هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
زُر السـجن فـي بغـداد زورة راحم
لتَشــهَد للأنكــاد أفجــع مشــهد
محـلّ بـه تهفـو القلـوب من الأسى
فإن زرتَه فاربط على القلب باليد
مربَّــع ســور قــد أحـاط بمثلـه
محيــط بـأعلى منـه شـِيدَ بقرمـد
وقـد وصـلوا مـا بيـن ثان وثالث
بمعقــود ســقف بالصــخور مُشـيَّد
وفـي ثـالث الأسـوار تشـجيك ساحةٌ
تمــور بتيّـار مـن الخسـف مُزبِـد
ومـن وسـط السـور الشَماليّ تنتهي
إليهـا بمسـدود الرتـاجين مُوصـَد
هـي السـاحة النكراء فيها تلاعبَتْ
مخـاريق ضـيم تخلِـط الجِـدّ بالدَد
ثلاثـون مـتراً فـي جـدار يحيطهـا
بسـمكٍ زهـاءِ العشر في الجو مُصعِد
تواصــلت الأحــزان فـي جنباتهـا
بحيــث مــتى يبَـلَ الأسـى يَتَجـدَّد
تَصـَعَّدَ مـن جـوف المراحيـض فوقها
بخـار إذا تَمـرُرْ بـه الريح تَفْسُد
هنـاك يـودّ المـرء لوقـاءَ نفسـَه
وأطلقهــا مــن أسـر عيـشٍ مُنكَّـد
فقـف وسـطها وانظر حوالَيْك دائراً
إلـى حُجَـر قـامت علـى كـل مُقْعَـد
مقــابر بالأحيــاء غصـَّتْ لُحُودُهـا
بخمــس مئيــن أنفــس أو بأزيـد
وقـد عَمِيَـتْ منها النوافذ والكُوى
فلـم تكتحـل مـن ضـوء شمس بمروَد
تظــنّ إذا صـدرَ النهـار دخلتَهـا
كأنّـك فـي قِطـع مـن الليـل أسود
فلـو كـان للعُبّـاد فيهـا إقامـةٌ
لصـلَّوا بهـا ظهـراً صـلاة التَهَجُّـد
يــزور هبـوبُ الريـح إلاّ فناءهـا
فلـم تَحْـظَ مـن وصل النسيم بمَوْعد
تَضـيق بهـا الأنفـاس حـتى كأنمـا
علــى كــل حيـزوم صـفائح جَلْمَـد
وحـتى كـأن القـوم شـُدَّتْ رقـابهم
بحبـل خِنـاق مُحكَـم الفتـل مُحصـَد
بهــا كـل مخطـوم الخشـام مـذلّلٍ
مـتى قِيد مجروراً إلى الضيم ينقد
يَــبيت بهـا والهـمّ ملـءُ إهـابه
بليلـةِ مَنْبُـول الحشـا غيـر مُقصَد
يُميــت بمكــذوب العـزاء نهـاره
ويحيـي الليـالي غيـرَ نـوم مُشَرَّد
يَنُــوءُ بأعبــاء الهـوان مقيَّـداً
ويكفيـه أن لـو كـان غيـر مقيّـد
وتَقْــذِفهم تلـك القبـور بضـغطها
عليهــم لحــرّ السـاحة المتوقِّـد
فيرفــع بعــض مــن حصـير ظلالـةً
ويجلــس فيهــا جلســة المتعبّـد
وليــس تقيــه الحــرّ إلا تَعِلّــةً
لنفـس خلـت مـن صـبرها المتبـدّد
وبــالثوب بعــض يسـتظِلُّ وبعضـهم
بنسج لعاب الشمس في القَيْظ يرتدي
فمـن كـان منهـم بالحصـير مُظَّللاً
يعـــدّونه ربّ الطِــراف الممــدّد
تراهـم نهـار الصـيف سُفْعاً كأنهم
أثــافيّ أصــلاها الطُهـاة بمَوْقِـد
وجــوه عليهــا للشــُحوب ملامــح
تلـوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقـد عمّهـم قَيـد التعاسـة مُوثَقاً
فلــم يتميّــز مُطلَــق عـن مقيّـد
فســيّدهم فــي عيشـه مثـل خـادم
وخــادمهم فــي ذُلّــةِ مثـل سـيّد
