثيـر واللـه فـرقٌ
فـي سـوى اللفـظ إن هداك الشعور
وبحبســي أنــي صــدعتُ بمــا أد
ري علـــى علمــي أنــه سيضــير
وإذا لـــم أرد لأبســـط رأيـــي
فـــي جـــوابي فــإنني معــذور
أمــن الســهل أن أغيــرَ قلــبي
بعـد مـا فـي فَـوديَّ بـان القتير
قـــال إنــي أرى بخــدك تصــعي
را فهــل أنــت يزدهيـك الغـرور
قلــت مــن مــات لا يصــعِّر خـداً
ليــس بــالموتى يخلـق التصـعير
إننــي أخشــى الظــالمين فلا أف
ضــي إليهــم بمـا برأسـي يـدور
أي ذي مســـكةٍ يقـــول صـــريحاً
وعليهـــا ســـيف الأذى مشـــهور
لا تكونــا علــيَّ فظَّيــن فـي قـب
ري فـــإني شــيخٌ بعطــفٍ جــدير
إنَّ قـول الحـقِّ الصـراح علـى الأح
رار حــتى فــي قــبرهم محظــور
فــدعاني فــي حفرتــي مسـتريحاً
أنــا مـن ضوضـاء الحيـاة نفـور
أتعبتنــي الأيــام إذ كنـت حيـا
فأنــا اليــوم للســكون فقيــر
أتركـــاني وحــدي ولا تزعجــاني
بزيـــاراتٍ مـــا بهـــنَّ ســرور
اتركـــاني ولا تزيـــدا عنــائي
بســـــؤالٍ فـــــإني موتــــور
لــم تُصـَنْ مـن جـراءة المسـتبدي
نَ عَلــى الهـالكين حـتى القبـور
كيـــف أفضــيتما إلــيَّ بقــبري
وعليـــــه جنــــادلٌ وصــــخور
قلــت لمــا هبطـتُ أعمـاقَ قـبري
ليـس خيـراً مـن البطـون الظهـور
وإذا القــــبر ضـــيقٌ بـــذويه
وإذا القــبر فيــه كــربٌ كـثير
إنمــا الــدائراتُ فـي كـل وقـتٍ
ومكـــانٍ علــى الضــعيف تــدور
قــال هـذا هـو الهـراء ومـا إن
لاحتجـــاجٍ تلغـــو بــه تــأثير
قلــت فـي غصـةٍ إذن فاصـنعا بـي
مـــا تريـــدانه فــإني أســير
عـــذَّباني هنــا إذا شــئتما أو
ألقيـاني فـي النـار وهـي تثـور
كنـتُ لا أدري يـوم كنـت علـى الأر
ض طليقـــاً أن الحيـــاة غــرور
وسأمشـــي إلـــى جهنــمَ مــدفو
عــاً وخلفــي كالسـيل جـمٌّ غفيـر
إنمــا قــد ســألتما عـن أمـورٍ
هــي ليســت تغنـي وليسـت تضـير
ولمــاذا لــم تسـألا عـن ضـميري
والفــتى مـن يعـف منـه الضـمير
ولمــاذا لــم تسـألا عـن جهـادي
فــي ســبيل الحقـوق وهـو شـهير
ولمــاذا لــم تسـألا عـن ذيـادي
عــن بلادي أيــامَ عــز النصــير
ولمــاذا لــم تسـألا عـن وفـائي
ووفـــائي لمـــن صــحبت كــثير
ولمــاذا لــم تسـألا عـن مسـاعي
يَ لإبطـــال الشــرِّ وهــو خطيــر
عــن دفـاعي عـن النسـاء عليهـن
نَ مــن الشــقوة الرجــال تجـور
وســلاني عمــا نظمــت مـن الشـع
ر فبالشـــعر يرتقــي الجمهــور
وســلاني عــن نصــري الحـقَّ وثـا
بــاً بــه وهــو بالسـؤال جـدير
إنمــا الشــعر ســُلَّمٌ للمعــالي
ثــــم فيــــه لأمـــةٍ تحريـــر
إنـــه تـــارةً لقـــومٍ غنـــاءٌ
لينــــاموا وتــــارةً تحـــذير
وسـلاني عـن جعلـي الصـّدق كالصـخ
ر أساســاً تبنــى عليــه الأمـور
إنمــا الصــدق فاســألاني عنــه
خيــرُ مـا تنطـوي عليـه الصـدور
وســلاني عـن حفظـي الفـن مـن أن
يعــتريه قبــل التمـام الـدثور
أســكوتٌ عــن كــلِّ مــا هـو حـقٌّ
وســؤالٌ عــن كــلِّ مــا هـو زور
قــال كــل الــذي عرضـت علينـا
أيهــا الشـيخ الهِـمُّ شـيءٌ حقيـر
نحــن لســنا بسـائلين سـوى مـا
