هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
إليـكَ فمـا الـدّنيا وإن عُظِّمـت قدراً
سوى الدمنةِ الخضراءِ والمحنةِ الكُبرى
ديــارٌ براهــا اللـه قـدماً لحكمِـهِ
مغيَّبـــةً عنَّـــا وأوهبَهـــا عُمــرا
وأنشــأ منهـا الخلـقَ أمـراً يُريـدُهُ
وأودعَهـم فيهـا إلـى النشـأةِ الأُخرى
وأجــرى عليهــم مــا يريـدُ وقـوعَهُ
وألهمَهــمْ صــبراً وواعــدَهُمْ أجــرا
وفــوَّضَ فيهــا الأمــرَ حكمـاً لنفسـِهِ
وأتقنَهـــا صــُنعاً وأوســعَها بــرَّا
فهيكلُهــا يســبي العقــولَ تعجُّبــاً
ومنظرُهــا الأســنى نحيـرُ بـه فِكـرا
تــتيهُ بمــا قـد خصـَّها مـن محاسـنٍ
معطَّـــرةِ الأرجـــاءِ طيَّبـــةٍ نَشــْرا
وفــي كــلِّ وقــتٍ إنْ نظـرتَ لشـكلِها
تقــولُ ســلاماً هـذه الجنَّـةُ الصـُّغْرى
مطـــالعُ أنـــوارٍ مشـــارقُ بهجــةٍ
معــارجُ أســرارٍ نميــلُ بهـا سـُكرا
نجــــومٌ وأفلاكٌ تظــــلُّ جواريــــاً
مـدى الـدهرِ لا تنحـلُّ يومـاً ولا تَبرا
شـــموسٌ وأقمـــارٌ تغيــبُ وتنجلــي
علينـا مـدى الأيامِ في القبّةِ الخضرا
ريـــاضٌ وأزهـــارٌ طيـــورٌ ســواجعٌ
فــواكهُ أشــجارٍ نزيــدُ بهـا شـُكرا
عيـــونٌ وأنهـــارٌ تســيلُ جواريــاً
كمـا الفضةُ البيضاءُ نُفشي بها السِّرا
مآكــــلُ أقـــواتٍ مشـــاربُ لـــذَّةٍ
مطــاعمُ لــن نسـطعْ لأنواعِهـا حَصـرا
ديــارٌ براهــا اللــهُ نزهـةَ نـاظرٍ
وطهَّرهـــا بطنـــاً وشــرَّفها ظَهْــرا
فمِـنْ أرضـِها الياقوتُ يُخلقُ في الثَّرى
ومنهـا نَـرى البيضـاءَ تخرجُ والصَّفرا
معـــادنُ أحجـــارٍ منـــابتُ فضـــَّةٍ
مــواطنُ أبــرارٍ تــتيهُ بهـا فَخْـرا
ولكنَّهـــا تفنــى ويَبلــى نعيمُهــا
وترجـعُ بعـدَ اليـأسِ مـن حملِها قَفرا
وفــي كــلِّ قــرنٍ إن نظـرتَ لشـأنِها
تُرحِّــلُ مَــنْ فيهــا وتنـثرهُمْ نَـثرا
وتـــأتي بــأقوامٍ وتفعــلُ فعلَهــا
فلا خالــدٌ تبقيــهِ حَيَّــاً ولا بَكــرا
فلا خيـرَ فـي دارٍ بهـا المـوتُ قـاطنٌ
يُراقــــبُ أهليهــــا وإنْ مُلئتْ دُرّا
ولســنا نـرى الأفعـالَ منهـا حقيقـةً
فــذلكَ ممـا يُـوجبُ المَيـنَ والكُفـرا
فليــسَ لغيــرِ اللــهِ فيهــا تصـرفٌ
إلــهٌ تعـالى يَخلـقُ النفـعَ والضـَّرا
تـــدورُ بهــا الأفلاكُ طبــقَ قضــائِهِ
تبـاركَ مـن مـولىً إذا مـا قَضى أمْرا
فلا زحــلٌ فــي الكـونِ يـأتي بمحنـةٍ
ولا منحـةٌ في الدهرِ تأتي بها الزّهرا
لِــدُنيا براهــا اللــهُ جنَّـةَ كـافرٍ
وأودعَ فيهـا المـوتَ سـيَّانِ والفَقـرا
وأرسـلَ كلـبَ الجـوعِ فيها على الورى
عــدوّاً فلــم يقبــلْ لمعتـذرٍ عُـذرا
يصــولُ علــى المخلـوقِ صـولةَ فاتـكٍ
إذا لــم يجـدْ قوتـاً فيقتلـهُ جَهْـرا
فمــنْ خــوفهِ الإنسـانُ يصـبحُ ناصـباً
شـياكاً لصـيدِ القـوتِ أنواعُهـا تَترى
فيجمـعُ منهـا المـرءُ بالكـدِّ والشقا
ليـدرأ بـالمجموعِ عـن نفسـهِ الشـرّا
وَمــن أجلِــهِ الإنسـانُ يُلقـي بنفسـِهِ