يخوضــون فـي مسـتنقع مـن روائح
خبـائثَ مهمـا يَـزْدَدِ الحـرُّ تَـزْدَد
تـدور رؤس القـوم مـن شـمّ نَتْنها
فمَـن يـك منهـم عـادم الشمّ يُحسَد
تراهـم سـكارى في العذاب وما هم
ســكارى ولكــن مـن عـذاب مُشـدَّد
وتحســـبَهم دوداً يعيــش بحمــأة
ومــا هــو مـن دود بهـا متولِّـد
ألا رب حــرّ شـاهد الحكـم جـائراً
يقـود بنـا قَـوْد الـذَلول المعبَّد
فقـال ولـم يَجهَـر ونحـن بمنتـدىً
بـه غيـر مـأمون الوشـاية ينتدى
علــى أي حكــم أن لأيــة حكمــة
ببغـداد ضـاع الحـقُّ من غير منشد
فـأدنيت للنجـوى فمـي نحـو سمعه
وقلــت لأن العــدل لــم يتبغـدد
رعـى اللـه حيّـاً مسـتباحاً كـأنه
مـن الـذُعر أسراب النَعام المطرَّد
ومـا صـاحب البيت الحقير بناؤها
بــأفزع مــن ربّ البّلاط الممــرَّد
ومـا ذاك إلاّ أنهـم قـد تخـاذلوا
ولـم ينهضـوا للخصـم نهضـة مُلِبد
فنـاموا عـن الجُلَّـى ونمتُ كنومهم
ســوى نَوْحــةٍ منــي بشـعر مغـرِّد
وهـل أنـا إلا مـن أولئك أن مشوا
مشــيت وأن يَقعُــد أولئك أقعــد
وكـمُ رمـتُ أيقاظـاً فأعيا هُبُوبُهم
وكيـف وعـزم القـوم شـارب مُرقِـد
نهوضـاً نهوضـاً أيها القوم للعلا
لتبنـوا لكـم بنيـان مجـدٍ مُوَطَّـد
تقــدمنا قــوم فأبْعَــدَ شــوطُهم
وقـد كـان عنـا شـوطهم غيرَ مُبْعِد
وســدّ علينــا الاعتشـافُ طريقَنـا
فـــأجحف بـــالغَوْريّ والمتنجِّــد
أفـي كـل يـوم يزحف الدهر نحونا
بجنـدٍ مـن الخطـب الجليـل مجنَّـد
فيــا ربّ نَفِّـس مـن كـروب عظيمـة
ويــا ربّ خفّــف مـن عـذاب مشـدَّد
معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي.شاعر العراق في عصره، من أعضاء المجمع العلمي العربي (بدمشق)، أصله من عشيرة الجبارة في كركوك، ويقال إنها علوية النسب.ولد ببغداد، ونشأ بها في الرصافة، وتلقى دروسه الابتدائية في المدرسة الرشيدية العسكرية، ولم يحرز شهادتها.وتتلمذ لمحمود شكري الآلوسي في علوم العربية وغيرها، زهاء عشر سنوات، واشتغل بالتعليم، ونظم أروع قصائده، في الاجتماع والثورة على الظلم قبل الدستور العثماني.ورحل بعد الدستور إلى الأستانة، فعين معلماً للعربية في المدرسة الملكية، وانتخب نائباً عن (المنتفق) في مجلس (المبعوثان) العثماني.وانتقل بعد الحرب العالمية الأولى إلى دمشق سنة (1918)، ورحل إلى القدس وعين مدرساً للأدب العربي في دار المعلمين بالقدس، وأصدر جريدة الأمل يومية سنة (1923) فعاشت أقل من ثلاثة أشهر، وانتخب في مجلس النواب في بغداد.وزار مصر سنة (1936)، ثم قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني ببغداد فكان من خطبائها وتوفي ببيته في الأعظمية ببغداد.له كتب منها (ديوان الرصافي -ط) (دفع الهجنة - ط)(محاضرات في الأدب العربي - ط) وغيرها الكثير.