كـان حـول الـدين المـبين يـدور
فأفــدنا إن كنــت ذا صـلةٍ بـال
ديـن واذكـر مـاذا هـو التقـدير
ثـم زد مـا تقـول فـي جبـل القا
ف أحــــقٌّ فحـــواه أم أســـطور
جبــلٌ مــن زمــردٍ نصــفُ أهلــي
ه ذوو إيمـــان ونصـــفٌ كفـــور
جبــلٌ إن أرســلت طرفــاً إليــه
رجــع الطــرف عنــه وهـو حسـير
وبيــاجوجَ ثــم مــاجوج والســد
دِ وإنكـــارُ كـــلّ هــذا غــرور
وبهــاروت ثــم مــاروتَ والســح
ر الــذي أســدلت عليـه السـتور
قلــت مــا لــي بكـل ذلـك علـمٌ
فبجحـــدي عقلـــي علــيَّ يشــير
كنــت حيــاً فمــت والمــوت حـقٌّ
شــاهداتٌ بمــا هنــاك القبــور
كنـت فـوق الـتراب بـالأمس أمشـي
وأنـــا اليــوم تحتــه مقبــور
إنمــا المــوت وهـو لا بُـدَّ منـه
ســُنَّةُ اللــه مــا لهــا تغييـر
قـال دع عنـك ذا وقـل لـي من رب
بــكَ مـن قبـل أن يسـوءَ المصـير
قلـت أمهلنـي فـي الجـواب رويداً
إننــــي الآن خــــائفٌ مـــذعور
لا تكـــن قاســياً علــيَّ كــثيراً
أنـــا شـــيخ مهـــدَّمٌ مـــأطور
كــان ظنــي أنَّ الأثيـرَ هـوَ الـر
بُّ كريمــــاً يمــــدني ويجيـــر
لــم يــزل لـي عقيـدة ذاك حـتى
حـال مـن هـول القـبر فيَّ الشعور
إنــك اليــوم أنــت وحـدك ربـي
بــك أحيــا فــي حفرتـي وأبـور
إنــك الجبـارُ الـذي سـوف تبقـى
تحــت ســلطانك العظيـم القبـور
قـال مـا أنـت أيهـا الرجـسُ إلا
ملحــدٌ قــد ضــلَّ السـبيلَ كفـور
مـا جـزاءُ الـذين قـد كفـروا إل
لا عــــذابٌ بــــرحٌ وإلا ســـعير
ثـــم تلَّانـــي للجــبين وقــالا
لــيَ ذق أنـت الفيلسـوف الكـبير
قلــت صــفحاً فكــل فلسـفتي قـد
كـان ممـا يمليـه عقلـي الصـغير
ثـم قـولي مـن بعـدها أنـت ربـي
هـــو منـــي حماقـــة وقصـــور
لــم تكـن أقـوالي الجـريئة إلا
نفثــاتٍ يرمــي بهــا المصــدور
قـد أسـأتُ التعـبير فـالله ربـي
مــا لـه فـي كـل الوجـود نظيـر
فأجابــــاني قـــائلين بصـــوتٍ
لا يســر الأســماعَ منــه الهـدير
قضـــي الأمـــر فاســتعدَّ لضــربٍ
منـه تـدمى بعـد البطـون الظهور
لا يفيــد الإيمـان مـن بعـد كفـرٍ
وكـــذا جَــد الطائشــين عثــور
وأمضـــَّاني بالمقـــامع ضـــرباً
كــدت منـه فـي أرض قـبري أغـور
لــم يكــن فيهمـا يـثير حنانـاً
جســـدٌ لـــي دام ودمــعٌ غزيــر
ولقـــد صــحتُ للمضاضــة أبغــي
لــي مجيـراً وأيـن منـي المجيـر
ثــم صــبَّا بقســوةٍ فــوق رأسـي
قَطِرانـــاً لســـوء حظــي يفــور
فشــوى رأســي ثــم وجهــي حـتى
بــان مثـل المجـدور فيـه بثـور
ثُـــمَّ أحسســت أنَّ رأســي يغلــي
مثلمــا يغلـي بـالوقود القـدور
وقــد اشــتدت الحـرارة فـي قـب
ري حـــــتى كـــــأنه تنــــور
وأطــالا فيــه عــذابي إلــى أن
غــاب وعيــي وزال عنـي الشـعور
ثــم لمــا انتبهـت ألفيـت أنـي
موثــقٌ مــن يــدي وحبلـي مريـر
ثـم طارا بي في الفضاء إلى الجن
نَــةِ حـتى يغـري بلـومي الضـمير
مـــا أرادا إلا عـــذاب ضــميري
بعــد أن إيــفَ جســمي المقطـور
وأســرَّا فــي إذن رضــوان شـيئاً
فأبـــاح الجــواز وهــو عســير
لمســت إذ دخلتهــا الـوجه منـي
نفحــةٌ فــاح عطرهــا والعــبير
