هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
بربّــك ذَكّرهــم عَســى تنفــعُ الــذِكرى
فَكَــم نِعــم أَجــدى وكَــم مِنَــن أَجـرى
وَأَعظَمُهــــا ديــــنُ النـــبيّ محمّـــدٍ
هـوَ النِعمـةُ العُظمـى هـو المنّةُ الكُبرى
فَأَشـــــهدُ أنّ اللَّــــه لا ربّ غيــــره
تَوحّــدَ فــي الـدُنيا توحّـدَ فـي الأخـرى
وَقــد كــانَ مِـن قبـل الحـوادث واحـداً
بِلا حاجـــةٍ للخلـــقِ أوجـــدَهم طـــرّا
تَقـــدَّس عـــن كـــلِّ الجهـــاتِ وإنّــه
مــعَ الخلــقِ لكــنَّ الحقيقــة لا تُـدرى
فَلا جِهــــةٌ تحــــويهِ لا جهــــةٌ لـــه
تَنــــزّهَ ربّـــي عَنهمـــا وَعلا قـــدرا
فَليـــسَ مِــنَ الخلــفِ الأمــامُ بقربــهِ
أحــقُّ ولا اليُمنــى أحــقّ مــن اليسـرى
وَلا الفــوقُ مِــن تحــتٍ وإن كـان وارداً
لــهُ الفــوقُ لكــن ليـس يحصـره حصـرا
بــهِ قــامَ كـلُّ الخلـقِ لـو كـان لحظـةً
تَخلّــى عــنِ الأكــوانِ لاِنعــدمت فــورا
لـــه البصـــرُ الســمعُ الإرادة قــدرةٌ
حيــاةٌ كلامُ العلــمِ عــن ضــدّها يعـرى
وَليـــسَ لـــهُ ســـُبحانهُ اِبـــنٌ ولا أبٌ
وَليـــسَ لـــه بـــدءٌ ولا عــدمٌ يطــرا
وَلا مثلــــهُ خلـــقٌ ولا هـــوَ مثلهـــم
كَمــالاتُهم منــهُ وعَــن نَقصــِهم يَــبرا
وَلــو شــاءَ أَرداهُـم ولَـم يخـشَ ثَـأرهم
وهَــل أَحــدٌ يَخشـى مـنَ العـدمِ الثَـأرا
وَســوفَ إِلــى بــدءِ الفَنــاء يُعيــدهم
وَيَبقـى كَمـا قَـد كـانَ فـي ملكـهِ وِتـرا
وَيَبعثهُــــم حتّــــى يُـــثيبَ بعـــدلهِ
عَلـى الخيـرِ خَيـراً أو علـى شـرّهم شـرّا
أَعــدَّ لَهُــم دارَيــنِ لِلســخطِ وَالرِضــا
وَأَعطـــى لكــلّ مِنهُمــا منهــمُ قــدرا
لِمَـــن آمَنـــوا دارُ الكرامـــةِ جنّــةٌ
بِهــا رِزقهُــم مِــن فيــض إحسـانه درّا
وَرُؤيَتهــــم للَّــــه خيـــرُ نَعيمهـــم
وُجـــوههمُ مِــن حُســنِها نضــرت نضــرا
وَدارُ هـــــوانِ الكــــافرين جهنّــــمٌ
بِهــا سـعرَ النيـران مِـن أجلهـم سـعرا
وَشــــرٌّ عــــذابٍ عــــذَّبوهُ حجـــابهم
عــنِ اللَّــه مَقصـورين عَـن لُطفـهِ قصـرا
لأحبـــابهِ الجنّـــاتُ مَجلـــى جمـــالهِ
وَفـي النـارِ للأعـداءِ قَـد أظهـرَ القهرا
وَلَــو شـاءَ عكـسَ الأمـرِ لَـم يعُـد عـدله
وَلكــن بِفضــلٍ منــهُ لا يعكــسُ الأمــرا
وَيفعــلُ مـا يختـارُ فـي الخلـقِ مُطلقـاً
وَلا حـــرَجٌ يـــأتي عليـــهِ ولا حجـــرا
وَيغفِــرُ دونَ الشــركِ مــا شــاء منّــةً
وَلا يجــدُ الكفّــارُ مِــن فضــلهِ غفــرا
بَراهُــم لــهُ كَــي يَعبــدوهُ ويَعرفــوا
فَبـاؤوا بِسـخطٍ منـهُ إذ عَبـدوا الغيـرا
وَكَــم نِعَــمٍ أســدى لهــم غيــرَ أَنّهـم
لِخِــذلانهم قَــد أَبــدلوا شـُكرها كفـرا
وَكـــلُّ كَمـــالٍ فــي الوجــودِ كمــالهُ
أَفــاضَ علـى الـدارينِ مِـن بحـرهِ قَطـرا
وَمِـــن نــورهِ كــلُّ العــوالمِ أَشــرقت
وَلَــو شـاءَ لَـم تُشـرق ولا فجَـرَ الفجـرا
وَمـا الشـمسُ والزهـرُ الـدراري وبـدرُها
ســــِوى لمَحـــاتٍ نـــورهُ ذرّهـــا ذرّا
وَكـــلُّ البَرايــا نفحــةٌ مــن هبــاتهِ
فَســــُبحانهُ ربّـــاً وســـبحانهُ بـــرّا
وَلا فاعـــلٌ للخيـــرِ والشـــرّ غيـــره
وَمِــن أدَبٍ لَســنا لــه ننســبُ الشــرّا
وَمنــهُ القُــوى فينــا وقــد يسـتردّها
وَكـــلُّ اِمـــرئٍ منّـــا بحـــالته أدرى
وَمِــن أيـنَ تَأتينـا الخـواطرُ هـل لهـا
ســَحابٌ علــى الأفكــارِ تمطرُهــا مطـرا
وَأكثرُهـــا يَبقـــى عَقيمـــاً وبعضــها
يُـرى مُنتجـاً ينمـو كمـا تبـذرُ البـذرا
وَمِــن أَيـن تـأتي المـرءَ رُؤيـا منـامه
وَلا عقـــلَ يُبـــديها هنــاك ولا فكــرا
وَنَعلــمُ أنّ الــروحَ فــي الجسـم غيـره
وَمــا الجســمُ إلّا بيتـهُ فيـه قـد قـرّا
فَمِـــن أيـــنَ يَــأتيه وعنــد فراقــهِ
إِلــى أيّ مــأوىً فــارقَ الجسـم مضـطرّا
فَــــذلكَ أمــــرٌ ظــــاهرٌ أنّ ربّنـــا
هـوَ الفاعـلُ المختارُ في الخلق ما أجرى
وَجــازى الـوَرى عَـن كَسـبهم باِختيـارهم
وَلا قُـــدرةٌ مِنهـــم تـــؤثّر لا جـــبرا
بِتَيســيره كــلٌّ أتــى مــا قضــى لــه
وَليــــسَ بِمســـؤولٍ ويَســـألهُم طـــرّا
وَدونــكَ فــاِنظُر فــي الأمــامِ وعكســه
وَعُلـــواً وســـفلاً لليميـــن ولِليســرى
فَمَهمــا شــغلتَ الفكــرَ فـي كـلّ وجهـةٍ
إِلـــى أبــدِ الآبــادِ لا غايــةٌ تُــدرى
وَذلـــكَ مَخلـــوقٌ لـــهُ فهـــو دونــهُ
تَعــالى وجــلَّ اللَّــه عَـن خلقـهِ قـدرا
إِذا كــــانَ هـــذا كلّـــه باِتّســـاعهِ
يَضـــيقُ وَلا يَقــوى علــى ربِّــه حَصــرا
فَكيــفَ اِنحَشـى حاشـاهُ فـي ضـيّقِ الحشـا
وَكيـفَ ثَـوى فِـتراً مـنَ البطـنِ أو شـبرا
فَمَـــن يَعتقِـــد أنَّ النســـاءَ يلــدنهُ
فَقولــوا لــهُ مِـن أمّـه يمصـصِ البظـرا
تَقــدّس عَــن أن يقــدرَ الخلــقُ قــدره
وَأَن يَبلُغــوا فـي حقّـهِ النفـعَ والضـرّا
تَقــدّس عَــن أَن يعلــمَ الخلــقُ كنهــهُ
وَأَن يُـدركوا مـن علمـهِ غيـر مـا أجـرى
وَلا العـــرشُ يـــدريهِ ولا هـــو حلّـــهُ
وَلَكـــن بــراهُ مِثلمــا بــرأَ الــذرّا
عَليــهِ اِسـتوى كيـفَ اِسـتَوى ليـسَ عرشـهُ
بِهـــذا دَرى فيـــهِ خليقتـــهُ حَيـــرى
وَهــــل قـــطُّ مَصـــنوعٌ بصـــانعهِ دَرى
لَقَــد ضــلّ عَبــدٌ يــدّعيه ومــا بــرّا
وَســَل إِن تَشــأ عــن ناسـجٍ مـن نسـيجهِ
وَعمّــن بنــى قَصـراً فَسـل ذلـكَ القَصـرا
إِذا كــــانَ كـــلٌّ حادثـــاً كصـــنيعهِ
وَلــم يَــدرهِ فــاللَّه أعظــمُ أَن يُـدرى
وَلِلعقــــلِ حــــدٌّ لا يجـــاوزهُ كَمـــا
لأبصـــارِنا حَـــدٌّ تُــرى بعــده حســرى
وَكَــم فَــوق طـورِ العقـلِ طـوراً وفـوقه
ســواهُ وَزِد مــا شــئتَ طـوراً علا طـورا
وَمــا ثــمَّ مَــن يَــدري حقيقــةَ رَبّــهِ
وَفـي العجـزِ مثـلُ العقـلِ أرفعُهـا قدرا
بِأســـمائهِ الحُســـنى وَأوصــافهِ العلا
وَآثـــارهِ فـــي خلقــهِ عــرّفَ الأمــرا
وَقَـــد نصـــَب الأكــوانَ فــي كــلِّ ذرَّةٍ
بَراهيــن لا تُحصــى قَراهـا مـنِ اِسـتَقرا
وَلَكنّـــه يَهـــدي لـــهُ مـــن يريــدهُ
وَإِن كــانَ أَغـبى النـاسِ أَبلـدهُم فِكـرا
وَإِن شــــاءَ إِضــــلالاً لعبـــدٍ أضـــلّهُ
وَإِن كــانَ ذا علــمٍ غــدا علمـهُ سـِترا
أَلَــم تــرَ كفّــارَ الفرنــجِ وكيـفَ هـم
مـعَ العلـمِ بِـالأكوان شـرّ الـورى كفـرا
وَمَهمــا زَوى الأفكــارَ عَــن كنـهِ ذاتـهِ
فَــأَنوارهُ بــالعلمِ قَــد ســفَرت سـفرا
فَلا عـــذرَ للكفّــارِ فــي جهلِهــم بــه
وَهــذي البَرايــا كلُّهــا صــُحفٌ تقــرا
قَــدِ اِختــارَ مِــن كــلِّ الخَلائقِ رســلهُ
لِتَعريفِهــم مـا كـفَّ عَـن علمـهِ الفِكـرا
وَمِنهــم قــدِ اِختــارَ الحــبيبَ مُحمّـداً
نَـبيَّ الهُـدى روحَ الوجـودِ أبـا الزهـرا
نَــــبيُّ جميـــعِ الأنبيـــاءِ مَليكُهـــم
وَفــي قَـومِهم عـن حكمـهِ نَفّـذوا الأمـرا
وَلَــو جــاءَ فــي أعصـارِهم آمنـوا بـه
وَكــانوا لــهُ مِـن خيـرِ أجنـاده نصـرا
مــــآثرهُ فـــي كُتبهـــم يأثرونهـــا
وَلَــو وجـدوا فـي عصـرهِ تَبِعـوا الإثـرا
إِمــامُ جميــعِ الرســلِ جــامعُ فضــلهم
خَطيبهــمُ فــي الخَطـبِ إن حُشـِروا حشـرا
وَيَجمعهُــم فــي الحشــرِ تحــت لــوائهِ
وَكــلٌّ يقــولُ اِشــفَع فـأنتَ بِهـا أَحـرى
لِكُـــلِّ نَـــبيٍّ إمـــرةٌ فـــوقَ قـــومهِ
وَهُــم وَذووهــم تحــتَ إمرتــهِ الكُـبرى
مَلائكـــةُ الرَحمـــنِ مِــن خيــر جنــدهِ
كَأصـــحابهِ حــازوا بِصــُحبتهِ الفَخــرا
وَجبريــلُ نعــمَ العـونُ وَالصـاحب الّـذي
زِيـــاراتهُ بــالوحيِ للمُصــطفى تــترى
وَقَــد كــانَ مــن قــوّاده يــوم بـدرهِ
ولَـــم يتَجــاوَز حــدّه ليلــة الإســرا
وَكــانَ لـدى الحاجـاتِ يـدعوه يـا أخـي
يُلاطفـــــهُ إِن راحَ يســــأله أمــــرا
وَلـو كـانَ أعلـى منـهُ جبريـل لـم يكـن
مُلاطفـــةً بـــل كــانَ فــي حقِّــه إزرا
وَســـاعدهُ ميكـــالُ فــي حمــل طشــتهِ
لَــدى شــقِّهم روحـي فـداهُ لـه الصـدرا
وَقَــد كــانَ إِســرافيلُ فـي بـدءِ بعثـهِ
ثلاثَ ســــنينٍ فــــي كلاءَتــــه ســـرّا
فَقُــل هــوَ عبــدُ اللَّــه ســيّد خلقــهِ
وَدَع مـا طَـرا فـي حـقّ عيسـى مـن الإطرا
وَقُــل هــوَ بحــرُ اللَّـه بالفضـلِ زاخـرٌ
وَفــي مـدحهِ فاِسـتغرقِ النظـمَ والنـثرا
فَقَـــد أطـــرَب الأرواحَ مُنشـــدُ مــدحهِ
وَمـــادحهُ مَهمــا أطــالَ فَمــا أطــرا
تَنقّـــلَ نـــوراً فـــي جبــاهِ جــدودهِ
فَنــالوا بــهِ عــزّاً وصـاروا بـهِ غُـرّا
عـــنِ الــبيتِ ردَّ اللَّــهُ فيــلَ عــدوّه
وَأَرســلَ فــي تــدميرِ أَصــحابهِ طَيــرا
وَمِــن أُمّــه نــورٌ بــدا عنــد وضــعهِ
بــهِ عينُهــا مــن مكّــةٍ أبصـرت بصـرى
وَكَــم شــوهدَت مــن آيــةٍ فــي رضـاعهِ
فَـأحيَت شـياهَ الظئرِ فـي المحلِ والظئرا
وَأَشــبهَ منــهُ الشــهرُ عامــاً لغيــرهِ
نُمـوّاً ومنـه اليـوم قـد أشـبهَ الشـهرا
وَمــا زالَ يَرقــى فــي الكمــالِ هلالـهُ
رُويــداً وعنــدَ الأربعيــنَ غَــدا بـدرا
فَأَرســــلهُ بـــالحقِّ لِلخلـــقِ رحمـــةً
لِمُـــؤمِنهم كُـــبرى وكـــافرِهم صــغرى
جَـزى اللَّـه عنّـا خيـرَ مـا كـانَ جازيـاً
أَبـا القاسـمِ المختـار خيـرَ الورى طرّا
فَلـــولاهُ لَــم تَــبرَح عقــائدُ ديننــا
ملوّثــــةً شــــِركاً ملطّخــــةً كفـــرا
هَـــدانا بــهِ وَالجاهليّــةُ قــد طَغــت
وَقَــد غمَــر الأقطــارَ طوفانُهــا غمـرا
