هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
بيـتٌ بَنَتْـهُ لـيَ الحَيَـاةُ من الشَّذَى
والظِّــــلِّ والأَضـــواءِ والأَنغـــامِ
بيــتٌ مــن السـِّحْرِ الجميـلِ مشـَيَّدٌ
للحــــــبِّ والأَحلامِ والإلهــــــامِ
فــي الغــابِ ســِحْرٌ رائعٌ متجــدِّدٌ
بـــاقٍ علـــى الأَيَّــامِ والأَعــوامِ
وشـــذًى كأَجنحَـــةِ الملائكِ غــامضٌ
ســَاهٍ يُرفــرفُ فــي ســُكونٍ ســَامِ
وجــداولٌ تشــدو بمعســولِ الغِنـا
وتســـيرُ حالمـــةً بغيــرِ نِظــامِ
ومخــارفٌ نَســَجَ الزَّمــانُ بسـاطَها
مِـــنْ يـــابسِ الأَوراقِ والأَكمـــامِ
وحَنَـا عليهـا الـدَّوْحُ فـي جَبَروتِـهِ
بالظّــــلِّ والأَغصـــانِ والأَنْســـامِ
فـي الغابِ في تِلْكَ المخارف والرُّبى
وعلـــى التِّلاعِ الخُضـــْر ولآجـــامِ
كــم مِــنْ مشــاعِرَ حلـوةٍ مجهولـةٍ
ســَكْرى ومِــنْ فِكَــرٍ ومــن أوهـامِ
غنَّــتْ كأَســرابِ الطُّيــورِ ورفرفـت
حــولي وذابــتْ كالــدُّخانِ أَمـامي
ولَكَــمْ أَصـَخْتُ إلـى أَناشـيدِ الأَسـى
وتنهُّـــــــدِ الآلامِ والأَســــــقامِ
وإلــى الرِّيـاحِ النَّائحـاتِ كأَنَّهـا
فــي الغــابِ تبكــي ميّـت الأَيَّـامِ
وإلــى الشــَّبابِ مغَنِّيــاً متَرَنِّمـاً
حــوْلي بأَلحــانِ الغَـرامِ الظَّـامي
وسـَمِعْتُ للطَّيـرِ المغـرِّدِ فـي الفضَا
والســِّنديانِ الشــَّامخِ المتَســامي
وإلــى أَناشــيدِ الرُّعــاةِ مُرِفَّــةً
فــي الغــابِ شـاديةً كسـِرْبِ يَمـامِ
وإلـى الصـَّدى المِمْراحِ يهتُفُ راقصاً
بَيْــنَ الفِجــاجِ الفيــحِ والآكــامِ
حتَّــى غَــدَا قلــبي كنــايٍ متْـرعٍ
ثَمـــلٍ مـــن الأَلحــانِ والأَنغــامِ
فَشــَدَوْتُ بــاللَّحنِ الغريـبِ مجنَّحـاً
بكآبَــــــــــــــةِ الأَحلامِ والآلامِ
فـي الغـابِ دنيـا للخيـالِ وللرُّؤى
والشـــــِّعرِ والتفكيــــرِ والأَحلامِ
للـــهِ يـــومَ مضـــيتُ أوَّلَ مــرَّةٍ
للغــابِ أَرزحُ تَحْــتَ عبــءِ سـَقامي
ودخَلتُـــهُ وحــدي وحــوْلي مــوكبٌ
هَــــزِجٌ مــــن الأَحلامِ والأَوهـــامِ
ومشـــيتُ تَحْـــتَ ظِلالــهِ متَهَيِّبــاً
كالطِّفــلِ فــي صـَمْتٍ وفـي استسـلامِ
أَرنــو إلـى الأَدواحِ فـي جبروتهـا
فأخالُهــا عَمَــدَ الســَّماءِ أَمـامي
قَــدْ مسـَّها سـِحْرُ الحَيَـاةِ فـأَوْرَقَتْ
وتَمَــــايَلَتْ فــــي جنَّـــةِ الأَحلامِ
وأُصــيخُ للصــَّمتِ المفكِّــرِ هاتفـاً