أخــذتني منهــا المشــاهدُ حـتى
خلــتُ أنــي ســكرانُ أو مســحور
جنـــةٌ عرضــها الســماوات والأر
ض بهـا مـن شـتى النعيـم الكثير
فطعـــــام للآكليــــن لذيــــذٌ
وشــــرابٌ للشــــاربين طهـــور
ســــمكٌ مقلـــيٌّ وطيـــرٌ شـــويٌّ
ولذيــذ مــن الشــواءِ الطيــور
وبهـــا بعـــد ذلكـــم ثمــراتٌ
وبهـــا أكــوابٌ وفيهــا خمــور
وبهــا دوحــةٌ يقـال لهـا الطـو
بــى لهــا ظـل حيـث سـرت يسـير
تتــــدلَّى غصـــونها فـــوق أرضٍ
عرضــها مـن كـل النـواحي شـهور
وجــرت تحتهـا مـن العسـل المـش
تــارِ أنهــارٌ مـا عليهـا خفيـر
ومــن الخمــرة العتيقــة أخـرى
طعمهـــا الزنجبيــلُ والكــافور
ومــن الألبـانِ اللذيـذةِ مـا يـش
ربــه خلــقٌ وهــو بعــد غزيــر
ثــم للسلســبيل يطفــحُ والتــس
نيــمِ مــاءٌ يجـري بـه التفجيـر
وجميـــع الحصـــباء درٌّ ويــاقو
تٌ ومــــاسٌ شــــعاعه مســـتطير
كــل مــا يرغبــون فيــه مبـاحٌ
كـــلٌّ مـــا يشـــتهونه ميســور
وعلــى أرضــها زرابــيُّ قـد بُـث
ثـــت حســـاناً كـــأنهن زهــور
وعليهـــــا أســــرَّةٌ وفــــراشٌ
مثلمــا يهــوى المؤمنـون وثيـر
وعلـــى تلكـــم الأســـرة حــورٌ
فــي حلــيٍّ لهــا ونعــمَ الحـور
ليـس يخشـين فـي المجانـة عـاراً
وإن اهـــتزَّ تحتهـــنَّ الســـرير
كــل مــن صــلى قائمــاً وتزكـى
فمـــن الحـــورِ حظُّـــه موفــور
ولقـد يعطـى المـرءُ سـبعين حورا
ء عليهــــن ســــندسٌ وحريــــر
يتهـــادين كالجمـــان حســـاناً
فــــوق صـــرحٍ كـــأنه بلـــور
حبـــذا أجيــادٌ تلعــن وأنظــا
رٌ بهـــا كـــل مبصـــرٍ مســحور
وخصـــورٌ بهـــا ضــمورٌ وأعجــا
زٌ ثقــالٌ تعيــا بهــن الخصــور
و كــأن الولــدان حيــن يطوفـو
ن علــى القــوم لؤلــؤٌ منثــور
ائتِ مــا شــئته ولا تخــشَ بأسـاً
لا حــــرامٌ فيهـــا ولا محظـــور
إنَّ فيهــا مــن الحــدائق غلبـاً
تتغنـــى مــن فــوقهن الطيــور
إنّ فيهــا جميـع مـا تشـتهيه ال
نفــس والعيـن واللهـا والحجـور
فـإذا مـا اشـتهيت طيـراً هوى من
غصـــنه مشـــوياً وجــاء يــزور
طينهــا مــن فـالوذج لا يمـل ال
مـرء منـه فهـو اللذيـذ الغزيـر
وإذا رمــت أن يحــول لـك الـتي
ن دجاجـــاً أتــى إليــك يطيــر
أو إذا شـئتَ أن يصـير لـك الحـص
بــــاءُ دراً فــــإنه ليصــــير
إنَّ فيهــا مشــيئة المـرءِ تـأتي
عجبـــاً عنـــه يعجــزُ الإكســير
ليــس فيهــا مــوتٌ ولا موبقــاتٌ
ليــس فيهــا شــمسٌ ولا زمهريــر
لا شــــتاءٌ ولا خريــــفٌ وصـــيفٌ
أتـــرى أن الأرض ليســـت تــدور
جنــة فــوق جنــةٍ فــوق أخــرى
درجـــات فـــي كلهـــن حبـــور
وحيـــاضٌ قـــد أترعــت وريــاضٌ
قــد ســقى الطـلُّ زهرهـا وقصـور
كــل هــذا وكــل مـا فـوق هـذا
فبــه طــرفُ القـوم فيهـا قريـر
ولقــد حُلُّــوا فــوق ذلـك فيهـا
فضـــةً فـــي أســـاور تســتنير
ولهــم فيهــا نعمـةٌ بعـد أخـرى
ولهـــم فيهـــا لـــذةٌ وســرور
ولقــد رمــتُ شــربةً مــن نميـر
فــــتيممتُه ففــــرَّ النميــــر
وكــأنَّ المـاء الـذي شـئت أن أش
ربــــه بابتعــــادهِ مــــأمور
