هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
لَقَـد كـانَ فـي بَغداد للشؤم يأَمرُ
عَلـى فرقـة مـن فيلق الترك جعفرُ
وَكــانَ لــه زوج وكــان ركــونُه
إليهـا كَـثيراً فهـي تنهـى وَتأمر
تســمى زليخـاً وَهـيَ شـمطاءُ فظـةٌ
مـن النـاس طـراً بالقَسـاوة تذكر
وكــانَ لــه منهـا فتـاة جَميلـةٌ
قَـد اِشـتَهَرَت واسـم الجَميلةِ دلبر
وَجاريـــة فــي بيتــه شركســيةٌ
تسـمى سـُليمى وَهـيَ عَـذراءُ معصـر
مهفهفـــة رود كـــأن قوامهـــا
قضــيب مــن الليمـون غـضٌّ منـوَّر
لهــا نظـر كالسـيف مـاض غـرارُهُ
وَوجـه كمثـل الزهـر أَو هـو أَزهر
تكــاد بفــرع طـال منـه غـدائرٌ
ثلاثٌ إذا مـــا أَســبلتهنَّ تعــثر
تَفـوق عَلـى بنـت الأميـر بحسـنها
وأخلاقهــا فيمــا يقــال وَيخـبر
وَقَـد جـاءَ أن البنـت دلبر نابها
عيـاء مـن الجـدريّ بـالمَوت ينذر
فأنشـب فيهـا الـداء أَظفار فتكه
وأعجـز مـن قد كان في الطب يمهر
فَمـاتَت بـه فـي ميعـة من شبابها
وَسـيقت إلـى حيـث الأكـابر تقـبر
إلــى حيـث لا يرجـى مـآب لراحـل
إليـه وَهَـل مـن مورد الموت مصدر
وإن الَّـذي قاسـَت زليخـا من الأسى
عَلــى دلــبرٍ فـوق الَّـذي يُتصـور
بكتهــا سـليمى بالـدموع غَزيـرة
وَبــاتَ عليهــا قلبُهــا يتفطــر
وَلكــن بكاهـا المسـتمر لحزنهـا
عَلـى دلـبرٍ مـا كـانَ يُجدي وَيثمر
فــإن زليخــا كلمـا بصـرت بهـا
أحسـت بنـار فـي الجوانـح تسـعر
فتســخط إذ لا شـيء يـوجب سـخطها
وَتشــتمها فــي وجههــا وَتحقِّــر
وَترفسـها مـن غيـر ذنـب برجلهـا
وَتوجـع ضـرباً بالعصـا وَهـيَ تصبر
لَقَـد أَشفق الخدامُ في القصر كلهم
عليهـا ولكـن من عَلى المنع يجسر
أَبـت أن تراهـا كـل يـوم جميلـة
وَدلـبر تبلـى فـي الـتراب وَتدثر
تَمــوت بريعـان الشـَبيبة بنتُهـا
وَتَحيـا سـليمى فـي محاسـن تكـثر
تَقــول أَلا لَيـتَ المَنايـا تجنبـت
فَتــاتيَ واحتلــت بمــن تتخيــر
وَلَيـتَ المَنايـا مـا تخرَّمْنَ دلبراً
وَغلْـنَ سـليمى فهـي بـالموت أَجدَر
وَهَل ذنب هَذا الدهر إذ غال دلبراً
وأَبقـى سـليمى فـي الحَيـاة يُكفَّر
حَيــاة سـليمى بعـد ميتـة دلـبرٍ
مـن الـدهر ذنـبٌ فـادح لَيسَ يغفر
فـدى دلـبراً بـل ساعةً من حَياتها
كمثــل سـليمى أَلـفُ بنـتٍ وأكـثر
وَظَنـيَ أَنَّ المـوت قـد كـانَ قاصِداً
سـليمى فَقـالَت إننـي أنـا دلبر
وَتلـك سـليمى وَهـي تـومي لـدلبرٍ
فخـذها ورح يـا مـوت إنـك تقهـر
سـليمى خـدعت المـوت حـتى دللته
عَلــى دلـبرٍ إن الَّـذي جئت منكـر
سـأجزيك شـراً بِالَّـذي قـد عملتـه
مـن الشـر إنـي يـا سـليمي لأقدر
أشــوه وَجهــاً طالَمــا بجمــاله
فتنــت عيونـاً نحـو وجهـك تنظـر
فيصـبح منـك الـوجه قد زالَ حسنه
جَميعـاً وَمنـه النـاس أجمـع تسخر
وَصــاحَت بخـدامٍ لـديها فجنـدلوا
ســليمى كشــاةٍ بالقسـاوة تجـزر
فقصـت زليخـا فرعهـا مـن أصـوله
وَكــانَ يَــزور الأرض سـاعة ينشـر
وَنتفــت الأهــداب منهــا وحلَّقـت
حــواجبَ زجــاً راق منهــن منظـر
سـمعت عـويلاً في دجى اللَيل راعني
وَعـــلَّ بـــه روعَ الملائكِ أَكــبر
فَسـاءلتُ مـا هَذا العويل فقيل لي
فـــؤادٌ بإيقـــاع الأذى يتكســَّر
وَقَـد كانَت الدار الَّتي نزلوا بها
عَلــى دجلـة حيـث الميـاه تحـدَّر
سـليمى اِرتقَت في سطحها بعد هجعة
من الناس في الأطراف وَاللَيل مقمر
تفكِّـر فـي اللَيل الَّذي ازدان جوه
بمـا فيـه مـن نجـمٍ يغيـب وَيظهر
وإشـراق وجـه الماء بالبدر لامعاً
عليــه مــن الأنـوار ثـوبٌ محبَّـر
كأَنَّ الصبا ما أَولع النفس بالصبا
عَلـى المـاء آلافاً من الماس تنثر
رأَت كـل شـيء فـي الطَبيعة غيرها