هَــدانا بــهِ وَالنـاسُ فـي ليـلِ شـِركهم
فَــأَطلعَ ديــنَ اللَّـه مـا بينُهـم فجـرا
هَــدانا بــهِ والنــاسُ مـا بيـن عابـدٍ
لِشــمسٍ ومَـن دانـوا الكـواكبَ والـدهرا
هَــدانا بــهِ وَالســودُ كــالبيض كلّهـم
وُحـوشٌ نعـم والصـفرُ قـد أشبهوا الحمرا
هَــدانا بــهِ والعــربُ مـا بيـن شـاعرٍ
وَمَــن عبــدَ الأصــنامَ أو عَبَـد الشـِعرى
هَـدانا بـهِ والفـرسُ بـالنور قـد غـووا
لــهُ نســَبوا خيــراً وللظلمــةِ الشـرّا
وَكَــم عَبــدوا كالهنــدِ نــاراً تـأجّجت
وَكَــم عَبــدوا عِجلاً وكَــم عَبـدوا ثـورا
هَـــدانا وَأحبـــارُ اليهــودِ تَلاعبــوا
بِملّــةِ موســى أبــدَلوا شــُكرَها كفـرا
هَــدانا بــهِ وَالــرومُ مـا بيـنَ عابـدٍ
لِعيســى بلا عــذرٍ ومَــن عَبَــدَ العَـذرا
هَـــدانا بــهِ المَــولى لجنّــة خلــدهِ
ولـــولاهُ كنّــا مِثلهــم للّظــى جَمــرا
بـهِ اللَّـه أَحيـا الفضـلَ والعدل والهدى
وَأَجـرى مـن التوحيـدِ بيـن الـورى بحرا
وَأَعطــاهُ مِــن أســرارِ مكنــون علمــهِ
بِحــارَ علــومٍ فيــهِ قَــد زَخـرت زخـرا
وَكَــم مُعجِــزاتٍ منــهُ شــاهدَها الـورى
بِكَثترتِهــا قَـد جـازتِ الحصـرَ والحِـزرا
قَــدِ اِنتَشــرت فــي الأرضِ عمّـت جَمادهـا
وَإِنســانَها والجــنَّ وَالــوحشَ والطيـرا
وَمِـــن مُعجـــزاتِ الأفــقِ مَــولاه خصــّه
بِـــدَعوة حــقٍّ ســهمُها شــقَّقَ البــدرا
وَأَســرى بــهِ للقُــدسِ فــي بعـض ليلـةٍ
وَمِنهـا إلـى السـبعِ العُلا حبّـذا المسرى
عَلا حيــــثُ لا عقـــلٌ هنالـــك واصـــلٌ
وَحيــثُ العُلا قـد صـدّتِ الـوهمَ والفكـرا
وَحيـــثُ حَبــا الرحمــنُ ســرّاً لعبــدهِ
جَميـعُ الـوَرى لـم يُمنَحـوا ذلـكَ السـرّا
ولمّــا غَـدا فـي القـربِ وَالحـبِّ مُفـرداً
رَأى ربَّـــه لا كيـــفَ لا كـــمَّ لا حصــرا
وَأولاهُ مِـــــن آلائهِ كـــــلّ نعمـــــةٍ
بِهــا خصــّهُ تســتغرقُ الحمـدَ وَالشـكرا
وَعـــادَ إِلـــى مثــواهُ بعــد عروجــهِ
بِليلــةِ مَســراهُ فَســُبحانَ مَــن أَســرى
وَأَولاهُ بِـــالقرآنِ مِـــن فيـــضِ فضــلهِ
بِحــارَ عُلــومٍ كــلُّ لفــظٍ حَــوى بحـرا
وَأَعجــزَ كــلَّ الخلــقِ عَــن مثـل سـورةٍ
فَلَــم يَنســُجوا طــرّاً بمنــواله سـطرا
وَلَــو أمكــنَ الكفّــارَ مثـلٌ أتَـوا بـه
وَمَــن يـدّعي للشـمسِ بيـنَ الـورى أُخـرى
وَســــُنّتهُ جــــاءَت بكــــلِّ فَضــــيلةٍ
مـنَ الـوحيِ لـم يُعمـل بأَحكامِهـا فكـرا
بِبَحريـــنِ قَـــد وافــى كتــابٍ وســنّةٍ
جَــرَت مِنهمــا حقّــاً شــريعته الغــرّا
بِمَجمـــعِ بحرَيهـــا أئمّتنــا اِلتقَــوا
وَمـا خَرجـوا عَنهـا بـل اِستَخرجوا الدرّا
وَفاضــَت عَلــى الــدُنيا فـأحيَت بلادَهـا
فَمــا ترَكــت عَصــراً ولا ترَكــت مِصــرا
لَقَــد عَرّفتنــا اللَّـهَ وَالبعـثَ والجـزا
وَبِاليســرِ فـي الأحكـامِ أبـدلتِ العسـرا
أَتَــت بعلــومِ الرســلِ مــع أنبيـائهم
فَمــا تَرَكـت موسـى الكليـم ولا الخضـرا
وَجـــاءَت بِتاريـــخِ الزمـــانِ وأهلــهِ
وَمـا كانَ في الغَبرا وما كانَ في الخضرا
وَأَحكامُهـــا قـــد ضــمّنت كــلّ حكمــةٍ
وَمــا اِحتَكـرت عـن طـالبٍ فضـلها حكـرا
وَأَجـــرَت عُلومـــاً كــلُّ حــبرٍ وراهــبٍ
لــو اجتمعــوا لا يحســنون لهـا عـبرا
وَلا عـــالِمٌ فــي الكــونِ يمكــنُ أنّــه
يُحيــطُ بِهــا مِــن كــلِّ أَطرافِهـا دورا
بِهــا قَــد أَتــى الأمّــيُّ فــي جاهليّـةٍ
أقــلِّ الــوَرى علمــاً وأكــثرِهم فقـرا
بِـــأقربِ وَقـــتٍ أصـــبحت خيــر أُمّــةٍ
فَضــائلَ واِســتَولت علــى غيرهـا قَهـرا
وَكَـــم عاقـــلٍ لمّـــا أصــاخَ لقــولهِ
وَشــامَ المُحيّــا بالســجودِ لــه خــرّا
فَكافــــاهُ عـــن إِيمـــانهِ بأمـــانهِ
وَجــازاهُ عَــن فعـلِ السـجودِ لـه زجـرا
وَكَــم ذا مــنَ الأعــرابِ وافــاه جاهـلٌ
كَـوحشِ الفَلا قـد أشـبهَ الـذئبَ والنِمـرا
فَصــارَ بــهِ فـي العلـم والحلـم قـدوةً
يُرتّــلُ فـي المِحـرابِ وَالمنـبرِ الـذِكرا
وَيـــا ربُّ عبـــدٍ كالبهيمـــةِ طبعـــه
قَضـى عمـرهُ فـي الشـرِّ لا يعـرف الخيـرا
بإِكســيرِ خيــرِ الخلــقِ صــحّت طبــاعه
فصــارَت نُضــاراً بعــد أن طُبعـت صـفرا
وَصــارَ بــهِ مِــن ســادةِ القـومِ سـيّداً
فَفــي جَحفــلٍ قلبــاً وفـي محفـلٍ صـدرا
فَقُــل لــي أغيــر اللَّــه يفعـل هكـذا
وَهــل أحــدٌ يقضــي علــى ربِّــهِ جـبرا
فَــإِن لَــم يَكُـن خيـرُ النـبيّينَ صـادقاً
إِذن فــإِله العــرش قــد شـرع الكفـرا
أَتــى داعِيــاً فــي الأرضِ للَّــه وحــده
وَقَــد مُلِئت شــِركاً وَقــد طفحــت شــرّا
فَأيّــده بالنصــرِ مَــع كــثرةِ العــدا
وَقَــد ســجروا نيــرانَ بَغضـائهم سـجرا
وَعارضـــهُ فـــي الحــقِّ كفّــارُ قــومهِ
وَحثّــوا إِلــى تــدميرِ دعـوته السـيرا
وَصـاحوا بـهِ وهـوَ الهزبـرُ فَمـا اِنثنـى
وَهُــم بقَــرٌ مِــن خـوفهم جـأَروا جـأرا
وَقَـــد عَرفـــوهُ صــادقاً غيــرَ أنّهــم
أصــرّوا عَلــى أديــان آبــائِهم كـبرا
وَلَــم يَــبرحوا فــي ظُلمِهــم وَظلامِهــم
إِلـى أَن رأوا منـهُ بـأفقِ الوغـا بـدرا
وَآمــنَ مِنهــم ســادةٌ ســبقوا الــورى
بِصـــُحبتهِ أكـــرِم بهِــم ســادةً غــرّا
أَجَـــلّ بَنــي الإســلامِ كــانوا وإنّمــا
أَبـو بكـرٍ الصـدّيقُ كـان اِبنـهُ البكـرا
فَفـــي حلبــةِ الإيمــان جــاء مُجلّيــاً
وَعُثمــان صــلّى خلفـه مـع ذَوي البُشـرى
بِنــوريهِ ذو النــورينِ ضــاءَت شــؤونهُ
وَحــازَ عَلـى كـلِّ الـوَرى بِهِمـا الفَخـرا
ولمّــا دَعــا الهــادي لإعــرازِ دينــهِ
أَتـــى عُمَـــرٌ يَســعى لِحَضــرته حضــرا
وَســـمّاهُ بِالفــاروقِ إذ فــرَق الهُــدى
مِــنَ الشـركِ والشـيطانُ مـن بأسـهِ فـرّا
وَأمّــا علــيٌّ فهــو عنــد اِبــنِ عمّــهِ
تربّــى صـَغير السـنِّ لـم يَعـرفِ الكفـرا
فَلا عَجـــبٌ أَن كـــان بابـــاً لعلمـــهِ
وَفـي الحـربِ ذِمـراً لَـم نَجِـد مثله ذمرا
وَأَحــرزَ خضــلَ الســبقِ منهــم عـتيقهم
وَلا عَجــبٌ أن يَســبقَ القــارحُ المهــرا
وَقَـــد ســـَبَقت كــلَّ الجيــادِ خديجــةٌ
وَأَلحِــق بِهــا أولادهُ الســادةَ الغــرّا
وَمَهمــا علَــت كــلّ النســاء بفضــلها
فَقَـد فضـَلَتها فـي العلا بنتُهـا الزهـرا
وَآلُ أبــــي بكـــرٍ خيـــارٌ وخيرهـــم
حَبيبــةُ خيــرِ الخلــقِ عائشـة الحمـرا
كَفاهــا سـلامُ الـروحِ فـي الـدين رفعـةً
وَقـولُ رسـولِ اللَّـه عنهـا خُـذوا الشطرا
وَكَــــم فتيــــات ســـابقاتٍ وفتيـــةٍ
هــداةٍ وكــم عبــدٍ أتــى سـابقاً حـرّا
وَفـــاضَ عليهــم بــالأذى بحــرُ فتنــةٍ
فَآونــــةً مــــدّاً وآونــــةً جــــزرا
فَكَــم عــذّبوهم كَــي يَعــودوا لشـِركهم
فَمـا رَجَعـوا وَالبعـضُ قَـد قُتلـوا صـبرا
وَكَـم ذا علـى الرَمضـاءِ ألقَـوا ضـعافهم
عَلـى الظهـرِ ظُهـراً واصلَ الفجر والعصرا
وَكَــم أَلبَســوهم مِــن حديــدٍ مــدارعاً
وألقَـوهمُ فـي الشـمسِ قـد صـُهروا صـهرا
وَمــا كــانَ مِــن صــخرٍ علاهــم فــإنّه
قلــوبُ العــدا لكنّهــا مُســِخت صــخرا
وَمَهمـا اِسـتغاثوا لـم يُغـاثوا ودمعهـم
حَكـى الغيـثَ مِـن سقياه عشب الثرى أثرى
فَلا يمكـــنُ التعـــبيرُ عَــن عبَراتهــم
وَلا عيـــنَ إلّا مِـــن عبــاراتهم عــبرى
مَصـــائبُهم لــو قطــرةٌ مــن ســحابها
تُمــازجُ مــاءَ البحــرِ أفسـدتِ البحـرا
وَأثقـــالهُم لـــو ذرّةٌ مـــن جبالهــا
عَلــى الـدهرِ قَـد خـرّت لأثقلـتِ الـدهرا
وَمَــع هــذهِ الأهــوالِ طــابَت نفوســهم
بِطيّــبِ ديـن اللَّـه فاِستَسـهلوا الـوعرا
حَلاوةُ حــــبّ اللَّـــه حلّـــت قلـــوبهم
فَحلّــت لَهُــم كَربــاً وحلّـت لهـم صـبرا
وَهــــاجرَ للأحبـــاشِ منهـــم جماعـــةٌ
وَقَــد هَجــروا للَّــه أوطــانَهم هجــرا
وَخـــافَت قُريــشٌ مــن عــواقبِ أمرهــم
عَلَيهــا ففــي أعقــابهم عقّبــت عَمـرا
وَكـــانَ النجاشــي مِــن أئمّــة دينــهِ
وَكَــم لرســولِ اللَّــه شـاهدَ مِـن بشـرى
فَفَـــــازَ بإســـــلامٍ وأرواهُ جعفــــرٌ
وَأَجــرى علــى عمــرٍو بتــوبيخه نهـرا
قَـــدِ اِمتُحنــوا حتّــى تخلَّــص صــفوُهم
بِتَعـــذيبهم طــوراً وتغريبهــم طــورا
ليظهــرَ كـونُ الفضـلِ فـي النـاس كلّهـم
بِنســبةِ جـزءِ الجـزءِ مـن فضـلهم نـزرا
وَلمّـــا أرادَ اللَّـــه نُصـــرةَ دينـــهِ
أَتــاحَ لــهُ مِــن نحــوِ أنصـاره نصـرا
فَهــاجرَ مــن أمّ القُــرى نحــو طيبــةٍ
نـبيُّ الهُـدى والصـحبُ قـد هجروا الهُجرا
فَســـُرّ بـــهِ الأنصــارُ حتّــى نســاؤُهم
وَصــِبيانُهم فـي مـدحهِ أَنشـدوا الشـعرا
وَيـــا حبّـــذا منهـــم ســعودٌ ثلاثــةٌ
وَمثلهــمُ البــاقي فــأكرِم بِهِــم طـرّا
فَســَعدُ معــاذٍ ســيّد الكــلّ مَــن لــه
قَــدِ اِهــتزَّ عـرشُ اللَّـهِ أَرفعهُـم قـدرا
وَسـَعدٌ أبـو قيـسٍ أخـو الجـودِ لـم تـزل
تــدورُ مــعَ المختــارِ جفنتــهُ الغـرّا
وَكـــانَت لســعد بــن الربيــعِ وصــيّةٌ
أَراهــا لقَلــبي كلَّمــا ذُكِــرت ذكــرى
فَفـــي أُحـــدٍ أَوصـــى يقــول لقــومهِ
عَلــى حيــن وافتــهُ شــهادتهُ الكُـبرى
إِذا خَلصــــوا للمُصــــطفى وبواحــــدٍ
حَيــاةٌ فعنــدَ اللَّـه لـن تجـدوا عـذرا
وَلمّــا اِلتقــى الصـَحبان واِشـتدّ أمـرهُ
تَلقّـى مـنَ المَـولى بحـربِ العـدا أَمـرا
فَبـــاعوا لـــهُ للَّـــه أنفــسَ أنفــسٍ
وَلَــم يَجعلــوا إلّا رِضــاه لهــا سـعرا