وتـــذكرت أننـــي رجـــلٌ جـــي
ءَ بــه كــي يـراع منـه الشـعور
أي حــقِّ فــي أن أنــالَ شــرابي
بعـــد أن صـــَحَّ أننــي مثبــور
قلـت عـودا مـن حيث قد جئتما بي
إنمـــا هـــذه لهمّـــي تـــثير
أنــا راضٍ مــن الــبيوت بقــبر
يتســــاوى عشــــيُّهُ والبكـــور
أيهـا القـبرُ ارحـم طوالـع شيبي
أنــا فــي كربــتي إليـك فقيـر
أخرَجــاني منهــا وشــدَّا وثـاقي
بنســـوعٍ كمـــا يشــدُّ البعيــر
ثـــم قامـــا فــدلَّياني ثلاثــاً
فــي صــميم الجحيـم وهـي تفـور
وأخيــراً فــي جوفهـا قـذفا بـي
مثلمــا يقــذفُ المتـاعُ الحقيـر
لسـت أسـطيع وصـف مـا أنا قد قا
ســـيتُ منهـــا فـــإنه لعســير
ربــي اصـرف عنـي العـذاب فـإني
إن أكــن خــاطئاً فـأنت الغفـور
وكـــأنَّ الجحيــم حفــرةُ بركــا
ن عظيـــمٍ لـــه فـــمٌ مفغـــور
تـدلعُ النـارُ منـه حمـراء تلقـي
حممـــاً راحَ كالشـــواظ يطيـــر
ثــم إنــي لهــا ســمعتُ حسيسـاً
فاقشــعرت منــه برأسـي الشـعور
خــالطته اسـتغاثةُ القـوم فيهـا
كهريـــرٍ إذا اســـتمرَّ الهريــر
إنهـــا فــي أعماقهــا طبقــاتٌ
بعضـــها تحــت بعضــها محفــور
وأشـدُّ العـذاب مـا كـان في الها
ويـة السـفلى حيـث يطغـى السعير
حيــث لا ينصــرُ الهضــيمَ أخــوهُ
حيــث لا ينجِــدُ العشـيرَ العشـير
الطعــامُ الزقــومُ فـي كـل يـومٍ
والشــراب اليحمــومُ واليحمــور
ولقــد يســقى الظـامئون عصـيراً
هــو مــن حنظــلٍ وسـاءَ العصـير
ولهــا مــن بعـد الزفيـر شـهيقٌ
ولهــا مــن بعـد الشـهيق زفيـر
ولهــم فيهــا كــل يــوم عـذابٌ
ولهــم فيهــا كــلَّ يــوم ثبـور
ثـــم فيهـــا عقـــاربٌ وأفــاعٍ
ثـــمَّ فيهـــا ضـــراغمٌ ونمــور
يضــرع المجرمــون فيهـا عطاشـاً
والضــراعات مــا لهــا تــأثير
ولهــم مــن غيــظٍ تأجَّــجَ فيهـم
نظــــراتٌ شــــَرارُها مســـتطير
وقــــدت نارهـــا تئزُّ فتغلـــي
أنفـــسٌ فـــوق جمرهــا وتخــور
ولقــد كـانت الوجـوهُ مـن الصـا
ليـــنَ ســـوداً كــأنهن القيــر
ولقـــد كــانت الملامــح تخفــى
ولقـــد كــانت العيــونُ تغــور
لســت أنســى نيرانهــا مائجـات
تتلظَّـــــى كـــــأنهن بحــــور
ولقــد صــاح الخــاطئون يريـدو
ن نصــيراً لهــم وعــزَّ النصــير
وتســـاوى أشـــرافهم والأدانــي
وتســــاوى غنيُّهـــم والفقيـــر
كنـتُ أمشـي فيهـا فصـادفت ليلـى
بيــن أتــرابٍ كالجمــانِ تســير
فــوق جمــرٍ يشــوي ونـارٍ تلظَّـى
وأفـــاعٍ فـــي نـــابهنَّ شــرور
وعيـــونُ الحســـناء مغروقـــاتٌ
بـــدموعٍ فيهــا الأســى منظــور
قلـت مـاذا يُبكـي الجميلـةَ قالت
أنـا لا يبكينـي اللظـى والسـعير
إنمــا يبكينــي فــراقُ حبيــبي
وفـــراقُ الحــبيب خطــبٌ كــبير
هــو عنــي نـاءٍ كمـا أنـا عنـه
فكلانـــا عمـــن أحـــبَّ شـــطير
فرقـوا بيننـا فمـا إن أرى اليو
مَ ســـميراً ولا يرانـــي ســـمير
قــذفوه فــي هــوةٍ ليــس منهـا
مخـــرجٌ للمقــذوف فهــي قَعــور
أوه إن الفــراق أصــعب مـن كُـل
لِ عــذابٍ يشــقى بــه المــوزور
ولــو اَنَّـا كنـا جيمعـاً لخـفَّ ال
خطــبُ فــي قربـه وهـان العسـير
لا أبــالي نــاراً وعنـدي حبيـبي