جميلاً بــه تجلـى العيـون وَتبهـر
وَلكنهـــا دون الخَليقــة كلهــا
مـن الـوجه يُمحَـى حسـنُها وَيُغيَّـر
أَأَهرب من وجه الرَزايا إِلى الفلا
إلـى الغـاب إن الغاب لا شك أستر
وَلكننـــي لا أَهتَـــدي لســـَبيله
فهَـل مـن دَليل لي لدى اللَه يؤجر
وَهـب أن لـي ذاكَ الـدَليل وأننـي
هربـت فهَـل يـألو عَن البحث جعفر
إذا ظفــرت بـي عنـده يـد سـيدي
فــإن زليخــا مـن عـذابيَ تكـثر
وأحسـن منـه اللـوذ بـالموت إنه
عَلـى غيـره عنـد الضـَرورة يـؤثر
فــإن المَنايـا لا يرجعننـي إلـى
زليخــا وإن كــانَت بـذلك تـأمر
أمـوت أَجـل إنـي أَموت فَفي الردى
نَجـاتي الَّـتي مـا زلت فيها أفكِّر
ألا أَيُّهــا البـدر المنـور إننـي
سـأبلى وَبَعـدي هَكَـذا أَنـتَ تسـفر
لأنـت سـَعيدٌ أيُّهـا البـدر فالتمِعْ
كَمـا شـئتَ لا زالَـت بك الأَرض تزهر
فَمـا لزليخـا أَيُّهـا البـدر سلطة
عليـك وَلا إن رقـت يـا بـدر توتر
وَداعـا فـإني أَيُّهـا البدر لا ترع
إلـى الموت من هَذا المَكان سأطفر
وَبعــدئذٍ جــازى الإلــهُ بعــدله
بيوتــاً بإيقـاع الجـرائر تعمـر
رمـت نفسـها في دجلة فاِختفت بها
كـأن لم تكن شيئاً على الأرض يذكر
تفكـرت فـي أَمر الحَياة فَما الَّذي
تعلمــت منــه أيهــا المتفكِّــر
تَـرى زهـرة قد أعجب العين لونها
وفـاح لهـا فـي الـروض عَرفٌ معطر
تهـب عليهـا الريـح من بعد ساعة
فتســقط مــن أَوراقهــا وَتُبعـثر
وَتبصــر عصــفوراً تزيــن ريشــه
يغـرد فـي عـالي الغصـون وَيصـفر
فَيَلقــاه صــقر ذو مخـالب أَجـدَلٌ
فيخطفـه مـن قبـل مـا هـو يشـعر
وَمِمّـا يسـلِّي النفـس منـيَ علمُهـا
بــأن بقــاء الشــيء لا يتيســر
فيـردى الَّذي قد كانَ للغير مردياً
وَيقهـر مـن قـد كـانَ لِلناس يقهر
وَلَـم تكـن الأشـياء تفنـى وإنمـا
إلــى صــورة مــن صـورة تتغيـر
جميل صدقي بن محمد فيضي بن الملا أحمد بابان الزهاوي.شاعر، نحى منحى الفلاسفة، من طلائع نهضة الأدب العربي في العصر الحديث، مولده ووفاته ببغداد، كان أبوه مفتياً، وبيته بيت علم ووجاهة في العراق، كردي الأصل، أجداده البابان أمراء السليمانية (شرقي كركوك) ونسبة الزهاوي إلى (زهاو) كانت إمارة مستقلة وهي اليوم من أعمال إيران، وجدته أم أبيه منها. وأول من نسب إليها من أسرته والده محمد فيضي. نظم الشعر بالعربية والفارسية في حداثته. وتقلب في مناصب مختلفة فكان من أعضاء مجلس المعارف ببغداد، ثم من أعضاء محكمة الاستئناف، ثم أستاذاً للفلسفة الإسلامية في (المدرسة الملكية) بالآستانة، وأستاذاً للآداب العربية في دار الفنون بها، فأستاذاً في مدرسة الحقوق ببغداد، فنائباً عن المنتفق في مجلس النواب العثماني، ثم نائباً عن بغداد، فرئيساً للجنة تعريب القوانين في بغداد، ثم من أعضاء مجلس الأعيان العراقي، إلى أن توفي. كتب عن نفسه: كنت في صباي أسمى (المجنون) لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي (الطائش) لنزعتي إلى الطرب، وفي كهولي (الجرىء) لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي (الزنديق) لمجاهرتي بآرائي الفلسفية، له مقالات في كبريات المجلات العربية.وله: (الكائنات -ط) في الفلسفة، و(الجاذبية وتعليها -ط)، و(المجمل مما أرى-ط)، و(أشراك الداما-خ)، و(الدفع العام والظواهر الطبيعية والفلكية-ط) صغير، نشر تباعاً في مجلة المقتطف، و(رباعيات الخيام-ط) ترجمها شعراً ونثراً عن الفارسية. وشعره كثير يناهز عشرة آلاف بيت، منه (ديوان الزهاوي-ط)، و(الكلم المنظوم-ط)، و(الشذرات-ط)، و(نزغات الشيطان-خ) وفيه شطحاتة الشعرية، و(رباعيات الزهاوي -ط)، و(اللباب -ط)، و(أوشال -ط).