فـــي مِســمعي بغــرائبِ الأَنغــامِ
فــإذا أَنــا فــي نشــوَةٍ شـِعريَّةٍ
فيَّاضــــَةٍ بــــالوحيِ والإِلهـــامِ
ومشـــاعري فــي يقظــة مســحورة
وَســـْنَى كيقظــةِ آدَمٍ لمَّــا ســَرَى
فــي جســمهِ روحُ الحَيَـاة النَّـامي
وَشــَجتْهُ موسـيقى الوُجُـودِ وعـانقتْ
أَحلامَــــهُ فــــي رقَّـــةٍ وســـَلامِ
ورأى الفَراديــسَ الأَنيقَــةَ تنثنـي
فـــي متْــرَفِ الأَزهــارِ والأَكمــامِ
ورأى الملائكَ كالأَشــعَّةِ فـي الفَضـَا
تَنْســـابُ ســـابحةً بغيــرِ نظــامِ
وأَحــسَّ روحَ الكــونِ تخفــقُ حـولهُ
فــي الظِّــلِّ والأَضــواءِ والأَنســامِ
والكَائِنـــاتِ تحـــوطُهُ بحَنانهــا
وبحبِّهــا الرَّحْـبِ العميـقِ الطَّـامي
حتَّــــى تَمَلأ بالحَيَـــاةِ كيـــانُهُ
وســــعى وراءَ مـــواكبِ الأَيَّـــامِ
ولَـــرُبَّ صـــُبْحٍ غـــائمٍ متحجِّـــبٍ
فـــي كِلَّــةٍ مــن زَعْــزَعٍ وغَمــامِ
تتنَفَّــسُ الــدُّنيا ضــَباباً هائمـاً
متــدفِّعاً فــي أُفْقــهِ المُتَرامــي
والرِّيحُ تخفقُ في الفَضَاءِ وفي الثَّرى
وعلــى الجبــالِ الشــُّمِّ والآكــامِ
بـاكَرْتُ فيـهِ الغـابَ موهـونَ القُوَى
متخـــاذِلَ الخُطُـــواتِ والأَقـــدامِ
وجلســتُ تَحْــتَ السـِّنديانَةِ واجمـاً
أرنـو إلـى الأُفُـقِ الكئيـبِ أَمـامي
فـأَرى المبـانيَ فـي الضَّبابِ كأَنَّها
فِكْـــرٌ بـــأَرضِ الشــَّكِّ والإِبهــامِ
أَو عـالَمٌ مَـا زالَ يولَـدُ فـي فضـا
ءِ الكــونِ بَيْــنَ غيــاهبٍ وســدامِ
وأرى الفِجــاجَ الدَّامِســاتِ خلالَــهُ
ومشــــاهدَ الوديـــانِ والآجـــامِ
فكأَنَّهــا شــُعَبُ الجَحيــمِ رهيبــةً
ملفوفــــةً قــــي غُبْشــــَةً وظَلامِ
صــُوَرٌ مــن الفـنِّ المـروِّعِ أعجـزتْ
وَحْــي القريــض وريشــَةَ الرَّســَّامِ
ولَكَـــمْ مَســـَاءٍ حـــالمٍ متوشــِّحٍ
بالظِّــلِّ والضـَّوءِ الحزيـنِ الـدَّامي
قَــدْ سـِرْتُ فـي غـابي كفِكْـرٍ هـائمٍ
فــــي نَشـــْوَةِ الأَحلامِ والإِلهـــامِ
شــِعري وأَفكــاري وكُــلُّ مشــاعري
مَنْشــــورةٌ للنُّــــورِ والأَنْســـامِ
والأُفْــقُ يزخَــرُ بالأَشــعَّةِ والشـَّذى
والأَرضُ بالأَعشـــــابِ والأَكمـــــامِ
والغــابُ ســاجٍ والحيــاةُ مُصـِيخةٌ
والأفْــقُ والشــَّفَقُ الجميـلُ أَمـامي
وعــروسُ أحلامــي تُــداعبُ عُودَهَــا
فيــرنُّ قلــبي بالصــَّدى وعظــامي