وَلمّــا اِشــتَرى الرحمــنُ منــه ومنهـمُ
بِجنّتـــه هـــاتيكمُ الأنفـــسَ الطهــرا
غَــدا رِبحُهــم أَعلــى وَأغلــى تجــارةٍ
فــأعظِم بــهِ رِبحـاً وأكـرِم بهـم تجـرا
فَكَـم جاهَـدوا فـي نصـرةِ الـدين كـافراً
وَخاضــوا إليـهِ الحـربَ والحـرّ والقـرّا
وَمــا نفَــروا يـومَ الوَغـا مـن عـدوِّهم
بَلـى فـي سـبيلِ اللَّـه قـد نَفَـروا نفرا
وَبــرّوا بِغــزوِ الــبرّ فــي كـلّ وجهـةٍ
وَبالحربِ خاضوا البحرَ واِستغرقوا العُمرا
رَبيــــعٌ خريـــفٌ صـــيفُهم كشـــتائهم
فَلَـم يَرهبـوا بَـرداً ولـم يَرهبـوا حـرّا
وَكَـــم رمضــانٍ جــاءَهم مــا تســحّروا
وَقَـد أطعمـوا سمرَ القَنا النحرَ والسحرا
وَصـاموا وَمـا صاموا عنِ الطعنِ في العِدا
وَلكِــن عَلــى أرواحهِـم جَعلـوا الفطـرا
وَأصــبحَ فطــرُ الشــركِ عيــداً لفطرهـم
ســَعيداً ونحــرُ المُشــركينَ غـدا نحـرا
وَقَــد زَهِــدوا فــي مــالِهم وجمــالهم
فَمــا عَشــِقوا بَيضــا ولا عشـقوا صـفرا
أَحـــبُّ إِليهـــم لثـــم ســـيفٍ مــورّدٍ
بِحمـرِ الـدِما مـن لثـمِ وَجنَتهـا الحمرا
ســلِ الــبيضَ والســمرَ العـوالي عنهـمُ
وَســل عَنهُـمُ الحمـرَ المـذاكيَ والشـقرا
فَكَــم خَفضــوا بالكســرِ رأســاً لمشـركٍ
وَكَــم لِلعــدا جــرّوا كتــائبهم جــرّا
وَكَــم رَفعــوا رُمحــاً وضــمّوا مهنّــداً
وَكَــم نَصـبوا حَربـاً وكَـم فَتحـوا ثَغـرا
وَمِــن بعـدهِ فـي الـرومِ والفـرس قصـّرت
قياصــرُ عنهــم حينَمــا كَســَروا كِسـرى
وَقَــد مَلكــوا الــدُنيا بأيســرِ مــدّةٍ
فَمــا فَقَــدوا يُســرا ولا وجـدوا عسـرا
حَكــى ســفَراً فـي السـلمِ سـيرُ حروبهـم
كـــأنّهمُ كـــانوا علــى عَجَــلٍ ســَفرا
لَقَــد أَثبتــوا بــالنصِّ والنصـرِ حقّهـم
وَللـدينِ بعـدَ النشـءِ قَـد عمّموا النَشرا
بِقـــولٍ وفِعـــلٍ أيّـــد اللَّــه دينــهُ
بِهــم حينَمــا أعطـاهمُ النـصَّ والنصـرا
فَـــأَطلعهُ كالشـــمسِ فــي كــلِّ بلــدةٍ
وَبـــثَّ بكــلِّ الأرضِ مِــن نشــرهِ عطــرا
فَــأكرِم بِصــحبِ المُصــطفى مَعشـراً فمـا
أُنيــلَ الحواريّــونَ مِــن فَضـلهم عشـرا
بِمَـــدحي لَهُــم كــالآلِ تبريــدُ غلّــتي
وَلــي كَبِــدٌ مــن حبهّــم أبــداً حــرّى
جَعلـــــتُ وَلائي للفريقيــــنِ حجّــــتي
فَمِــن بعــدِ إيمــاني أرى كنـزهُ ذخـرا
فَــأحبب بهــم قومــاً إذا ذكرهُـم جَـرى
أُحــسُّ لجــريِ الحــبِّ فـي مهجـتي مجـرى
وَإِن عـــــابَهم ذو ضـــــِلّةٍ فكــــأنّهُ
بأَلفــاظهِ أَلقــى علــى مَســمَعي صـَخرا
فَخيــرُ الــوَرى بعــدَ النــبيّينَ آلــهُ
وَلا ســـيّما أبنـــاءُ فاطمــةَ الزهــرا
فَبـالحقِّ فـاقوا الخلـقَ إِذ كـانَ نجرُهـم
لِســـيّد خلـــقِ اللّــه قاطبــةً نجــرا
هـــمُ الطيّبـــون الطـــاهرونَ فربّنــا
مَحــا الرجـسَ عَنهـم حيـن طهّرهـم طهـرا
وَلَــم يســألِ المُختــار مـن كـلّ مـؤمنٍ
علـــى الـــدينِ إلّا أَن يــودّهمُ أجــرا
وَأَصـــحابهُ لا يبلـــغ النـــاسُ مــدَّهم
وَلا نِصــفهُ لــو أنفقــوا أُحــداً تـبرا
نُجـومُ هـدىً مـن شمسـهِ اِقتبسـوا الضـيا
وَقَـد نَشـروا فـي النـاس أنـوارَه نشـرا
وَإِن ذُكِـــرَت بيـــنَ الـــورى غزواتــهُ
فَقــدِّم عليهــا فــي سـماءِ العُلا بـدرا
فللَّـــه مِنهـــا غـــزوةٌ كـــلُّ مــؤمن
تَحمّــلَ مِــن نعمــاءِ أَصــحابها وِقــرا
وَكــــانَ علــــيٌّ حمــــزةٌ وعبيــــدةٌ
أَثافيَهـــا إِن كنـــتَ شــبّهتها قــدرا
فَســَل عــن عُتــاةٍ مــن قريـشٍ قليبهـم
فَقَـــد نجّســَت أَشــلاؤُهم ذلــكَ الســرّا
وفـــي أُحُـــدٍ رُؤيــا النــبيِّ تعبّــرت
رَأى بَقـــراً فيهـــا فعبَّرَهـــا بقــرا
وَلَـــو ثبتَـــت فُرســانهُ عنــد أمــرهِ
لتمّــت لــهُ لكنّهــم خــالَفوا الأمــرا
وَيــا خيبــةَ الأحــزابِ حيــنَ تَشــتّتوا
وَكـــانَ عَليهـــم ريــحُ نُصــرتهِ صــِرّا
وَأَظهــرَ ديــنَ اللَّــه فــي فتــحِ مكّـةٍ
وَقــوّمَ مِــن يــومِ الحُديبيــةِ الظهـرا
وَكـــانَ لـــهُ فتـــح الفتـــوحِ لأنّــه
بـــهِ نصــَبَ الإســلامُ رايتــهُ الكُــبرى
قَـــدِ اِنكَســـَرت فيــهِ قُريــشٌ وإنّمــا
بإِســلامها فيــهِ غَــدا كســرُها جَــبرا
وَيـــومَ حُنيـــنٍ قَــد حَبــاهم بفضــلهِ
مَــواهبَ مِـن غـورِ الحَشـا سـلّتِ الـوغرا
وَصــاروا لـهُ مِـن بعـدُ مـن خيـرِ جنـدهِ
وَقَــد عَثَــروا لكــن أقـالَ لهُـم عـثرا
وَفـــي نُصــرةِ الإســلامِ لمّــا تَصــدّروا
تَبـــوّأ كـــلٌّ مــن محــافلهِ الصــدرا
وَعـــادَت ثَقيـــفٌ أســلَمت باِختيارهــا
وَمِــن قَبلِهــا عـادَت وقَـد حُصـِرت حصـرا
وَأطلــقَ فــي يــومِ المُريســيعِ أُســرةً
أســارى وقَــد أَمســى لســيّدِهم صــِهرا
وَكَـــم هـــمّ كفّــارُ اليهــودِ بغــدرهِ
فَخـابوا وَمـا نـالوا مـنَ الظفَرِ الظُفرا
وَعـــامَلَهم بــالرِفقِ والحلــم صــابرا
فَمِـن لُـؤمهم لـم يتركوا الختلَ والخترا
وَمَهمـــا رَأوا منـــه وفـــاءً بذمّـــةٍ
يَــرى كــلَّ يــومٍ مِــن خِيـانَتهم خفـرا
فَلمّـــا رَآهـــم هَكـــذا شـــرَّ مَعشــرٍ
رَأى الحـزمَ أَن يَسـتعمل الحـرب والحذرا
فَقنّــــعَ خِزيـــاً قينقـــاعَ بنفيهـــم
وَزوّدهـــم فَقـــراً وأســـلمهم قفـــرا
وَأَجلــى نَضــيراً بعــدَ قطــعِ نخيلهــم
وَأَحرَمهــم مــن لينـهِ التمـرَ والبُسـرا
وَلمّــا اِعتَــدَت بَغيــاً قُريظــةُ سـاقها
إِلــى حَتفهــا للمـوتِ قَـد حُشـِرَت حشـرا
وَفــي نَشــرها بالســيفِ نـالت جزاءَهـا
فَمـا حَمِـدت مِـن كُفرهـا الحشـرَ والنشرا
وَخَيبَـــرُ قَــد أَلقَــت إِليــه حصــونها
ذَخائرَهـــا وَالنخـــلُ ســلّمه التَمــرا
وَشــُجعانُها دامــوا عَبيــداً لــه بهـا
مَســاحيهمُ أنســتهمُ الــبيضَ والســمرا
وَكــانوا ذَوي كــرٍّ وفَــرٍّ لــدى الوغـا
فعوّضــَهم فــي حقلــهِ الكــرَّ والفــرّا
وَكــانوا بِــأعلى مَنعــةٍ مِــن حُصـونِهم
وَلَـم يرهَبـوا مِـن حِرزِها الليثَ والنَسرا
فَلمّــا غَزاهــم لَــم تُفِــدهم وأَشـبهوا
أَرانــبَ مِــن خَــوفٍ بهــا لَزِمـت وكـرا
وَســالَ عَلــى وادي القــرى سـيلُ جيشـهِ
فَـأجرى بِهـا مـا كـانَ فـي خيـبر أجـرى
وَســـاقَ الســـَرايا للأعـــاربِ حـــولهُ
فَمــا تَركـوا لِلشـركِ فـي أرضـِهم سـورا
وَأَرســـلَ مِـــن أصــحابهِ يــوم مؤتــةٍ
أُســوداً بــأرضِ الشـامِ قَـد زَأَروا زأرا
فَجــرّوا عَلــى الجيــشِ العرمــرمِ ثلّـةً
بِهـا قَصـروا مـن قيصـرَ العسـكر المجرا
وَكَــم أَســلمَت مِــن غيــرِ حـربٍ قبيلـةٌ
وَمــــا ســـَمِعَت إلّا التلاوة والـــذكرا
بِــــدونِ قتــــالٍ آمنـــت يمـــنٌ وإذ
غَــزا بتبــوكَ الـروم فـرّوا ومـا فـرّا
وَمــا النَصــرُ إلّا اللَّــه مــانحهُ لــه
ومِــن فــوقهِ الأســبابُ أَســبَلَها سـترا
وَكَـــم غمَـــرت قَومــاً غمــارُ هبــاتهِ
وَنــالَت وفــودُ العـربِ نـائلهُ الغمـرا
وَحَـــجَّ بعـــامِ العشـــرِ أفضــلَ حجّــةٍ
بِهــا ودّعَ الأصــحابَ وَالــبيتَ وَالحِجـرا
وَعـــادَ كبـــدرِ التـــمِّ تــمَّ كمــالهُ
وَفـــي طيبــةٍ صــارت ســحابتهُ قَــبرا
وَمــا حَجَبــت عَــن قــومهِ غيــر شخصـهِ
وَأَنــوارهُ قَــد عمّــتِ الــبرّ والبحـرا
وَخلّـــفَ شـــَرعاً مثلـــه ظــلّ هاديــاً
تَبــوّأَ مِنهــم فــي مكــانتهِ الصــدرا
وَمـــن قــبرهِ خيــرِ القبــورِ أمــدّهم
بِنــورٍ وطيــبٍ أَخجَلا الزهــر والزهــرا
فَــأعظِم بــهِ أفقــاً بــه خيــر نيّــرٍ
بــهِ ثغــرُ ديـن اللَّـه مـا زال مفـترّا
أَيــا صــفوةَ الرحمــنِ يـا خيـرَ خلقـهِ
وَأَعظَمهُـــم فَضـــلاً وأرفعهـــم قـــدرا
لــكَ الفخـرُ كـلُّ الفخـرِ إذ كنـت عبـدهُ
وَســـدتَ عَلــى كــلِّ الأنــامِ ولا فخــرا
وَكــــلُّ كَمـــالٍ فـــي الخلائقِ كلّهـــم
فَــأنتَ لــهُ أصــلٌ وأنــت بــه أحــرى
نَعَـــم أنـــتَ مخلــوقٌ ولســت بخــالقٍ
ولكِــن لــكَ الرَحمــنُ قَـد وكّـل الأمـرا
وَســـوّاكَ شـــمسَ العـــالمينَ مُمـــدّهم
فلَــو فَقَــدوا إِمـدادها أظلَمـوا فـورا
وَإِنّـــك عبـــدُ اللَّـــه قاســمُ فَضــلهِ
عَلــى خلقــهِ تُعطيهــمُ القُـلَّ والكـثرا
أَقبــــحُ كــــلِّ العـــالمينَ جَهالـــةً
جَهــولٌ لمَـن لَـم يلـفِ مِـن غيـرهِ خيـرا
وَمَهمــا يَكُــن فــي جَهلهِــم بـكَ مُنكـرٌ
فَـــأعظَمُ منــهُ جهلُهــم ربّهــم نكــرا
قَريبــاً يـزولُ الجهـلُ عَنهـم مَـتى رأوا
لِـــواءكَ تَتلـــوهُ شـــفاعتكَ الكــبرى
عَليـــكَ صـــَلاةُ اللَّــهِ مقــدار فضــلهِ
تَــدومُ تَفــوقُ الكـمّ والكيـف والحصـرا
وَمِـــــن عَجـــــبٍ أنّ الخلائقَ كلّهــــم
وَقَــد ظهــرَ الإِســلامُ لَـم يُسـلِموا طـرّا
وَكيـــفَ اِختيـــارُ العــاقِلين لغيــرهِ
وَلَــو عَلِمــوا أَسـرارهُ رَفضـوا الغيـرا
فَمــا عاقِــلٌ مَــن لَــم يُصــدّق مُحمّـداً
وَبُرهــانهُ كالشــمسِ قَــد ظَهَــرت ظُهـرا
وَلا ســـِيّما أهــلُ الكتــابِ فَكَــم رأوا
بَشــائرَ مِنهــا طــابقَ الخـبرُ الخُـبرا
بـــهِ وَرَدت كتـــبُ المليـــكِ لرســـلهِ
عَلامــةُ صــدقِ المُصــطَفى فوقَهــا طــرّا
بِخـــاتمِ رســلِ اللَّــه مَختومــةً أَتــت
فَمـــا تَرَكــت لِلجاحِــدين لــه عُــذرا
لَقَـــد عَلِمـــوهُ خاتِمـــاً ذا جـــواهرٍ
وَلَكنّهـــا فــي كُتبِهــم طُمِــرَت طمــرا
بِهـــا هــو أَغنــى المُرســلينَ لأنّهــا
كُنــوزٌ بنَــت أســلافُهم فوقَهــا جــدرا
أَتــى بعضــُها نصــّاً صــَريحاً وبعضــُها