كــل خطــبٍ دون الفــراق يســير
قلـتُ مـاذا جنيـتِ فـي الأرض حـتى
كــان حتمـاً عليـك هـذا المصـير
فأجــابت قــد كـان لـي وسـميراً
قبــل أن نــردى للجحيــم نُكـور
جهلنـــا للجحيــم أوجــب أنــا
بعــد أن نــردى للجحيــم نـزور
ولقــد أبصــرتُ الفــرزدقَ نضـواً
يتلَّـــــوى ووجهــــه معصــــور
وإلــى جنبـهِ يقاسـي اللظـى الأخ
طـــلُ مســتعبراً ويشــكو جريــر
قلـت مـا شـأنكم فقـالوا دهانـا
مــن وراء الهجــاء ضــرٌّ كــثير
ولقـــد كـــان آخــرون حــوالَي
هـــم جثومـــاً وكلهــم موتــور
منهــم العــالم الكـبير ورَبُّ ال
فـــن والفيلســـوف والنحريـــر
لــم أشـاهد بعـد التلفـت فيهـا
جـــاهلاً ليـــس عنـــده تفكيــر
إنمــا مثــوى الجــاهلين جنـانٌ
شــاهقات القصــور فيهـا الحـور
غيــر قسـمٍ هـو الأقـل سـعى يصـل
لِــحُ حــتى اهتـدى بـه الجمهـور
ثـــم حيــاني أحمــدُ المتنــبي
والمعــريُّ الشــيخُ وهــو ضــرير
وكلا الشــــاعرين بحـــرٌ خضـــمٌّ
وكلا الشـــاعرين فحـــلٌ كـــبير
ولقــد كــاد يخنـقُ الغيـظُ بشـا
راً وفــي وجهــه الــدميم بثـور
وهـو الشـاعر الـذي ظـلَّ مـا قـا
ل طريفـــاً وإن طــوته العصــور
ويليهـــم أبــو نــواسٍ كئيبــاً
وهـــو ذاك الممراحــةُ الســكير
مثلــه الخيــامُ العظيـمُ ودَنْتِـي
وإمــــامُ القريـــضِ شاكِســـبير
ولقـد كـان لامـرئ القيـس بين ال
قــوم صــدرٌ وللملــوك الصــدور
قلـت مـاذا بكـم فقـالوا لقينـا
مــن جــزاءٍ مــا لا يطيـق ثـبير
إننــا كنــا نســتخفُّ بــأمر ال
ديــن فـي شـعرنا فسـاء المصـير
وســمعت الخيـام فـي وسـط الجـم
ع يغنــــي فيطـــرب الجمهـــور
منشـــداً بينهـــم بصــوتٍ شــجيٍّ
قطعــةً مــن شـعرٍ غـذاهُ الشـعور
حبــذا خمــرةٌ تعيـن علـى النـي
ران حـــتى إذا ذكـــت لا تضــير
وتســـلي مــن اللهيــب فلا يــب
قــى مــتى شــبَّ منـه إلا النـور
تشـــبه الخنــدريسُ ياقوتــةً ذا
بــت ففيهــا للنــاظرين ســرور
وهــي مثـل النـار الـتي تتلظـى
ولهـــا مثلمـــا لهــذي زفيــر
ثـــم إنـــي بالخنــدريس لصــبُّ
ومــن النــار والجحيــم نفــور
اســقني خمــرةً لعلــي بهــا أُرْ
جِــعُ شـيئاً ممـا سـبتني السـعير
أنـتِ لـو كنـتِ فـي الجحيم بجنبي
لــم ترعنــي نــارٌ ولا زمهريــر
ثــم إنــي ســمعت سـقراط يلقـي
خطبــةً فــي الجحيـم وهـي تفـور
وإلــى جنبــه علـى النـار أفلا
طـــون يصـــغي كـــأنه مســرور
وأرســطاليسُ الكــبيرُ وقـد أغـر
قَ منـــه المشـــاعرَ التفكيـــر
ثـم كوبرنيـك الـذي كـان قـد أف
همنـــا أن الأرض جـــرمٌ يـــدور
تتبــع الشـمس أينمـا هـي سـارت
وعليهــا مثــل الفــراش تطــور
ثــم دَرْويـنُ وهـو مـن قـال إنـا
نســلُ قــردٍ قضـت عليـه الـدهور
ثـــم هكْـــلٌ وبُخْنُـــرٌ وجِســَنْدي
ويليهــــم سبنْســـرُ المشـــهور
ثــم تومــاسُ ثــم فِخْــتُ ومنهـم
اســــبِنوزا وهُلْبَــــكٌ وجيـــور
ونيوتـــونُ الحــبرُ ثــم رِنــانٌ
ثـــم روســـّو ومثلــه فولــتير
وزادشـــت ثـــم مـــزدك يــأتي
وجمــــوعٌ إمــــامهم أبقــــور
والحكيـمُ الكنـدي ثـم ابـن سينا