روحٌ أَنـــا مســحورةٌ فــي عَــالمٍ
فَــوْقَ الزَّمــانِ الزَّاخــرِ الـدَّوَّامِ
فـي الغـابِ في الغابِ الحبيبِ وإنَّهُ
حَــرَمُ الطَّبيعَـةِ والجمـالِ السـَّامي
طهَّــرْتُ فـي نـارِ الجمـالِ مَشـاعري
ولقيــتُ فـي دنيـا الخَيـالِ سـَلامي
ونسـيت دنيـا النـاس فهـي سـخافة
ســـكرى مـــن الأوهــام والآثــام
وقَبســْتُ مــن عَطْـفِ الوُجُـودِ وحُبِّـهِ
وجمـــالهِ قبســـاً أَضــاءَ ظلامــي
فرأيــتُ أَلــوانَ الحَيَــاةِ نضـيرةً
كنضــارَةِ الزَّهـرِ الجميـلِ النَّـامي
ووجـدتُ سـحرَ الكـونِ أَسـمى عنصـراً
وأَجــلَّ مــن حُزْنــي ومِــنْ آلامــي
فــأَهَبْتُ مســحورَ المشـاعر حالمـاً
نشــوانَ بـالقلبِ الكئيـب الـدَّامي
أَلمعبــدُ الحـيُّ المقـدَّسُ هـا هنـا
يــــا كــــاهِنَ الأَحـــزانِ والآلامِ
فــاخلعْ مُسـُوحَ الحـزنِ تَحْـتَ ظِلالِـهِ
والبــــسْ رِداءَ الشــــِّعرِ والأَحلامِ
وارفــعْ صــَلاتَكَ للجمــالِ عَميقــةً
مشــــبوبةً بحــــرارَةِ الإِلهـــامِ
واصــدَحْ بأَلحــان الحيـاة جميلـةً
كجمــال هــذا العــالَم البســَّامِ
واخفقْ مع العِطْر المرفرفِ في الفضا
وارقــصْ مــع الأَضــواءِ والأَنســامِ
ومـع الينـابيع الطليقـة والصـدى
وذَرَوْتُ أَفكــاري الحزينَــةُ للـدُّجى
ونَثَرْتُهــــا لعواصــــِفِ الأَيَّـــامِ
ومَضـــَيْتُ أَشــدو للأشــعَّةِ ســاحراً
مــن صــوت أحزانـي وبطـش سـقامي
وهتفــتُ يــا روحَ الجمـالِ تَـدَفَّقي
كــالنَّهرِ فــي فِكـري وفـي أَحلامـي
وتغلغلـي كـالنُّورِ فـي روحـي التي
ذَبُلَــــتْ مــــن الأَحـــزانِ والآلامِ
أَنـتِ الشـُّعورُ الحـيُّ يزخَـرُ دافقـاً
كالنَّـارِ فـي روحِ الوُجُـودِ النَّـامي
ويَصــُوغُ أَحلامَ الطَّبيعَــةِ فــاجعلي
عُمُـــري نشــيداً ســاحرَ الأَنغــامِ
وشــذًى يَضـوعُ مـع الأَشـعَّةِ والـرُّؤى
فـي معبـدِ الحـقِّ الجليـلِ السـَّامي
أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم الشابي. شاعر تونسي في شعره نفحات أندلسية، ولد في قرية الشابية من ضواحي توزر عاصمة الواحات التونسية في الجنوب. قرأ العربية بالمعهد الزيتوني بتونس وتخرج من مدرسة الحقوق التونسية وعلت شهرته. ومات شاباً بمرض الصدر ودفن في روضة الشابي بقريته. له (ديوان شعر -ط) و(كتاب الخيال الشعري عند العرب) و(آثار الشلبي -ط) و(مذكرات -ط).مولده 24 فبراير 1909 ووفاته 9 اكتوبر 1934 .