أَتــى برمــوزٍ مِثلَمــا تقــرأُ الجفـرا
لَقَـــد علِمـــوه صــادقاً غيــرَ أنّهــم
لحقــدٍ بهـم مـدّوا لـه النظـرَ الشـزرا
وَقَــد درّبــوا مِـن شـدّةِ الكفـرِ وُلـدَهَم
علــى بُغضــهِ مِــن حيـنِ شـُربهمُ الـدرّا
لِمـــا عَلِمـــوهُ مِـــن تبلُّـــجِ دينــهِ
فَلا أحــــدٌ إلّا يـــراهُ هـــو الأحـــرى
وَكَـــم عاقـــلٍ منهـــم تحقّــق صــدقهُ
ولكِــن قضــاءُ اللَّـه قَـد حجَـرَ الحجـرا
سَلاســـلُ أقـــدارٍ مـــنَ اللَّــه حُكّمــت
بِأعنـــاقِهم قـــادَتهم للــرَدى قَســرا
عَـــــداوَتهم مَوروثـــــةٌ فَقُلــــوبهم
حيــاضٌ مــنَ النيــرانِ قـد مُلِئت جمـرا
وَكَــم مِــن فَــتىً يَــدري بفضــلِ عـدوّهِ
وَيُبعـــدهُ الضــغنُ الّــذي ملأ الصــدرا
وَيَصـــعبُ تغييـــرُ العقيـــدةِ بعــدما
يَعيــشُ عَليهـا المـرءُ فـي قـومهِ عمـرا
وَكَــم ذا رَأينــا عــاقلاً منهــمُ صــحا
وَكـــانَ بخمــرِ الكُفــرِ مُمتلئاً ســكرا
تَشـــرّفَ بِالـــدينِ الحنيفـــيِّ مُســلماً
وَعـــاشَ بِفضـــل اللَّــه مُمتلئاً شــكرا
وَيــا قاتــلَ اللَّــهُ اليهــودَ فَــإنّهم
أَشــدُّ الــوَرى كُفــراً وَأَخبثُهــم مَكـرا
عَقيـــدَتُهم فـــي اللَّــه شــرُّ عَقيــدةٍ
تَنــــزّهَ عَنهـــا ربّنـــا وعلا قـــدرا
وَقَــد حرّفــوا مثــلَ النَصـارى كِتـابهم
وَزادوا حُروفــاً حِبرُهــا لعــنَ الحـبرا
وَأَفحشــــُها يعقــــوبُ صـــارعَ ربّـــه
فَيـا بِئسَ هَـذا القـول مِـن فريـةٍ تُفـرى
عَقيـــدتُهم تَجســـيمُ مـــا يعبـــدونهُ
فَكَــم عَبـدوا جِسـماً وَكَـم كَفـروا كفـرا
ســـَجيّتهم فعـــلُ الخنـــاءِ وَدينهـــم
كَأنفســِهم خُبثــاً حَـوى العـارَ والعُـرّا
فَلا تَعجَبَـــن مِـــن قرفهــم أنبيــاءَهم
وَهُـــم خيرُهــم نَفســاً وأطهرهــم أزرا
فَفـــي طَبعهــم بغــضُ الخيــارِ لأنّهــم
علـى الشـرِّ والشـنّار قـد فُطِـروا فطـرا
وَلا عجَــــــبٌ إِنكـــــارهم لمحمّـــــدٍ
وَقَـد فَعلـوا مـن قبلُ في الأنبيا النُكرا
وَكَــم أَســفَرت فيــهِ بأســفارِ دينهــم
بَشــائرُ لَكــن لَــم تجِـد عنـدَهم بِشـرا
وَكَـــم شـــاهَدوا منــهُ شــواهدَ جمّــةً
زَواهــرَ يَعلــو نورُهـا الأنجـمُ الزُهـرا
وَمَهمـــا يَزِدهُــم مِــن محاســنِ خيــرهِ
يزيــدونهُ مِــن قُبــح إِنكــارِهم شــرّا
وَكَــم أَظهَــروا بِــالجهرِ حفــظَ عهـودهِ
مــنَ الخَــوفِ واِختــاروا خيـانتهُ سـرّا
فَأَفنـــاهُمُ بِالقتـــلِ والنفــيِ آخِــذاً
لِعيســى وبـاقي الأنبيـا منهـم الثـأرا
فَكَــم مِــن نَــبيٍّ منهــمُ فَتكــوا بــهِ
فَكـانوا وَمـا زالـوا أشـدَّ الـورى خسرا
وَمِــن ســادةِ الأحبــارِ قــد حــلّ حبُّـهُ
قُلوبــاً بنـورِ العلـمِ قَـد عُمِـرَت عمـرا
فَجـــاؤوا إِليــهِ مُســلمينَ لمَــا رأوا
بَشـــائرهُ فــي كُتبِهــم بهَــرَت بَهــرا
مُخيريــقُ بحــرِ الجــودِ مِنهـم وَحـبرُهم
فَـتى العلـمِ عبـدُ اللَّـه أكـرِم به حبرا
وَكَــم مِــن يَهــودٍ صـدّقوا سـيّدَ الـورى
وَلكنّهـــم كـــانوا بِنســـبتهم نــزرا
وَمُــــؤمنهُم إِيمــــانهُ ضـــدّ طبعـــهِ
وَكــافِرُهم بــالطبعِ قـد ناسـبَ الكفـرا
خَبـــائثُهم لا يَنتَهـــي وصـــفُ رِجســها
فَكــم لوّثـوا عَصـراً وكـم لوّثـوا مِصـرا
وَقَـــد مُســـِخَت مِنهــم خنــازيرُ جمّــةٌ
وَبَعــضٌ غــدا قــرداً وبعـضٌ غـدا فـأرا
لَقَـــد شـــَمِلتهم لعنــةٌ بعــد لعنــةٍ
مــنَ اللَّـه مَغضـوبين قَـد دُحِـروا دحـرا
فَــدَعهم فــإنَّ اللعــنَ أَعمــى قلـوبهم
بـهِ عَـن شـهودِ الحـقِّ قَـد قُصـِروا قصـرا
وَقُــل للنَصــارى مـا لكـم مـع عُقـولكم
وَقَــد ظهــرَ الإســلامُ ولّيتــمُ الظَهــرا
فَـــأَنتُم إذاً مثــلُ اليهــودِ بِجَحــدكم
كِلاكُــم عــنِ الحــقِّ المُـبينِ قـد اِزورّا
أَمـــا عجَـــبٌ منكُـــم جحـــودُ محمّــدٍ
وَقَــد بَهَــرت آيــاتهُ الشـمسَ والبـدرا
وَقَــد قــالَ إنّــي مُرســلٌ مِــن إِلهكـم
فَصـــدّقه لمّـــا أتــاحَ لــه النصــرا
وَأَنتُــــم رَأيتُـــم نصـــرهُ وســـمعتمُ
وَآثــارهُ قــد عمّــتِ البحــرَ والــبرّا
أَتــى الخلــقُ بالـدينِ القـويمِ مُهـذّباً
مــنَ اللَّــه إنّ اللَّـه لا يشـرعُ الهـذرا
وَليـــسَ لَكُـــم عــذرٌ بــتركِ اِتّبــاعهِ
فَإِنجيــلُ عيســى عنــه صــرّحَ بالبشـرى
وَتـــوراةُ موســى قَــد تحلّــت بــذكرهِ
فَكَــم زيّنــت رُؤيــا لــه عُـبرت عـبرا
وَدَعـــوةُ ديـــنٍ ليــس تبقــى لكــاذبٍ
ثلاثيــنَ عامــاً قَـد جـرى ذلـك المجـرى
وَدَعـــوتهُ دامَـــت وَعـــمّ اِنتِشـــارها
ســـنينَ مئاتٍ أربعــاً تتبــع العشــرا
وَبشــــّرَ نَســــطوراً بــــهِ ونظيـــرهُ
بَحيــرا وكــلٌّ كــان فــي علمـه بحـرا
وَمِـــن بيّنــاتِ الصــدق أَعطــاهُ ربّــهُ
دَلائلَ يَعلــو نورُهــا الأنجــمَ الزهــرا
وَكَـــم مِـــن نَـــبيٍّ تُؤمنــون ببعثــهِ
وَمــا نـالَ مِـن مِعشـارِ آيـاتهِ العُشـرا
وَملّتــهُ كالشــمسِ فــي الكــونِ أَشـرَقت
وَقَــد نَســَخت أنوارُهــا الملـلَ الأخـرى
بِهـــا جمــعَ اللَّــه المَحاســنَ كلّهــا
وَقدّســَها القــدّوسُ عَــن كــلّ مـا أزرى
وَهــا أَنــا قَـد أَوضـحتُ مـا هـو واضـحٌ
لَكُــم مِـن هُـدى الهـادي وملّتـه الغـرّا
وَبيّنـــتُ مِـــن آفـــاتِ ملّتكــم لكــم
عجـــائبَ لا تُبقـــي لِتابعهـــا عــذرا
بَـــذلتُ لكُـــم منّـــي نَصــيحةَ مُشــفقٍ
وَلا أَبتَغـــي شــُكراً لــديكم ولا أجــرا
وَلَكــــن بــــودّي أنّ ديــــن محمّـــدٍ
تعــمُّ جميــعَ النــاسِ نعمتــهُ الكُـبرا
أَجيراننـــا واللَّـــه إنّـــي لَخيركــم
مُحــبٌّ كنفســي إِذ أُحــبُّ لَهــا الخيـرا
أَلا اِنتبِهــوا مِــن قبــل أن تَتَنبّهــوا
بِمــوتٍ تــرَونَ الأمــرَ مِــن بعـدهِ مـرّا
نَراكُـــم أدقّ النـــاسِ فِكــراً بصــنعةٍ
وَأبلــدَ خلــقِ اللَّــه فـي ربّكـم فكـرا
نَـــرى لكـــمُ عَقليـــن عَقلاً لـــدينكم
وَعَقلاً لِــــدُنياكم بهـــا زنـــدهُ أورى
وَأمّــا الّــذي لِلــدين فهــوَ عِقــالكم
عَــنِ الحــقِّ مَأسـورين فـي قيـدهِ أسـرا
وَقَــد كنتــمُ مِــن قبـل تخفـونَ دينكـم
حَيــاءً فلا أدرى لــمَ اِخــترتمُ النَشـرا
وَيـــا لَيتَكُـــم أبقيتمـــوهُ مُحجّبـــاً
فَمِـن فطنـةِ الشـوهاءِ أَن تلـزمَ الخِـدرا
وَواللَّــــه لَـــولا أنّكـــم تَنشـــورنهُ
لَنــا وَكَشــفتُم عَــن مَعــايِبه السـِترا
لَمــا كــانَ ذو عقــلٍ يَــرى أنّ عـاقلاً
يَــدينُ بــهِ مَهمــا غَــدا عقلـهُ نـزرا
إِذا كــانَ فضــلُ الســبقِ يَحمِلكـم علـى
بَقــاءٍ علــى الـدين القـديم وإن أزرى
فَكونــوا يَهــوداً واِعملـوا باِعتقـادهم
بِعيســى وإلّا فــاِتبعوا الملّــة الغـرّا
أَلَــم تَنظــروا يــا قــوم ديـنَ محمّـدٍ
وَفــي أُفقــهِ شـمسُ الهُـدى سـفَرت سـفرا
جَعَلتُــــم إلـــهَ العـــالمينَ ثلاثـــةً
غَلِطتُــم فــإنّ اللَّــه لا يقبـلُ الكُـثرا
وَإِذ قلتــم كَــي تُصــلِحوا فحــشَ غيّكـم
ثَلاثَتهـــا فــردٌ غــدا أمركــم إمــرا
ثَلاثتُهــــا فــــردٌ وفــــردٌ ثلاثــــةٌ
فَيــا لــك زوراً صــيّر العقــلَ مُـزورّا
وَلا عــذرَ عنــدَ اللَّــه والعقــلِ لاِمـرئٍ
يَـدينُ بـأنّ اللَّـه قَـد حـلّ فـي العـذرا
وَلكـــنّ روحَ القــدسِ إذ جــاء نافخــاً
بِهــا حَمَلــت عيســى ومـا بَرِحـت بكـرا
وَأَلقتــــهُ طِفلاً مثــــل أبنــــاء آدمٍ
وَمــا زادَ شــَيئاً عــن سـواه ولا ظفـرا
وَبالــــــدرِّ غـــــذّتهُ فللَّـــــه درّهُ
نَبيّــاً كَريمــاً كــان فــي أمِّــهِ بـرّا
وَقَــد كـانَ مثـلَ النـاسِ فـي كـلِّ حاجـةٍ
فَيأكــــلُ مُضـــطرّاً ويخـــرجُ مُضـــطرّا
وَإِن كـــانَ مِـــن أمٍّ أَتــى دون والــدٍ
فَـــآدمُ مــن فخّــارةٍ أحــرزَ الفخــرا
وَحـــوّاءُ فــي عكــسِ المســيحِ تخلّقــت
فَلا أمَّ بَــل مــن ضــلعِ آدَمهـا اليُسـرى
ثَلاثــــةُ أَقســـامٍ ورابعُهـــا الّـــذي
بَــرا اللَّــه مِـن أبنـاءِ آدمَ أو يـبرا
وَلَـو لَـم يَكُـن عيسـى بَـرا اللَّـه غيـرهُ
لِتكملـــةِ الأقســـامِ أربعـــةً حصـــرا
وَذاك دليــــلٌ أنّــــه قـــادرٌ علـــى
خلافِ الّـــذي فيـــه عـــوائدَهُ أجـــرى
ولمّـــا حبـــاهُ اللَّـــه منــه نبــوّةً
بِهـا فـاقَ كـلَّ الخلـقِ فـي عصـره خيـرا
أَرادتـــهُ لِلقتـــلِ اليهــودُ فحــافهم
عَلــى نفســهِ تلــكَ النفيسـة أن تُـزرى
فَصــــارَ يُنـــادي مُســـتَغيثاً بِربّـــه
وَقــادوهُ رَغمــاً عَــن إِرادتــهِ جَــبرا
وَقَـــد وَضــعوا إِكليــل شــَوكٍ برأســهِ
شــرارُ الــوَرى حتّـى بـهِ سـَخروا سـخرا
وكـــانَ لـــه حـــزبٌ ضــعيفٌ فعنــدما
أَحـــاطَ بـــهِ أعــداؤهُ للــرَدى فــرّا
وَســـاقوهُ مَكتوفـــاً عليـــه صـــليبهُ
إِلــى أَن علا فــي زَعمهــم فـوقَهُ قَسـرا
وَقَــد حــاوَلت فيــهِ النَصــارى عقيـدةً
لأن يَجعَلــوا فــوقَ الهــوانِ لـه سـِترا
فَقــالوا جَـرى مـا قـد جـرى باِختيـارهِ
لَقَــد أَخجلــوا وجـهَ الحقيقـة فـاِحمرّا
فَــإن كــانَ حقّــاً مـا جَـرى باِختيـارهِ
فَمـا بـالهُ قـد أظهـرَ الخـوفَ والـذُعرا
وَإِن كـــانَ مَســـروراً بقهـــر عـــدوّهِ
لــهُ فَلِمــاذا لـم يكُـن يظهـرُ البِشـرا
وَقَــد كــانَ فـي حـزنٍ عظيـمٍ فمـا لنـا
نَـــرى حزبـــهُ هـــذا بنكبتــهِ ســُرّا
وَهبـــهُ عَلــى ناســوتِهِ كــان جاريــاً
فَكيــفَ مــنَ اللاهـوت لـم يجـدِ النَصـرا
وَمَـــع كــونِ كــلِّ شــَطر كــلّ بمزجــهِ