وابـنُ رشـدٍ وهـو الحفـيُّ الجسـور
ثــم هــذا أبــو دلامــةَ منهــم
بعـــده الراونــدي ثــم نصــير
وجماعـــاتٌ غيرهــم كلُّهــم جــل
دٌ علـــى نارهـــا وكــلٌّ صــبور
كـان سـقراط أثبـتَ القـوم جأشـاً
فهــو ذو عــزمٍ فــائقٍ لا يخــور
قـال مـن بعـد شـرحه منشـأ النا
ر وفـــي قــوله إليهــا يشــير
سـوف يقضـي فينـا التطـوُّرُ أن نق
وى عليهـــا وأن تهــونَ الأمــور
إن فـي ذا الـوادي السحيق عيوناً
ثـــرَّةَ للبــترول منهــا يفــور
ولقــد تنضــبُ العيــونُ فلا نــا
رٌ ولا ســــــاعرٌ ولا مســــــعور
ثـــم لمــا أتــمَّ خطبتــه عَــج
جــو لــه هــاتفين وهــو جـدير
ورأيـــت الحلاجَ يرفــع منــه ال
طــرفَ نحــو السـماء وهـو حسـير
قــائلاً أنــت اللــهُ وحـدك قيـو
مــاً وأمــا الأكـوان فهـي تبـور
أنـت مـن حيـثُ الـذات لست كثيراً
غيــــر أنَّ التجليـــات كـــثير
إنــك الواحــدُ الـذي أنـا منـه
فـــي حيــاتي شــرارةٌ تســتطير
وبــه لــي بعــد الظهـور خفـاءٌ
ولــه بــي بعــد الخفـاء ظهـور
ثــم شــئتَ العـذاب لـي ولمـاذا
لــم تجرنـي منـه وأنـت المجيـر
كان في الدنيا القتل منهم نصيبي
ونصـيبي اليـوم العـذاب العسـير
قلــت إن المقــدور لا بــد منـه
أوَ حـــتى إن أخطـــأ المقــدور
مكثــوا حــتى جـاء منهـم حكيـمٌ
بــاختراعٍ لــم تنتظـرهُ الـدهور
آلــةٌ تطفــئ الســعيرَ إذا شـا
ء فلا تحـــرقُ الجســومَ الســعير
وأتـــى آخـــرٌ بخارقـــة يـــه
لـــكُ فــي مــرة بهــا جمهــور
واهتـدى غيـره إلـى مـا بـه الإن
ســان يخفــى فلا يــراه البصـير
ولقـد قـام فـي الأخيـر فـتى يـخ
طــب فيهــم والصـوت منـه جهـور
فأحــاطت بــه الملاييــن يصــغو
نَ إليــــه وكلُّهــــم موتــــور
قــال يــا قومنــا جهنــمُ غصـت
بــالألى يظلمــون منكـم فثـوروا
قـال يـا قومنـا أرى الأمر من سو
ءٍ إلـــى الأســوأ الأمــضِّ يســير
قـال يـا قومنا احتملتم من الحي
فِ ثقــالاً يعيــا بهــنَّ البعيــر
قـال يـا قـوم إن هـذا الـذي أن
تُـــمْ تقاســـونه لشــيءٌ كــثير
قـال يـا قـوم إننـا قـد ظُلمنـا
شــرَّ ظلــم فمــا لنــا لا نثـور
ومـن النـاس مـن قضى الله أن يك
فــر والمــوتُ منــه دانٍ يــزور
فهــل الحـقُّ أن يُخلَّـد فـي النـا
ر علـــى كفـــرِ ســاعةٍ مجبــور
قـال يـا قـوم لا تخـافوا فما فو
ق شــــرور تكابــــدونَ شـــرور
اجسـروا أيهـا الرفـاق فمـا نـا
ل بعيـــدَ الآمـــال إلا الجســور
إنمـا فـازَ فـي الجهـاد من النا
س بآمـــاله الكبـــار الكــبير
أنتــم اليــوم فـي جهنـم أسـرى
وليكـــن منكمــو لكــم تحريــر
قـاوموا القـوة الـتي غشـمت بال
مِثـــل والــدهر للقــوي ظهيــر
أنتــم اليــوم الأكــثرون وأمـا
عــدد الحارســين فهــو صــغير
أي شـــيء نخــاف منهــم وإنــا
لـــو تحـــديناهم لجــمٌّ غفيــر
أيهـا النـاس دافعـوا عـن حقـوقٍ
غصـــبوها والكـــاثرُ المنصــور
ألأهـــل الجحيـــم بــؤسٌ وتعــسٌ
ولمــن حــلَّ فــي الجنـانِ سـرور
ألنـــا أســفلُ الجحيــم مقــامٌ
ولهــم فـي أعلـى الجنـانِ قصـور
كــل مـا قـد أصـابكم مـن عـذابٍ
فلــه ممــن فــي السـماءٍ صـدور
إنّ أهــل القضــاء مـا أنصـفوكم
فكـــأنَّ القلــوبَ منهــم صــخور
إنهـم قـد جـاروا عليكـم أشدَّ ال
جـور منهـم ومـا لهـم أن يجوروا
قـد خـدمنا العلـوم شـتى بـدنيا
نـا فهـل مـن حسن الجزاء السعير
كــان فــي تلكـم اضـطهادٌ وقتـلٌ
ثــم فــي هـذه العـذابُ الـدهير
فعلا مــن أهــل الجحيــم ضــجيجٌ
رجــف الــوادي منــه والسـاعور
ولقـد هـاجوا فـي الجحيم وماجوا
كخضـــم مـــرّت عليــه الــدَّبور
أطفــأوا جمــرةَ الجحيـم فكـانت
فتنــة مــا جـرى بهـا التقـدير
ثـورةٌ فـي الجحيـم أرجفـت العـر
شَ وكــادت منهــا السـماءُ تمـور
لبســوا عــدة الكفــاح وسـاروا
فـــي نظـــامٍ أتمــهُ التــدبير
زحفــوا ثــائرين مــن كـل صـوبٍ
فـــي صـــفوفٍ كـــأنهنَّ ســـطور
للأناشــــيد ينشــــدون بصـــوتٍ
فـي النفـوس الحـرَّى لهـا تـأثير
غصــبوا حقكـم فيـا قـوم ثـوروا
إنَّ غصــبَ الحقــوق ظلــمٌ كــبير
غصــبوا حقنــا ولــم ينصــفونا
إنمـــا نحـــن للحقــوق نثــور
لكــم الأكــواخ المشـيدةُ بالنـا
رِ وللبلــهِ فـي الجنـان القصـور
غصــبوا حقنــا ولــم ينصــفونا
إنمـــا نحـــن للحقــوق نثــور
إن خضــعتم فمـا لكـم مـن نصـيبٍ
فــي طــوال الـدهور إلا السـعير
غصــبوا حقنــا ولــم ينصــفونا
إنمـــا نحـــن للحقــوق نثــور
مــا حيــاةُ الإنســان إلا جهــادٌ
إنمــا تــؤثرُ الســكون القبـور
غصــبوا حقنــا ولــم ينصــفونا
إنمـــا نحـــن للحقــوق نثــور
إنمــا النــار للــذين لــديهم
قـد تسـامى الإحسـاسُ بئس المصـير
غصــبوا حقنــا ولــم ينصــفونا
إنمـــا نحـــن للحقــوق نثــور
ولقــد أســرعت زبانيــةُ النــا
ر إليهــــم وكلهــــم مـــذعور
يـا لهـا فـي الجحيم حرباً ضروساً
مـا لهـا فـي كـل الحـروب نظيـر
ولقـــد عاضــد الــذكور إنــاثٌ
ولقــد عاضــد الإنــاثَ الــذكور
ولقــد كــانوا يفتكــون ولا يـب
صـــر منهــم مهــاجمٌ أو مغيــر
ولقـــد كــانت البطــونُ تَفَــرَّى
ولقـــد كــانت الــرؤوس تطيــر
ثـــم جــاءتِ الشــياطين أنصــا
راً ومــا جيــش المـاردين حقيـر
كــان إبليــس قــائداً للشـياطي
ن وإبليـــسُ حيــث كــان قــدير
ولقــد جــاء مــن ملائكـةِ العـر
شِ لإرجـــاعِ الأمـــن جــمٌّ غفيــر
والــذي قــد قـاد الملائك منهـم
هــو عزرائيــلُ الــذي لا يخــور
فهــي بيــن الملائك الـبيض صـفَّاً
والشــياطينُ الســودُ صـفاً تثـور
وتلاقــى فــوق الجحيـم الفريقـا
ن وهـــذا نـــارٌ وهـــذا نــور
فصـــدامٌ كمـــا تصــادمُ أجبــا
لٌ رَواس ومثلهــــــنَّ بحــــــور
وصـراخُ الجرحـى إلـى العرش يعلو
وجــــروح المجنـــدلين تفـــور
يــــترامون بالصـــواعقِ صـــفَّي
نِ فيشـــتدُّ القتـــلُ والتــدمير
حــارَبوا بالريـاح هوجـاً وبـالإع
صــارِ فــي نـاره تـذوب الصـخور
حــاربوا بـالبروق تـومض والـرع
د فيغلــي مــن صــوته التـامور
حـاربوا بالبحـار تلقى على الجي
ش بِحــــولٍ وماؤهــــا مســـعور
حــاربوا بالجبــال تقـذفُ بـالأي
دي تباعــــاً كــــأنهن قشـــور
بــالبراكين ثــائرات جــرت مـن
حمـــمٍ فيهـــا أبحـــرٌ ونهــور