فَكيـفَ بـهِ مـا حـازَ مـن صـلبهِ الشـطرا
وَإِن كـــانَ هــذا كلّــه كــانَ بــاِبنهِ
فَكيــفَ تخلّــى عنــه أو وجــدَ الصـبرا
أَمــا يَســتحقُّ الــذمَّ يــا قـوم والـدٌ
أَعــــزُّ بنيــــهِ لا يشـــدُّ بـــه أزرا
عَجـــــائِبهم لا تَنقضـــــي فبحزنــــهِ
لهُــم فَــرحٌ والكســرُ كـان لهـم جـبرا
وَقَــد جَعلــوا عيــداً لهـم يـوم صـلبهِ
فَكــم طَبلــوا طبلاً وكــم زمـروا زمـرا
فَيــا قــومِ هــذا يـومُ أحزانِكـم أمـا
لَــديكم عقــولٌ تفــرقُ الخيـر والشـرّا
لَعَمـــري وعمـــر الحـــقِّ إنّ فعــالكم
دَلائلُ قَطـــعٍ أنّ فـــي عقلكـــم عقــرا
فَحظّكـــم حظـــرٌ لمـــا جــوّزَ النُهــى
وَجــوّزتمُ مــا كـانَ عنـدَ النهـى حضـرا
تَقولــــونَ ربٌّ ثـــمّ قلتـــم عبيـــدهُ
شـرار الـوَرى جـاروا علـى صـنعته جورا
وَمــا يَســتحقُّ اِســم الإلـه سـِوى الّـذي
تَعــالى اِقتــداراً أن يُهـان وأن يُـزرى
أَلا أَخبرونـــا هـــل ســـَمِعتم بمعشــرٍ
ســِواكُم رَأوا فــي صــلبِ ربّهــمُ فخـرا
فَهــذا اِعتقــادُ القــومِ والحــقُّ أنّـه
دَعـــا ربّـــهُ فَـــوراً فخلّصــهُ فَــورا
وَأَلقــى عَلــى مــن خــانهُ شــَبهاً بـه
فَكــانَ هــو المصــلوبَ إذ دلّهـم غـدرا
وَأمّــا المســيحُ الحــقُّ فــاللَّه خصــّه
بِرفــعٍ إليــهِ حيــثُ بالمُصــطفى أسـرى
هَنيئاً لـــهُ مِـــن مُرســلٍ عنــد ربّــهِ
بِأهنـــأِ عَيـــشٍ لا يجـــوع ولا يعـــرى
وَأكرمـــهُ أحلـــى الكرامـــة بَعــدما
قَضــى مــرَّ عيــشٍ بيــن أعــدائهِ مـرّا
وَكَـــم مِـــن دَعـــاوٍ يــدّعونَ لصــلبهِ
تــودُّ لَهــا الأســماعُ أَنّ بِهــا وقــرا
يَقولــونَ كــلُّ النــاسِ مِــن نســل آدمٍ
بِزلّتــه فــي ســجنِ إبليــسَ قــد قـرّا
إِلــى أَن أَتــى عيســى فَــداهُم بِنفسـهِ
وَأَبــدَلهم بالعســرِ مِــن سـِجنهم يُسـرا
وَمــا ذَنبُهــم إِن كــانَ آدمُ قَــد جنـى
نَعَـم قَـد جَنـى واللَّـهُ قَـد جـبرَ الكسرا
وَيَحمـــلُ إِن لـــم ينـــف مَــولاهُ وزرهُ
فَمـا بـالُهم قَـد حمّلـوا غيـرهُ الـوِزرا
وَيُمكــنُ عفــوُ اللَّــه عَــن كــلِّ مُـذنبٍ
وَمـا يَقتَضـي أَن يركـب المركـبَ الـوعرا
رَمــى نفســَهُ بالصــلبِ والضــربِ والأذى
وَمــا أذنَبـت يـا بئسَ مـا مَعهـا أجـرى
وَأَظلـــم كـــلّ النــاسِ ظــالم نفســهِ
بإهلاكهــا حتّـى بهـا قـد وَقـى الغيـرا
فَــإن لَــم يَكُــن خيــرٌ لــديه لنفسـهِ
فَهــل أحَــدٌ منــه يَــرى بَعـدها خيـرا
وَإِن كـــانَ شـــرّ العـــالمين لنفســهِ
فَمَـن ذا الّـذي مِـن نحـوهِ يـأمنُ الشـرّا
وَلَــو صــحَّ هَــذا لاِقتضــى فيــهِ أنّــهُ
أَقـــلُّ الـــوَرى عَقلاً وأضــعفُهم فكــرا
وَأَفعــالهُ مثــلُ المَجــانين مــا لهـا
لَــدى عقلاءِ النــاس مــن حكمــة تـدرى
فَمـــا لِلنَصـــارى يثبتــونَ اِحتقــارهُ
وَقَــد زَعمــوا أَيضــاً ألـوهتهُ الكُـبرى
وَحاشـــاهُ مِــن هــذا وذاكَ وكــلّ مــا
عَلا عنــهُ مِــن وصــف الألوهــةِ أو أزرى
كِلا طرفَــــي حــــقِّ النبـــوّة باطـــلٌ
فَمَـــن زادهُ قَــدراً كمــن زادهُ حقــرا
أَليـــسَ إِذا مــا قلــتَ للعبــدِ ســيّدٌ
تَكــونُ بــهِ فــي حقّــهِ ســاخِراً سـخرا
إِلــى اللَّــه مِـن خفـضِ اليهـودِ لقـدرهِ
بَــرئتُ وَمِــن رفـعِ النَصـارى لـه أَبـرا
وَلكنّـــهُ مِـــن ســـادةِ الرســلِ ســيّدٌ
وَأَرفــعُ خلــقِ اللَّــه فـي عصـره قـدرا
نَــبيٌّ رســولٌ مِــن أُولـي العـزمِ كلّنـا
نُــواليهِ والأَولــى بــه صــاحبُ الإسـرا
عَليـــهِ مِـــن اللَّــه الســلام يحــوطهُ
وَيـــدفعُ عنـــهُ ذلــكَ الــزورَ والإزرا
وَواللَّــه إنّــي فــي المنــامِ رأيتــهُ
كَمــا وصــفَ المُختــارُ ذا طلعـةٍ حمـرا
وَخـــاطبتهُ فـــي بعــضِ شــأنٍ قصــدتهُ
لَــهُ خدمــةً منّــي لــه فلــيَ البشـرى
وَقَـــد عبَــدوا شــكلَ الصــليبِ كــأنّه
إِلــــهٌ وأنّ اللَّـــه ســـلّمه الأمـــرا
وَمـــا هـــوَ إلّا قِطعتـــا خشــبٍ علــت
بِعــرضٍ علــى إحـداهُما القطعـةُ الأخـرى
بِصــــورةِ إنســــانٍ ولكــــنّ رأســـهُ
وَكفّيــهِ وَالرجليــن قــد بُتِــرَت بـترا
قَــدِ اِلتَصــَقت فَخــذاه والســاقُ واحـدٌ
وَمـــدَّ يـــديهِ بـــاليمينِ وَباليُســرى
فَلا قَـــدمٌ يَســـعى بِهــا فهــو مُقعــدٌ
وَأقطـــع لا شـــبراً حـــواه ولا فــترا
وَإِنّــــا نراكُـــم تنظـــرونَ عيـــوبهُ
مَحاســنَ مســحورينَ فــي شــكلهِ ســحرا
وَهَــب أنّ أوصــافَ الألوهــة قــد ســرت
بِعــودٍ عليــه ذلــكَ الجســمُ قـد قـرّا
فَمِــن أيــنَ جــاءَت كــلّ شــيءٍ مصــلّبٍ
وَمِــن ذاتــهِ مــا مـسّ بطنـاً ولا ظهـرا
وَمِــن أيــنَ حلّــت فــي إِشــارَتكم بـهِ
عَلــى جِســمِكم تســتدفعونَ بــهِ الشـرّا
أَفــي كــلِّ شــَيءٍ نـاقضَ العقـلَ دينكـم
كــأنَّ عليكــم فـي وِفـاقِ النُهـى حجـرا
مَـــتى أحَــدٌ مِنكــم رأى قــطّ واحــداً
رَأى مِـــن صــليبٍ قَــد تقلّــدهُ خيــرا
فُتِنتُــم بــهِ مِــن غيــرِ أسـبابِ فتنـةٍ
يُقـــالُ لأهليهـــا لعــلَّ لَهُــم عُــذرا
هــوَ الــوثنُ الأعلــى الّــذي عـمّ شـرّهُ
فَمـــا اللات وَالعــزّى وثالثــةٌ أخــرى
فَلَــم يُــرَ فــي الأكــوانِ شـكلٌ كشـكلهِ
بِفتنتــهِ الشــيطانُ قَــد نَشـرَ الكفـرا
وَلَــم يُــر فـي الأوثـان فـي كـلّ بلـدةٍ
بِهـا عُبِـدت مـا حـازَ مـن شـرّه العشـرا
فَلا غـــروَ أنّ المُصــطفى كــانَ عنــدَما
يَــرى شــكلَهُ فــي الشـيءِ حـوّله غَيـرا
لَقَـد كـانَ يَشـكو الجـورَ لـو كانَ عاقلاً
فَقَـــد حمّلــوهُ مِــن غَرائِبهــم إِصــرا
فَطَــوراً تــرى مثــواهُ فــوقَ رؤوســهم
وَطَــوراً تــراهُ تحــتَ أَقــدامِهم خَصـرا
وَكَــم عَبــدوا وســطَ الكنــائسِ شــكلهُ
كَصــورةِ عيســى وَالحَــوارين والعــذرا
فَهَـــذي هــيَ الأوثــانُ وهــيَ بيوتهــا
وَكَـم أَنفقـوا تِـبراً وكـم نَـذروا نـذرا
فَمــا بــالُهم قَـد أَلحقـوا الـذمّ كلّـه
بِمَـن عَبـدوا الأصـنامَ والعجـلَ والثـورا
أَمــا يُنصــِفونَ القــومَ فــالأمر واحـدٌ
كِلاهــم عــنِ الـدينِ القـويم قـد اِزورّا
وَســــيّدنا عيســــى بَريــــءٌ وأمّـــه
مـنَ الشـركِ أو أن يَمنحـا مُشـركاً شـكرا
وَكَــــم فَتيــــاتٍ راهبـــاتٍ وفتيـــةٍ
رَهــابين مــن زهـدٍ بِهـم سـَكنوا دَيـرا
وَيــا حبّــذا تلــكَ الفعـالُ لـو اِنّهـا
تَكــونُ مــعَ الإسـلامِ نـالوا بهـا أجـرا
وَلَكنّهــــم مَــــع شـــِركهم بـــإِلههم
وَلَـم يُؤمِنـوا بالمُصـطفى ضـيّعوا العُمرا
فَـــوا أســفا مــن حَبســهم لنفوســهم
لَقَـد خَسـروا الـدُنيا ومـا ربحوا الأخرى
وَلكنّهـــم كفّــوا عــنِ الخلــقِ شــرّهم
وَمــا أَوصــَلوا للنــاسِ نفعـاً ولا ضـرّا
فَلَــو كــانَ تـركُ الشـرِّ يَقضـي بشـكرهم
عَلـى مـا بِهـم أكـثرتُ فـي حقّهـم شـُكرا
وَشــبّه إِذا مــا شــئتَ بالضــبِّ بعضـهم
ثَــوى لِخــداعِ النـاس مـن ديـره جحـرا
وَمِنهــم قســوسٌ خــالَفوا النــاس للأذى
وَجــرّوا علَيهــم مِـن لَظـى غيّهـم جمـرا
رَمــوا بِســهامِ الخبــثِ فـي كـلّ بلـدةٍ
كَسـلحِ الحَبـارى حيـنَ ترمـي بـه الصَقرا
وَقَــد زَعَمــوا التبشــيرَ لكــنَّ ربّنــا
يُكــذِّبُهم إِذ قــالَ فـي الـذكر لا بُشـرى
فَيــا بئسَ هُــم مِــن مُجرميــنَ جَزاؤُهـم
ســُجونٌ مــن النيــرانِ تحجرهــم حجـرا
أَضـــرّت بِهـــم أنـــوارُ ديــن محمّــدٍ
فَهـــرّت مــنَ الأنــوارِ أكلبهــم هــرّا
وَكَــم نَبحــوهُ وَهــو فــي الأفـق طـالعٌ
وَلكــنَّ نبــحَ الكلــبِ لا يصــل البـدرا
وَمـــا ســـاءَني إِغـــواؤهم لمعاشـــرٍ
مـنَ النـاسِ ضـلّوا أبـدلوا كفرَهـم كفرا
وَلكنّهـــم عـــاثوا وَلاثــوا وأفســدوا
وَشــنّوا علــى الإسـلامِ مـن شـركهم شـرّا
أُولئكَ أقــــوامٌ إذا قــــال قــــائلٌ
هــمُ شــرُّ خلــقِ اللَّـه قلـتُ لـه جيـرا
وَمِـــن أعجــبِ الأشــياء خــبزٌ وخمــرةٌ
إِذا طفـــقَ القســـّيسُ فوقهمــا يقــرا
يَصـــيرانِ حـــالاً لحمـــه ودمــاً لــه
فَــأعجِب بــهِ خُـبزاً وأعجـب بهـا خمـرا
أَمـا يَسـتحيلُ اللَحـمُ والـدمُ فـي الحشا
إِلـــى قَـــذرٍ لا أَســـتحبُّ لَــه ذكــرا
فَهَــل أحَــدٌ فــي الكـونِ يرضـى لنفسـهِ
بِهــذا فَيرضــى الــربُّ ســُبحانهُ بــرّا
وَكَــم قَـد أتـى فـي الأرضِ منهـم طـوائفٌ
إِلــى عصــرهِ عصــرٌ قَفــا قبلـهُ عصـرا
فَلَـــو أَكلـــوا عيســـى وَآلافَ مثلـــه
لَمــا كــانَ يَكفيهــم عشــاءً ولا فطـرا
وَلَــو شــَرِبوا أَضـعافَ مـا فيـه مـن دمٍ
لَمـا كـانَ يرويهِـم وَلـو قَـد جَـرى نَهرا
رَوى لهـــمُ الـــراوونَ عنـــه مقالــةً
كُلـوا واِشربوا لَحمي دمي الخبزَ والخمرا
فَــإن قــالَ ذو عقــلٍ لهــم إنّ قــولهُ
مَجــازٌ بِمَعنـى أَن يُـديموا لـه الـذِكرى
وَخَصـــّص قوتـــاً ليــسَ يُنســى بحالــةٍ
لِـــذكراهُ كــلُّ النــاسِ لا زال مضــطرّا
يَقولــونَ بَــل هــذا الحقيقــةُ عينُهـا
دَمــاً شــَرِبوا منـه وقـد أكَلـوا هـبرا
وَمَـــن لَـــم يُكــذّب حســّه باِعتقــادهِ
وَيَرضــى بِهــذا ينســبونَ لــهُ الكُفـرا
فَلَــم يبــقَ مِنهــم عاقــلٌ غيـر كـافرٍ
وَأصــبحَ زِنــديقاً إذ اِســتقبَح الأمــرا
مَــتى كــانَ شــرطُ الــدين جنّـة أهلـهِ
وَإِن أعمَلــوا فِكــراً بـه عملـوا كُفـرا
مَــتى كـانَ شـرطُ الـدين إن قـالَ قِسـُّهم
لِزنجيّـــةٍ شــَقرا يقــالُ نعَــم شــقرا
فَلا تلـــمِ الــدهرين إِن ســَخِروا بهــم
وَإِن خَســِروا أيضــاً فمــن جهــةٍ أخـرى
وَلا تَنــسَ خنــقَ القـسِّ مَـن كـان مُشـرفاً
عَلــى مــوتهِ إِن كــان بـالظنِّ لا يـبرا
يمـــدُّ يـــديهِ قابضـــاً فــوق حلقــهِ
لِيقبــضَ تلــكَ الــروح يعصــرهُ عصــرا
يَقولــونَ إِن لــم يقبــضِ القــسُّ روحـه
يُباشـــِرُها الشــيطانُ يَأخــذُها قهــرا
وَيَبقـــى بنيـــرانِ الجحيـــم مخلّــداً
وَإِن كـــانَ أَتقـــاهم وأكــثرهم بــرّا
وَأَخبَرنـــي منهــم فــتىً فــرّ هاربــاً
فَعــاشَ زَمانــاً طـال مـن بعـد أن فـرّا
وَيــا ليــتَ شــعري كَــم قتيــلٍ معلّـقٍ
بِرقبـــةِ ذاكَ القــسِّ قَــد جــرّهُ جــرّا
وَهـــل يُعجِــزُ اللَّــهَ الشــفاءُ وإنّــه
لَيُحيـي الّـذي مـن ألـف عـامٍ ثـوى قبرا
وَكَــم مِــن مَريــضٍ آيــسٍ مــن حيــاتهِ
وَبـــتّ كــثيرٌ مــن أطبّــائه العُمــرا
شــَفى ســُقمه الرحمــنُ مِـن مَحـضِ لطفـهِ
وَعمَّــره مــن بعــدِ أَن يَئِســوا دَهــرا
وَإِذ عجَــــزت عنـــهُ صـــناعةُ طبّهـــم
أَجـابوا نَعـم فـوقَ الصـناعةِ قَـد يَـبرا
وَمِــن أَقبــحِ الأشــياءِ حســناء غــداةٌ
كـــأنَّ بِعَينيهـــا إِذا نَظـــرت ســحرا
مَحاســــِنُها تـــزري بـــأحورَ مـــائسٍ
رَنـا واِنثَنـى كالسـيفِ وَالصـعدةِ السَمرا
ســَبى النــاسَ مِنهــا رِدفُهـا وَقَوامُهـا
وَوَجنَتُهــا الحَمــرا وَمُقلتهــا الحـورا
تَجيــءُ عَليهــا الحلـيُ والحلـلُ اِنجلـت
مُعطّــــرةً مصـــقولةً صـــفّتِ الشـــعرا
بِهـــا يَختلــي قِسّيســُها وهــوَ أعــزبٌ
شَقاشـــقهُ مِـــن تــوقهِ هــدَرت هــدرا
فَتَعــــترفُ الأُنـــثى لـــه بـــذنوبها
ولَــو بِالزِنــا سـرّاً ليمنَحهـا الغفـرا
وَلا جـــائزٌ منهـــم هجـــومٌ عليهمـــا
وَلَــو بَقِيــا فـي السـرِّ وَحـدهما شـهرا
وَربَّ اِمــرئٍ مــن غيــر قصــدٍ عراهمــا
فَشـــاهدَ مَدهوشـــاً بعروتهــا الــزرّا
وَمَــن لَــم يَكُـن يُجـري اِعترافـاً كهـذه
فَـــذلكَ أَشــقى القــومِ أعظمهُــم وزرا
فَــأفٍّ لــدينٍ يهتــكُ العــرضَ بالرِضــا
وَيـــوهمُ ربَّ العـــرض أنّ لـــهُ أجــرا
مَســاكينُ أهـل العقـلِ منهُـم فكَـم رَأوا
مَنـاكير لكـن مـا اِسـتَطاعوا لهـا نُكرا
وَلَــو تُرِكــوا فيمــا أرادوا وَعَقلهــم
لَمــالَ إِلــى الإســلامِ جُمهــورُهم جهـرا
وَلَكـــن بحُكـــمِ الإرثِ للــدينِ قلّــدوا
رَهـــابينَهم مَهمــا رَأوا طعمــهُ مــرّا
فَعاشـــوا نَصـــارى ظــاهرينَ بِــدينهم
وَليــسَ لَهُــم ديــنٌ إذا كوشــِفوا سـرّا
وَمِنهــم نَــرى فــي كــلِّ وَقــتٍ جماعـةً
بِإِســلامِهم نــالوا الســعادةَ والفخـرا
وَكَــم بَينَنــا مِــن مُســلِمين جُــدودُهم
نَصـارى علـى الشيطانِ قَد أَحرزوا النصرا
وَقــامَ بِهــم قَــومٌ غَــدا كــلّ واحــدٍ
عَلــى نفســهِ فــي حكــمِ مَـذهبهِ حـبرا
وَقَــد قَطعــوا مــا بينَهــم مــن علائقٍ
وَبيــنَ رَهـابين بهـا اِسـتَعبَدوا الحُـرّا
وَقَــد نَبــذوا مــا أظهَــرَت مـن زوائدٍ
مَجــامِعُهم ممّــا بــهِ أثقَلـوا الظَهـرا
وَضــمّوا إلــى التـوراةِ إِنجيلَهُـم فقـط
بِهـــا وبــهِ أحكــامُهم حُصــِرَت حَصــرا
وَتَحريــفُ هــذي الكتــبِ أيضــاً محقّــقٌ
فَقَــد نَســبت للأنبيـا الفسـقَ والكُفـرا
فَيلزمُهـــم أَن يَحـــذِفوا كـــلّ شــرّها
وَأَن يَقصـُروا فـي الخيـرِ مضـمونها قصرا
وَلَــو فَعلــوا هــذا لمـا كـانَ كافيـاً
إِذا لَـم يـكُ الرحمـنُ فـي دينِهـم وِتـرا
وَلَــو فَعَلــوا هَــذا وذاكَ لَمــا نجَـوا
إِذا لَــم يَــدينوا ديـنَ ملّتنـا الغـرّا
فَمـــا بــرحَ التثليــث للَّــه دينهــم
وَصـــلب الّــذي يــدعون ربّهــم قهــرا
وَيــا حبّــذا لـو هُـم أتمّـوا فـأَلحقوا
بِمـــا قَطعـــوهُ مِــن زوائدهِ الخــدرا
فَكــــلُّ بلاءِ الـــدين بـــاقٍ بحـــالهِ
وَمـــا حَـــذفوهُ منـــه أيســره شــرّا
فَمــا بــرحَ الإصـلاحُ فـي الـدين ناقصـاً
كــأنّهم لَــم يَفعلــوا ذلــك الخيــرا
وَمــا ثــمّ إِصــلاح ســِوى ديــن أحمــدٍ
وَقَــد عَزفــوا لكنّهــم كــابروا كـبرا
تَقولــونَ فــوقَ العقــلِ أســّس دينكــم
صــَدقتُم فمـاتَ العقـلُ مـن تحتـه حَصـرا
فَعِشـــتُم بِلا عقـــلٍ تـــدينون ربّكـــم
بــهِ وعليــهِ دينكــم قَــد غَـدا قَـبرا
وَهَـــــذا كلامٌ ديّـــــروهُ لـــــدينهم
يقيــهِ لأنّ العقــلَ يرمــي بــه دبــرا
وَلَـو كـانَ فـوقَ العقـل لـم تـك مـدركاً
وقَـد أَدركـت منـهُ النُهـى كـلّ مـا أزرى
نَعَــم هــوَ ضــدُّ العقـلِ مـا هـو فـوقه
وَأَحكــامهُ فــي اللَّــه أعظمهــا نكـرا
وَأَشـــكل معنـــاهُ لـــدى كــلّ عاقــلٍ
وَشـــاكلَ فــي آفــاتهِ لبُّــهُ القشــرا
وَمــا خيــرُ ديــن ليـسَ تُـدركه النهـى
تَغــورُ عَلــى أَغــوارِ أســراره غــورا
وَلَكــنّ فضــلَ الــدينِ يبــدو إذا أتـت
عليــهِ عُقــول النــاس تســترهُ ســترا
كَمـــا أنَّ ديـــنَ اللَّــه ديــن محمّــدٍ
لَـــهُ يســّرَ المَــولى أئمّتــه الغــرّا
لَـــهُ صــنّفوا فِقهــاً حَــديثاً تصــوّفاً
عَقـــائد تفســـيراً بإِســنادها تُــدرى
وَقَــد شــَغلوا الأعمـارَ فـي درسـهم لـه
بِــآلاتهِ حتّــى بــهِ اِسـتغرَقوا الـدهرا
وَقَــد ضــَبطوا بالنقــلِ والعقـل شـرعهُ
فَـــدامَ عَلــى أوصــافهِ ذهبــاً نضــرا
وَكيــــفَ بِلا عقــــلٍ يكــــون تـــديّنٌ
إِذاً كلّفـوا المجنـون والطفـل والعيـرا
أَليــــسَ مــــدارُ الـــدين عقلاً مكمّلاً
لِيُــدركَ حكــمَ اللَّــه والنهـيَ والأمـرا
عِبـــارة فـــوقَ العقــل ســجنٌ مضــيّقٌ
لَقَـــد حَصــروهُم فــي مضــايقهِ حصــرا
نَعَـــم ربّنــا فــوقَ العقــول بــذاتهِ
حَقيقتــهُ غَيــبٌ عــن الخلــقِ لا تُــدرى
وَكــلُّ الــوَرى فــي كنهــهِ ذو جهالــةٍ
حَيــارى فــإنّ اللَّــه يَــدري ولا يُـدرى
وَلكنّنــــا نَـــدري بتعريفـــهِ لنـــا
كَمــالاتهِ والكــونُ عــن نــورهِ اِفـترّا
وَأَنتُــــم وَصـــفتم ربّكـــم بمعـــايبٍ
تُلامــونَ لــو كُنتــم وصـفتم بهـا هـرّا
وَهــل جــائِزٌ أَن يجعــلَ اللَّــه دينــه
يَعــــودُ عليــــهِ بالحقـــارةِ والإزرا
فَشـــتّان ديـــنُ اللَّـــه ديــن محمّــدٍ
وَمـا شـاركَ القسـّيسُ فـي وضـعهِ الحـبرا
لَقَـــد غلــبَ الأديــانَ بــالحقِّ دينــهُ
كَمــا غلــبَ الليــثُ الغضــنفرُ سـنّورا
وَلمّـــا بَـــدا للكـــونِ ذلّــت لعــزّه
كَعُصــفورةٍ فـي الجـوّ قـد شـاهَدت صـقرا
وَإِن يــكُ فــي شــيءٍ بــهِ شــبهٌ بهــا
فَــذاكَ كَمـا قـد أشـبهَ الـذهبُ الصـفرا
أَيـــا عُقلاء النــاسِ هــل ثــمّ عاقــلٌ
عَلـى أنفـسِ اليـاقوت قـد فضـّلَ الصـخرا
وَهَـل كـانَ أو هـل قَـد يكـون أخـو حجـىً
إِذا خيّـــروهُ اِختــار عَــن درّةٍ بعــرا
وَهَـــل أحَـــدٌ فيـــه أقـــلُّ بصـــيرةٍ
يَقــولُ بِـأنَّ التبـنَ قَـد يفضـلُ التـبرا
وَمَــن ذا الّــذي يختــارُ أرضــاً وبيئةً
عَلــى روضــةٍ صــحّ الهـواء بهـا خضـرا
أَمــا ثــمّ فَــرقٌ بيــن عيــنٍ وأختهـا
فَواحــــدةٌ حـــورا وواحـــدةٌ عـــورا
فَأَديــانُهم مــع ديننــا قــد تَبـاينت
لــهُ المثـلُ الأعلـى لهـا المثـلُ الأزرى
وَلمّــا بَــدا عجــزُ النَصــارى بـدينهم
أَتَـــوا بــدليلٍ يهــذرونَ بــهِ هــذرا
فَقَـــد زَعَمـــوا أنّ الفرنــجَ نجــاحُهم
بِــدُنياهمُ يُعطــي إلــى دينهــم فَخـرا
لَقــد أخطــأَوا فـالقومُ صـاروا لسـقمهِ
زَنادقــةً دانــوا الطبيعــة والــدهرا
وَقَــد طَلبــوا الــدُنيا بِغايـةِ جهـدهم
كَمــا جَعلــوا فـي حيّـزِ العـدمِ الأُخـرى
وَمَــن جــدَّ فــي قطــعِ البحـار بعزمـهِ
غَــدا عزمــهُ فــوقَ البحـارِ لـهُ جِسـرا
عَلــى يــدِهم أَبــدى القــديرُ بفضــلهِ
إِلــى الخلــقِ مِـن آثـارِ قُـدرتهِ قـدرا
كَقطـــرةِ بحــرٍ مــن بحــارِ اِقتــدارهِ
إِلـى النـاسِ أَجراهـا فَكـانوا لها مجرى
بِهــا اِفتُتنـوا كـالخمرِ طاشـَت عُقـولهم
بِهــا وَبِهــا زادوا عَلـى سـُكرِهم سـكرا
عَلــى أنّهــا فــي الكـونِ لا فـي مكـوّنٍ
وَمــا وَصــلت للــبّ بَــل خصـّتِ القِشـرا
بِهــا كَشــفوا عَـن بعـضِ مـا هـو كـامنٌ
مــنَ السـرِّ سـرِّ اللَّـه فـي خلقـه سـترا
وَأَســـرارهُ فـــي كـــلّ شــيءٍ كــثيرةٌ
وَقَــد تَنجلــي طــوراً ولا تنجلـي طـورا
وَإِن أَنكــروا مِــن غيّهــم خلــقَ ربّنـا
جَميــعَ الّـذي فيهـم وفـي غيرهـم أجـرى
فَقولـــوا لَهـــم فَليَخلقــوا لِشــعيرةٍ
وَمِنهُــم أصـولُ الخلـقِ أو يخلقـوا بُـرّا
وَلَــن يَقـدِروا لَـو أفرغـوا كـلّ وسـعهم
مَـدى الدهرِ في التخليقِ أَن يخلقوا شَعرا
وَكـــلُّ اِخــتراعٍ جــاءَ منهــم فأصــلهُ
مــنَ اللَّــه مخلـوقٌ فمـا صـنعوا غيـرا
وَلَكنّــــه أوصــــافهُ قــــد تبـــدّلت
وَخــالقُ أصــلٍ خــالقٌ كــلّ مــا يطـرا
وَمَـع كـونِهم فـي الطـبِّ فـاقوا وخيّلـوا
بِتصـــويرِ أمــرٍ كــونه ذلــك الأمــرا
لــو اِجتَمعــوا مــن أوّل الـدهرِ جملـةً
لَمــا اِختَرعــوا روحـاً إذا صـوّروا ذرّا
وَقَــد صــوّروا عَينــاً لفاقــدِ نورهــا
وَمــا صــوّروا نـوراً فمـا بَرِحَـت عـورا
وَكَــم مِــن صــحيحٍ مــاتَ إِذ تـمّ عمـرهُ
وَقَــد حَكمــوا أَن لا يُــرى ميّتـاً دهـرا
وَكَــم مِــن ســَقيمٍ قــرّروا حتـمَ مـوتهِ
فَعـــاشَ برغــمٍ مــن قواعِــدهم عمــرا
عَجـــائبُهم مَهمـــا تعـــاظمَ شـــأنها
أقـــلُّ شــؤونِ الحــقِّ يَجعلهــا صــغرى
وَمِـن رقّـةٍ فـي الـدينِ وَالعـرضِ أَصـبحوا
بِأَنفُســـهم كـــلٌّ غَــدا حاكمــاً حــرّا