وقــد اهــتزَّ عـرشُ ربـك مـن بـع
د ســـكونٍ والـــدائراتُ تـــدور
ولقــد كــادت الســموات تهــوي
ولقـــد كــادت النجــوم تغــور
كـانت الحـرب فـي البـداءِ سجالاً
مـا لصـبح النصـر المـبين سـفور
ثـــم للنـــاظرين بــان جليّــاً
أن جيـــــش الملائك المنصــــور
هزمــوهم إلــى معـاقلهم فـي ال
ليـلِ حـتى بـدا الصـباحُ المنيـر
ولأهـــل الجحيـــم تــمَّ بإنجــا
د الشـياطين فـي القتـال الظهور
فاسـتراحوا مـن العـذاب الذي كا
نــوا يقاســونه وجــاء السـرور
لـم يخوضـوا غمارهـا قبـل أن تح
كـــم فيهـــا الآراء والتــدبير
ثـم طـاروا علـى ظهـور الشـياطي
ن خفافــاً كمــا تطيــرُ النسـور
يطلبــون الجنــان حـتى إذا مـا
بلغوهـــا جـــرى نضــالٌ قصــير
ثـم فـازوا بهـا وقـاموا بما يو
جبــهُ النصــر والنهـى والضـمير
طـردوا مـن بهـا من البلهِ واحتَل
لـوا القصورَ العليا ونعم القصور
غيـر مـن كـانوا مصلحين فهذا ال
قســم منهــم بــالإحترام جــدير
فــرَّ رضــوان للنجــاة ومــن أت
بـــاعِ رضــوان مســرعاً جمهــور
وأقـــاموا لفتحهـــم حفلــةً أع
قبهــا منهــم الهتــافُ الكـثير
إنـــه أكـــبرُ انقلابٍ بــه جــا
دت علــى كرهـا الطويـلِ الـدهور
وتنبهـــت مـــن منــاميَ صــبحاً
وإذا الشــمس فـي السـماء تنيـر
وإذا الأمــر ليـس فـي الحـقِّ إلا
حُلُمـــاً قــد أثــارَهُ الجرجيــر
جميل صدقي بن محمد فيضي بن الملا أحمد بابان الزهاوي.شاعر، نحى منحى الفلاسفة، من طلائع نهضة الأدب العربي في العصر الحديث، مولده ووفاته ببغداد، كان أبوه مفتياً، وبيته بيت علم ووجاهة في العراق، كردي الأصل، أجداده البابان أمراء السليمانية (شرقي كركوك) ونسبة الزهاوي إلى (زهاو) كانت إمارة مستقلة وهي اليوم من أعمال إيران، وجدته أم أبيه منها. وأول من نسب إليها من أسرته والده محمد فيضي. نظم الشعر بالعربية والفارسية في حداثته. وتقلب في مناصب مختلفة فكان من أعضاء مجلس المعارف ببغداد، ثم من أعضاء محكمة الاستئناف، ثم أستاذاً للفلسفة الإسلامية في (المدرسة الملكية) بالآستانة، وأستاذاً للآداب العربية في دار الفنون بها، فأستاذاً في مدرسة الحقوق ببغداد، فنائباً عن المنتفق في مجلس النواب العثماني، ثم نائباً عن بغداد، فرئيساً للجنة تعريب القوانين في بغداد، ثم من أعضاء مجلس الأعيان العراقي، إلى أن توفي. كتب عن نفسه: كنت في صباي أسمى (المجنون) لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي (الطائش) لنزعتي إلى الطرب، وفي كهولي (الجرىء) لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي (الزنديق) لمجاهرتي بآرائي الفلسفية، له مقالات في كبريات المجلات العربية.وله: (الكائنات -ط) في الفلسفة، و(الجاذبية وتعليها -ط)، و(المجمل مما أرى-ط)، و(أشراك الداما-خ)، و(الدفع العام والظواهر الطبيعية والفلكية-ط) صغير، نشر تباعاً في مجلة المقتطف، و(رباعيات الخيام-ط) ترجمها شعراً ونثراً عن الفارسية. وشعره كثير يناهز عشرة آلاف بيت، منه (ديوان الزهاوي-ط)، و(الكلم المنظوم-ط)، و(الشذرات-ط)، و(نزغات الشيطان-خ) وفيه شطحاتة الشعرية، و(رباعيات الزهاوي -ط)، و(اللباب -ط)، و(أوشال -ط).