فَمـــا غيّـــرَت أَخلاقهُـــم قــطُّ غيــرةٌ
وَإِن شــاهَدوا زَوجــاتهم تصـحبُ الغَيـرا
وَلَيـــس بـــإزراءٍ بهــم مــسُّ عِرضــهم
فَأَعراضـــُهم ليســـَت تشــدُّ بهــم أزرا
فَقَــد جَعَلــوا للرَقـصِ فـي وقـتِ لَهـوهم
لَيــاليَ أُنــسٍ كَــم لَهُـم أطلعـت بـدرا
فَزَوجــةُ ذا فــي حضــنِ هــذا وَزوجهــا
بِزوجتــهِ أَجــرى الّــذي معهــا أجــرى
فَضـــائِحُهم لِلصـــلحِ صـــارَت ذريعـــةً
فَلا أَحـــدٌ يُبـــدي علــى أحــدٍ فخــرا
نِســـاءٌ رِجـــالٌ كـــالعراةِ تَعــانَقوا
بأحســنِ أَشــكالٍ تُــثير الهــوى قهـرا
فَلَـــو نظـــرَ العنّيــن فيهــنّ نظــرةً
لَمــا اِحتــاجَ فـي تَقـويمِ قـوّتهِ أخـرى
وَأَتقـــى عبــاد اللَّــه ليــسَ بممكــنٍ
هُنالــكَ تَقــواهُ إِذا لــم يكُــن صـَخرا
مَعـــاركُ أحبــابٍ بهــا جيــشُ أُنســِهم
بِفــوزٍ علــى عــذّالهم أحــرز النصـرا
فَلا تلـــم اِبنــاً قــد تولّــدَ بعــدها
إِذا لَــم يكُــن طوعــاً لوالــدهِ بــرّا
فَــإِن لَــم يَكُــن هــذا زنــاءً فــإنّه
أَخــوهُ ســِوى أنّ الزِنــا فعلــهُ ســرّا
وَمِــن قبــلِ هــذا مــا ســَمِعنا بأمّـةٍ
قَــدِ اِستَحســنَته هكَــذا علنــاً جهــرا
وَلَــو خيّــروا فــي فعــلِ ذلـكَ مُسـلماً
وَأُنثــاهُ لاِختــارا علـى فعلـهِ القَـبرا
حَياؤُهمــا قــد ناســبَ الــدينَ مِنهمـا
كَمـا أنّ هتـكَ العـرض قـد ناسـبَ الكفرا
فَنَحمـــــدُ ربَّ العــــالمينَ لشــــرعهِ
حِجابــاً عــنِ الإسـلام قَـد حَجَـبَ العهـرا
وَكَـــم زوجـــةٍ منهـــم وزوجٍ تباغَضــا
وكــلٌّ قــدِ اِســتَغنى بأحبــابهِ دهــرا
وَللــزوجِ مــا تَــأتي بـهِ مـن خليلهـا
مــن الولــدِ مَنســوبٌ وإن زَنَيـا جهـرا
وَلَــو شــُرعَ التطليــقُ فيهــم لطلّقـوا
وَعُـــوّض كُــلٌّ مــن بغيــضٍ لــه خيــرا
وَكَـــم زَوجـــةٍ حســناءَ لكــنَّ زَوجهــا
تَضـــرّر مِنهــا حينَمــا عقــرت عقــرا
قَضــى العمــرَ لا نَسـلٌ ولـو حـلّ عنـدَهم
تَعـــدُّدُ زَوجــاتٍ لمــا ضــيّع العُمــرا
وَليـــسَ لـــهُ عـــذرٌ بحيـــضٍ ونحــوهِ
وَأَعـــذارُها ليســـَت تُفارقُهــا شــَهرا
فَــإِن طلــبَ الطبــعُ الحلالَ ولــم يجـد
يُخــافُ عليــهِ أن يزيــن لــه الشــرّا
وقَــد حظــرَ اللَّــهُ الزنــاءَ وإن تكـن
قَـوانينُهم قَـد لا تَـرى فـي الزِنـا حظرا
وَإذ جَحَـــدوا الأديــانَ لــم يتقيّــدوا
وَقَــد زوّجـوا مَـن شـاءَ مِـن ملّـةٍ أخـرى
فَــدينَ النَصــارى ليــسَ يحســبُ دينهـم
فَقَــد خَرَجــوا منـهُ ومـا دخلـوا غيـرا
وَعُـــذرهمُ كالشــَمسِ فــي تَركِهــم لــه
وَمِـن جَهلِهـم بـاللَّه قَـد عَبَـدوا الدَهرا
وَمِـــن جـــودهِ تَعجيلــهُ فضــلهُ لهــم
وَتَــأجيلهُ التــأديبَ لِلنَشــأةِ الأُخــرى
وَحَكّمَهـــم فـــي المُـــؤمنينَ لِحكمـــةٍ
بِبعــضِ النَــواحي وهـوَ فـي ملكـهِ أدرى
وَكَــم كــانَ حكّــامُ الممالــكِ قبلنــا
فراعنــةً جــاروا علــى رُســلِهم جـورا
تَــذكّر خَليــل اللَّــه واِذكُــر كليمــهُ
وَأَســباطَ إِســرائيل إِذ ســَكنوا مصــرا
تَـــذكّر حـــبيبَ اللَّـــه قبــلُ بمكّــةٍ
وَلا تَنــسَ عيســى والحــوارينَ والعَـذرا
فَيمتحــــنُ الأحبــــابَ جــــلّ جلالـــهُ
وَيســتدرجُ الأعــداءَ يُملــي لهـم مكـرا
لــهُ الملــكُ يُــؤتيهِ إِلـى مـن يشـاؤهُ
إِلــى مُــؤمنٍ طَــوراً إلـى كـافرٍ طـورا
وَلكِـــنّ عُقـــبى الأمــرِ للمتّقــي لــه
بِــدُنياهُ والأُخــرى لـه فيهِمـا البُشـرى
لـــهُ الخلــقُ للأكــوانِ وَالأمــرُ كلُّــهُ
لـهُ الـدينُ والـدُنيا فمـا شـاءَه أجـرى
فَكَــم مــن غــبيٍّ كــانَ أَغنــى زمـانهِ
وَكَــم مِــن ذكـيٍّ مـاتَ مـن فقـرهِ قهـرا
وَكَـم مِـن تقـيٍّ عـاشَ فـي الفقـرِ راضـياً
وكَـم مِـن شـَقيٍّ كـانَ أَغنـى الـورى طـرّا
فَقـارونُ أَغنـى النـاس قَـد كـان كـافراً
وَآجـــرَ موســـى نفســهُ حِججــاً عَشــرا
وَأَزهـــدُ خلــقِ اللَّــه عيســى بعصــرهِ
وَمـا قـطُّ أَغـوى النـاسَ بالمالِ أو أغرى
فَلَــو عَمِلــوا بِالــدينِ كـانوا بِحكمـهِ
أَشــدَّ الــوَرى زُهــداً وأكــثرهم فقـرا
هُمــا الــدينُ والـدُنيا كميـزانِ تـاجرٍ
إِذا اِنحــطّ منــهُ كفّــةٌ عَلــتِ الأخــرى
وَقَــد يَجمــعُ اللَّــهُ الســعادة فيهمـا
لِعبــدٍ ويُعطــي آخــرَ الفقـر والكفـرا
وَأَكـرِم بمَـن قَـد حـازَ فـي النـاس ثروةً
بِســعيٍ جَميــلٍ فــي الحلالِ بــه أثــرى
وَلا ســـيّما مَـــن كــانَ يُنفــقُ مــالهُ
لِتأييــدِ ديــن اللَّــه ينصــرُهُ نَصــرا
كَعُثمــانَ أَغنــى الجيـشَ والجيـشُ معسـرٌ
وَجهّــــــزهُ إبلاً وجهّـــــزهُ تِـــــبرا
فَلــو كــانَ عنــدي ألــفُ قلــبٍ يحبّـهُ
وَألــفُ لســانٍ مــا وفيــتُ لــه شـكرا
وَحســـبُكَ أنَّ المُصـــطفى قــال عنــدما
أَتــاهُ بِهــا مـا ضـرَّ عثمـان مـا ضـرّا
فَيــا أمّــةَ الإسـلامِ فـي الـدين مجـدُكم
وَقَــد أدركَــت أعــداؤُكم ذلــكَ السـرّا
عَقــــارِبُهم دبّـــت لَكـــم فتحفّظـــوا
وَلا تَحســبوا جَمــراً أتَــوكم بـه تَمـرا
وَقَــد زَعمــوا مَــع لينهـم حـبَّ خَيركـم
فَلا تُخـدَعوا مَـن فـي الأفـاعي رأى خيـرا
أَلا اِنتَبِهــوا فــالقومُ دســّوا لِـدينكم
دَســائسَ كُفــرٍ قَــد تَغــرُّ اِمـرءاً غـرّا
وَأَعظمُهــا شــَرّاً مــدارسُ فــي القــرى
وَفـي البـدوِ والأمصـارِ قـد نُشـِرت نشـرا
تُربّــي لَكُــم أَطفــالكم فــي حجورهــا
وَقَـــد جَعلَـــت درسَ الضــلالِ لهــم درّا
فَصـــارَ كـــثيرٌ منهــم مثــلَ أَهلهــا
ســِوى الــزيِّ وَالأسـماء واِتّحـدوا كفـرا
أَلا فــاِنظُروا كــم أخرجَــت مِـن بنيكـمُ
زَنادِقــةً بــالكفرِ قَـد رَبِحـوا الخُسـرا
وَصــاروا مــنَ الأعــداءِ لا فـرقَ بَينهـم
ســِوى أنّهــم فـي الـدينِ أعظمُهـم ضـرّا
وَهُـــم كــلَّ يــومٍ باِزديــادٍ ودينكــم
يزيـــدُ بِهــم نَقصــاً وربحكــمُ خُســرا
فَكيــفَ بمَــن يــأتونَ مِـن بعـدِ عصـركم
إِذا دامَ هــذا فــاِلعنوا ذلـكَ العصـرا
وَكَـــم نــادمٍ مــن وضــعِ أولاده بهــا
وَقَــد سـَبَقت أسـيافُها العـذلَ والعـذرا
أَلا اِنتبهــوا مـا قـد مضـى غيـرُ عـائدٍ
وَبِـالحزمِ بعـدَ اليـوم فاِستقبِلوا الأمرا
وَمَـــن يـــدّعي الإســلامَ وهــو مُثــابرٌ
عَلـى الغـيِّ لـم يبرَح به الشهرَ والدهرا
وَليـــسَ لـــهُ أعمـــال خيــرٍ فــؤادهُ
بِأنوارِهــا يــبيضُّ مِــن بعـدِما اِغـبرّا
فَلا صــــامَ لا صـــلّى ولا حـــجّ لا لـــه
زَكـــاةٌ ولا أعمـــالُ بــرٍّ بهــا بــرّا
كَمَــن قَــد تربّــي فــي مــدارسَ شـُيّدت
لِتَخريــبِ ديــنِ اللَّـه عـاشَ بهـا عمـرا
فَصـــارَ يُحـــبُّ الكـــافرينَ وشـــبههم
يَــرى لــذّةً فــي قُربِهــم ويَـرى فخـرا
مُناســـَبةٌ قـــد أَلَّفــت بيــنَ أهلهــا
تَجــرُّ إِلــى الأشــكالِ أشــكالَهم جــرّا
وَيكـــرهُ أهــلَ الــدينِ حتّــى قريبــهُ
وَلا ســـيّما مَــن كــانَ أشــعثَ مُغــبرّا
وَمــــا ذَنبُهــــم إلّا تمـــدّنهُ وهُـــم
عَلــى فطــرةِ الإسـلامِ قَـد فُطِـروا فَطـرا
فَإِســـلامُ هَـــذا مثـــل ثـــوبٍ مــزوّرٍ
رَقيـقٍ فمَـن يُكسـاهُ فـي حكـمِ مَـن يَعـرى
فَـــذلكَ عريـــانٌ وإن كـــان كاســـياً
وَأَفضـــلُ منــهُ مــؤمنٌ لبــسَ الطِمــرا
وَكَــم هالــكٍ فــي الكــافرين عــدادهُ
وَإِن كــانَ بيــنَ المسـلمينَ حَمـى قَـبرا
نَعَـــم علّمـــوا أولادَكــم كــلّ نــافعٍ
مــنَ العلـمِ إنَّ العلـمَ أعظـمُ أَن يُـزرى
وَلا ســيّما مــا فيــهِ تأييــدُ دينكــم
فَأَعــداؤُكم بـالعلمِ قَـد مَلَكـوا الأمـرا
أَعــدّوا لهُــم مــن قـوّةٍ مـا اِسـتطعتمُ
فَلا يقبـــلُ المَــولى لإِهمــالكم عُــذرا
وَمِـــن دونِ علـــمٍ كيــفَ تحصــلُ قــوّةٌ
نَكــفُّ بِهــا عنّـا مـنَ المُعتـدي الضـرّا
فَيَلزَمُنـــا بِالمــال والحــالِ كســبُها
وَبِــالعلمِ إنَّ العلــمَ آلتُهــا الكُـبرى
وَلكـــنَّ حفـــظَ الـــدينِ شــَرطٌ محتّــمٌ
فَلا خيـرَ فـي الـدُنيا إذا ضـاعتِ الأخـرى
وَلا تَيأَســوا مــن رحمــةِ اللَّــه إنّكـم
مَــتى مــا أطعتُـم ربّكـم جبَـرَ الكَسـرا
وَهـــذا الّــذي مِــن ســخطهِ تشــهدونهُ
جَرائرُكـــم رُدّت فجـــرّت لَكُـــم جمــرا
وَكَـــم صـــالحٍ فيكُـــم ولكــنَّ فِتنــةً
بِهـــا كَثُــرَ الأخبــاثُ عمّمــتِ الشــرّا
وَيَنصـــــُركم إِن تَنصــــروهُ بطاعــــةٍ
بِـأن تَتبَعـوا مِـن شـرعهِ النهـيَ والأمرا
أَلَــم تَعهــدوهُ ناصــراً عنــد نصــركم
لَــهُ فَبِــتركِ النصـرِ قـد تَـرك النَصـرا
فَعــودوا يَعُــد فهــوَ الكريــمُ وإنّــه
إِذا اِعتـذرَ الجـاني لـهُ يقبـلُ العُـذرا
عَســـى ولعـــلَّ اللَّــه يــأتي بفتحــهِ
وَيُحـــدثَ للإســـلامِ مِــن لُطفــهِ أمــرا
أَلَـــم يَشـــرحِ الرحمــنُ صــدرَ مُحمّــدٍ
وَأَكّـــد أنّ العســرَ يَستصــحبُ اليُســرا
هَنيئاً لعبــدٍ عــاش فـي النـاس مسـلماً
وَلَــم يَعتقـد شـركاً ولـم يَعتنـق كفـرا
فَــذاكَ مليــكُ العصـرِ لَـو بـاتَ طاويـاً
وَأَمضــى جميـعَ العمـرِ فـي عيشـةٍ غـبرا
فَعُقبـــاه عنـــدَ اللَّــه جنّــةُ عــدنهِ
وَيَنســى بِحلــوِ الفـوزِ كـلّ الّـذي مـرّا
وَأَخســرُ خلــقِ اللَّــه مَـن كـانَ كـافراً
وَإِن مَلَــكَ الــدُنيا وَعــاشَ بِهـا دَهـرا
فَعُقبـــاهُ فــي أُخــراه أســوأُ حالــةٍ
وَمَثــواهُ نــارُ اللَّـه قَـد زَفَـرت زفـرا
فَيـــا مَعشــرَ الإســلامِ فُزتُــم بِحظّكــم
فَحمــداً لِمــولاكم وشــَكراً لــه شــكرا
وَيــا معشــرَ الكفّــار موتـوا بِغَيظكـم
فَمــا نَفَعَتكــم حيــنَ ذُكّرتــمُ الـذِكرى
لَعَمــــري لئن فضـــّلتُ ديـــنَ محمّـــدٍ
وَملّتـــهُ لَـــم آتِ بـــدعاً ولا نكـــرا
وَإِن هــامَ قَلــبي فــي محبّتهــا فكــم
بِهـا مِـن كـرامِ النـاسِ ِمـن مُغـرمٍ مُغرى
وَإِنّـــيَ لَـــم أُخــدَع بِظــاهرِ حُســنها
وَمــا دونَ تَحقيــقٍ فُـؤادي بهـا اِغـترّا
وَلَكـــن عَلـــى علـــمٍ بســرِّ جمالهــا
تَعشـــّقتُها قِـــدماً وكنــتُ بهــا أدرى
فَفــي كــلِّ مَعنـىً قَـد حَـوت حُسـنَ يوسـفٍ
وَقَــد زَهَــرت أَنوارُهــا بـأبي الزهـرا
وَكــلُّ فــتىً منّــا غَــدا فــي غرامِهـا
زُليخــا وكــلُّ الأرضِ قــد أَصـبحت مِصـرا
وَقَــد أَشــرَقت بيــنَ البَرايـا شُموسـها
كَمــا أَطلَعـت فـي كـلِّ أفـقٍ لهـا بـدرا
وَمُـــذ نَشــَأَت طــابَ الزمــانُ كأنّمــا
بــهِ نَشــَرت فــي كــلِّ ناحيــةٍ عطــرا
وَجمّـــــلَ أقطــــارَ البلادِ جمالُهــــا
وَمــا حَرَمــت مِــن حسـنِ طلعتهـا قُطـرا
وَمِـــن عَجـــبٍ أنّـــي أحـــنُّ لِقربهــا
وَلَـم أُخـلِ مِـن قَلـبي وقـولي لهـا ذِكرا
وَمــا فــارَقتني لَحظــةً منــذُ نَشــأتي
وَمـا ذُقـتُ فـي عُمـري بـوقتٍ لَهـا هَجـرا
وَلـــو فــارَقتني لَحظــةً ذبــتُ حســرةً
وَلَـم أُلـف فـي وُسـعي علـى بُعـدِها صَبرا
وَمِــن لُطفِهــا تَــدنو ذِراعــاً لعاشــقٍ
إِذا مــا دَنـا بـالحبِّ مِـن حيِّهـا شـِبرا
وَمَـــن جاءَهــا يَمشــي لهــا مُتقرّبــاً
فَمِــن فَضــلها تَــأتيهِ هَرولــةً طفــرا
فَللّـــهِ مِـــن مَحبوبـــةٍ كــلُّ وَصــفِها
جَميــلٌ فـدَع فـي الحـبِّ عمـرَة أو عمـرا
حَبَـــت لِمُحبّيهـــا المكـــارمَ كلّهـــا
بِكــلّ اِرتيــاحٍ وهـيَ تُبـدي لهُـم شـكرا
وَمَـــن جاءَهـــا مِــن هفــوةٍ متنصــّلاً
وَمُعتــذراً ممّــا جنــى تقبــلُ العُـذرا
وَمــــا رَضــــِيت إلّا أغــــرّ مهـــذّباً
جَــواداً ولَــم تقبَــل لِصــُحبتها عيـرا
وَلَــــم تـــرضَ إلّا عالِمـــاً بِمحاســـنٍ
بِهـا اِنفـرَدت فـي الكـونِ لا جـاهلاً غمرا
وَمــا عنــدَها كُفــؤٌ ســوى كــلِّ عاقـلٍ
وَلَــم تَشــتَرِط إلّا كمــالَ النُهـى مهـرا
حَبيبــــةَ قَلـــبي وَالمحبّـــةُ شـــِرعةٌ
نَــدينُ بِهــا وَالصــدقُ آيتُهـا الكـبرى
أَســـرتِ فُـــؤادي وهـــوَ راضٍ بأســـرهِ
وَلَــم أرَ مَأسـوراً سـواهُ اِرتَضـى الأسـرا
تَملّكتــهِ عَبــداً لــك الــدهرَ طائعــاً
وَأَبغـــضُ شــيءٍ عنــدهُ أن يُــرى حــرّا
وَلَيـــس لــديّ العتــقُ حلــواً مــذاقهُ
وَلَـو ذقـتُ فـي حبّـي لـكِ الحنظـلَ المرّا
وَلَـــم أدَّخـــر كَنــزاً ســواكِ وإنّمــا
جَعلــتُ ثَبــاتي فــي محبّتــكِ الــذخرا
فَـــأنتِ مُنــى نَفســي وغايــةُ مقصــدي
وَلــولاكِ لَــم أحفَــل بِــدُنيا ولا أخـرى
وَلَــو خُيّــرَت نَفســي بهجــركِ والغِنــى
لَكـان اِختيـاري فيـكِ أَن أصـحبَ الفقـرا
وَلَـــو عنــكِ عوّضــتُ المَمالــك كلّهــا
لَكــانَ بِعينــي كــلُّ أَعــدادِها صــفرا
عَـــدُوّي مَــن عــاداكِ مِــن كــلِّ ملّــةٍ
وَإِن عمّــرَ الإحســانُ منــهُ لـيَ العُمـرا
وَمَـــولايَ مَـــن ولاكِ مِـــن كــلّ فرقــةٍ
وَإِن هــوَ قَــد أولانـيَ الضـيمَ والضـيرا
وَأَحمــلُ كــلَّ الهجــرِ مــن كــلِّ هـاجر
ســِواكِ وإنّــي منــكِ لا أحمــلُ الهجـرا
وَوَاللَّـــه لا أَرضـــى فراقـــكِ لحظـــةً
وَلَـو عوّضـوني ملـكَ كـلّ الـورى الـدهرا
إِذا قلــتُ أخــتُ الــروح أنــتِ فصـادقٌ
سـِوى أنّـكِ الكـبرى وَروحـي هـي الصـغرى
فَـــدتكِ نفـــوسُ العـــالمينَ مليكـــةً
وَأســألُ ربّــي أَن يُــديمَ لــك الأمــرا
وَلَســـتِ كَهاتيـــكَ الضـــرائرِ كلّهـــا
عَــواهرُ بيــنَ النــاسِ أسّســتِ العهـرا
وَعَنهـا اِنتَهـى في العاشقينَ أولو النهى
وَلَــم تغــرُرِ اللخنـاءُ إلّا اِمـرءاً غـرّا
وَكــلُّ جَمــالٍ أنــتِ فــي الكـون أصـلهُ
وَأصــلُ جميــعِ القبــحِ ضــرّاتك الأخـرى
وَعَمّمــتِ نشـرَ الخيـرِ فـي سـائرِ الـورى
كَمـا أنّهـا قَـد عمّمـت فـي الورى الشرّا
فَمِــن أجلِهــا وجــهُ الخليقــةِ عــابسٌ
وَثغــرُ جميــعِ الكائنــاتِ بــكِ اِفـترّا
وَلَــو كــانَ كــلُّ الخلـقِ مثلـيَ شـاعرا
وَفيــكِ وَفيهـا نوّعـوا النظـم والنـثرا
لَمــا بَلَغــوا فـي قُبحهـا عُشـر وَصـفها
وَمـا بَلغـوا مِـن حسـنِ أوصـافك العشـرا
فَهـــاكِ أَيــا خيــرَ الحِســان قصــيدةً
تُجــدّدُ مِــن حســّان فــي عَصـرنا ذكـرا
تُنافـــحُ عَـــن خيــرِ الأنــام ودينــهِ
وَتَكشــفُ عَــن أديــانِ أعـدائهِ السـترا
حَقــــائق حَــــقٍّ لا خيــــالات شـــاعرٍ
وَلَكنّهـــا ســـحّارةٌ تســـحرُ الســـِحرا
عَــروسُ المَعــاني فــي بــديعِ بيانهـا
تُــزفُّ علــى أسـماعِ أهـلِ النُهـى بِكـرا
تَكــادُ لِحُســنِ الســبكِ لَـو فـاه مُنشـدٌ
بِشــَطرٍ أَتــمَّ الســامِعونَ لــه الشـطرا
إِذا مــا رَواهــا راهــبٌ صــارَ راغبـاً
بِحســنكِ يــا حســناءُ مهمـا غَـدا غـرّا
تَحلّـــى بِهـــا جيــدُ الزمــانِ لأنّنــي
نَظمــتُ بهــا بِالــدرِّ أوصــافكِ الغـرّا
وإِن كنــتِ عنّــي قــد رضـيتِ فقـد كفـى
وَحَســبي بــهِ لا أَبتغــي فــوقهُ أَجــرا
بِمَـــدحكِ قَــد شــرّفت نَفســي وَمــدحتي
وَســامِعها والطــرسَ والخــطَّ والحِــبرا
وَعَفـــواً أَيـــا ذات المحاســنِ إنّنــي
حَصــِرتُ ولَـم أبلُـغ بِمـدحي لـكِ الحصـرا
وَقصـــّرَ شـــِعري عَـــن مَحاســنكِ العلا
وَإن عَـبر البحـرَ الطويـلَ إلـى الشـِعرى
وَلســـتُ علــى الأقــرانِ مُفتخــراً بــهِ
وَلَكِـنّ لـي فـي خدمـةِ المُصـطفى الفخـرا
أُنافـــحُ عَـــن خيــرِ الأنــام ودينــهِ
وَأمَّتــهِ والنــاسُ قَــد رَهِبـوا الكُفـرا
وَليـــسَ لِخيــرِ الخلــقِ حســّان واحــدٌ
يُــدافعَ عنــهُ الإفــكَ وَالشـركَ والشـرّا
وَلَكـــن لــهُ فــي كــلّ عصــرٍ جماعــةٌ
وَإِنّــي بهَــذا العصــرِ منهُـم ولا فخـرا
يَمـــدُّهُم القـــدّوسُ مـــن روح قدســـهِ
فَينفــخُ فيهــم ذلــكَ الولــدَ الــبرّا
وَإِمــدادُ كــلِّ الخلـقِ مِـن سـيّد الـوَرى
فَلَـولاهُ لَـم نحسـِن بـهِ النظـمَ وَالنـثرا
فَكَــم مــم قُصــوري صــغتُ فيـهِ قصـيدةً
بِهــا كــلُّ بيـتٍ فـاقَ مِـن جـوهرٍ قصـرا
وَكَــم مِــن كتــابٍ لــو أتــى بنظيـرهِ
إِمـــامٌ كـــبيرٌ كــانَ مَنقبــةً كُــبرى
بِنـــثرٍ يفـــوقُ العقــدَ حُــلّ نظــامهُ
فَيُــزري بــه نَظمــاً ويُـزري بـه نـثرا
جَواهرُهــــا بعـــضٌ كبـــارٌ وبعضـــُها
صـــِغارٌ وأكــرِم بــالكبيرةِ والصــغرى
فَلا تَتعجّــــب مِـــن كمـــالِ جَمالهـــا
وَنَقصــي فَكــم ذا أخـرجَ الصـدَفُ الـدرّا
وَســارَت بِهــا الرُكبـانُ فـي كـلّ بلـدةٍ
فَمــا تَرَكــت بــرّاً وَمــا تَركَـت بَحـرا
يَكــادُ أَخــو الــذوقِ الســليمِ لسـكرهِ
بِهــا طَربــاً يــا صـاحِ يَحسـبُها خَمـرا
وَيُلفــي بِهــا الــذوق السـقيم مـرارةً
كَمـا ذاقَ حلـوَ الشـهدِ ذو المِرّةِ الصفرا
فَكَــم مــن إمــامٍ فـي الزمـان وعـارفٍ
كَــبيرٍ أرى لــي خــدمتي نَعلــهُ ذُخـرا
رَآهـــا كعقـــدٍ زيّــن العصــرَ حســنهُ
فَيــا حُســنها عقـداً ويـا قبحـهُ عَصـرا
تَمتّــع بِهــا إِن كنــتَ تَهــوى محمّــداً
وَإلّا لأهليهــــا فَــــدَعها فَهُـــم أدرى
بِنعمــــةِ ربّــــي إنّنــــي مُتحــــدّثٌ
وَمـا قَصـَدت نَفسـي بهـا الفخـرَ وَالكِبرا
نَعَـــم أَنـــا فخــري بــالنبيِّ محمّــدٍ
وَأنّـــيَ مِـــن أبنــاءِ ملّتــهِ الغــرّا
وَذلـــكَ فَخـــرٌ لـــو يفـــاخرُ مســلمٌ
بــهِ الــدهرَ فـي أدوارِهِ غَلَـبَ الـدَهرا
فَلا عَجـــبٌ إن قلــتُ هــل مــن مفــاخرٍ
وَأَحجــمَ عنّــي ســائرُ الملــل الأخــرى
أُفـــاخرُهم مهمــا حييــتُ فــإِن أَمُــت
أُفـــاخرُ مَوتـــاهم فَـــأَغلبهم طُـــرّا
وَأمّــــا كَلامــــي بـــالنبيّ فَجـــوهرٌ
وَمــا أَنــا غــوّاصٌ ولَـم أَخُـضِ البَحـرا
وَلَـــولا رســـولُ اللَّـــه قلّــدني بــهِ
لَمـــا وجَـــدت عِنـــدي قلائدهُ صـــدرا
فَمِنـــه إليـــهِ راجـــعٌ فهــوَ بحــرهُ
أَمــــدّ بــــهِ فِكـــري فـــأمطره درّا
وَإِلّا فَمــــا مِثلـــي يجيـــءُ بمثلـــهِ
وَلكــنَّ عَــزمَ المُصــطفى يفجـرُ الصـَخرا
عليـــهِ مِـــنَ الرَحمــن أَســنى صــلاتهِ
وَأكثرُهـــا عـــدّاً وأَعظمُهـــا قَـــدرا
بِأعــــدادِ ذرّاتِ الوجــــودِ وعظمــــهِ
تَــدومُ دوامَ اللَّــه لا تقبــلُ الحَصــرا
وَللَّــه كــلُّ الحمــدِ فــي كــلِّ لَحظــةٍ
يُضـــاعَفُ لا يَفنـــى بــدُنيا ولا أخــرى
يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني.شاعر أديب، من رجال القضاء، نسبته إلى بني نبهان من عرب البادية بفلسطين.استوطنوا قرية (إجزم) التابعة لحيفا في شمالي فلسطين، وبها ولد ونشأ وتعلم في الأزهر بمصر سنة (1283 - 1289هـ)، وذهب إلى الأستانة فعمل في تحرير جريدة (الجوائب) وتصحيح ما يطبع في مطبعتها.ثم عاد إلى بلاد الشام (1296هـ) فتنقل في أعمال القضاء إلى أن أصبح رئيس محكمة الحقوق (1305هـ) وأقام زيادة على عشرين سنة، ثم سافر إلى المدينة مجاوراً ونشبت الحرب العامة الأولى فعاد إلى قريته وتوفي بها.له كتب كثيرة منها: (جامع كرامات الأولياء - ط)،(رياض الجنة في أذكار الكتاب والسنة - ط)، (المجموعة النبهانية في المدائح النبوية - ط)،(تهذيب النفوس - ط)، (الفتح الكبير - ط)، (الأنوار المحمدية - ط).