عيانـاً على المكروهِ في حالةِ العُسرى
فهـذا هُـو الـداءُ الـذي حيَّـرَ الورى
وأمسـَتْ بـه الحوبـاءُ تسـتَعبدُ الحُرّا
قديمــةُ عهــدٍ فــي الوجـودِ وإنَّنـا
لنحســبُها مــن وشـيِ بُرقعهـا عُـذرا
فكــــانت وشـــيطابيل حربـــاً لآدمٍ
عجـوزاً لحاهـا اللـهُ تستنبطُ السِّحرا
تخيـــلُ للأبصـــارِ حتَّـــى وإنَّنـــا
لنحسـبُ طيـرَ المـاءِ مِـن سحرِها صَقرا
ونحســبُ أنَّ الهــرَّ مـن فـرطِ سـحرِها
إذا عـاينَ الجـرذانَ مِـن هـرةٍ نمـرا
شـــديدةُ بطـــشٍ لا تمـــلُّ تقلُّبـــاً
فلا عيشــُها يصــفو ولا جُرحُهـا يَـبرا
فكــم غيبـتْ فـي الأرضِ وجهـاً منعمـاً
وكـم كسـفَتْ شمسـاً وكـم خَسـفَتْ بـدرا
وكــم عفّــرتْ بــالتربِ خـداً مـورداً
وكـم أحرقَـتْ قلبـاً وكـم صـعَّدتْ زَفرا
وكــم خيّلــت سـِحراً وألقـتْ حبالَهـا
وأفنـتْ جيوشـاً مثـلَ داحـسَ والغـبرا
وكـم رفعتْ في الدهرِ قوماً على الهَبا
وكـم نصـبَتْ قومـاً ولكـن علـى الإغرا
وكــم حـلَّ فيهـا مـن أنـاسٍ تقـدّموا
وهـاموا بهـا عشقاً وتاهُوا بها فخْرا
تلاهَـوا عـن الأُخـرى ومالوا معَ الهوى
وغرّتهــمُ الــدّنيا بزخرفِهــا قَسـْرا
فراحـوا ولـم نـدرِ بمـاذا يُقـابَلوا
مـن الواحـدِ القهّارِ في باطنِ الغبرا
فــإنْ كـان فيمـا أسـلفوهُ فبـالحري
وإنْ كـانَ بـالغفرانِ فهـوَ بـهِ أحـرى
دخلْنــا إليهــا مُكرَهيـن ولـم نَـزلْ
حَيـارى بهـا والمرءُ من شأنِه الحَيرا
ونخـــرجُ منهـــا جـــاهلينَ لأنَّهــا
هـي الروضـةُ الغنَّـاءُ والحيَّةُ البَتْرا
فــديتُك خــلِّ العقــلَ عنــكَ وَنَحِّــهِ
فليــسَ لــهُ فيهــا مجـالٌ ولا قـدرا
تخــالفَتِ الأقــوالُ فيهــا تبايُنــاً
فلا أحــدٌ مِنّــا أحــاطَ بِهــا خُبْـرا
فمــا هــيَ إلّا دهشــةٌ تصـرعُ الحجـى
وحــرفٌ غريـبٌ فـي الحـروفِ فلا يُقـرا
بهــا مــرضٌ أعيـا الأطبـاء والرُّقـى
مـتى صـادفَت شخصـاً فتنوي له الغَدرْا
وإنْ أبصـَرتْ فـي الحـيِّ ظبيـاً مُنعَّمـاً
فَتَصـلي لـه فَخـاً وتُوقـع بـهِ الشَّفْرا
وإن عــاينتْ كبشــاً غريبـاً فتَنثَنـي
وتصـنع لـهُ طوقـاً وتَبنـي لـهُ قصـْرا
تُعربــدُ مهمــا مســَّها مــن سـفاهةٍ
فتحســبُها مـن سـوءِ أفعالِهـا سـَكرى
مــتى دخلــت للســرِّ تبغــي طهـارةً
فتــدخلُ بــاليُمنى وتَخـرجُ باليُسـرى
وإن وقفــــتْ ليلاً تصـــلِّي فريضـــةٌ
فتنـوي قبيلَ الفرضِ من جهلِها الوِترا
تســـتِّر أعلاهـــا بفاضـــِلِ بُردِهــا
وتكشـفُ عمَّـا يـوجبُ الصـَّونَ والسـّترا
تميــلُ مــع العشــَّاقِ ميلــةَ عـاهرٍ
فتوســعُهم صــَفعاً وتقتلُهــمْ قهْــرا
وتُبــدي لهــم دلّاً يــذلُّ لـه الفَـتى
وتوعـــدُهُم وصــلاً وتنجزُهــم حَســرا
فمـــا هـــيَ إلّا جيفـــةٌ وكِلابُهـــا
عليهـا مـدى الأيّـامِ تلقـى لهم هَمْرا
فــإن واصــلَتْنا بالكمــال فمرحبـاً
وإن صــارمَتنا بالمَلالــة فــالعقرا
فلا يأســَفِ الإنســانُ إنْ هــيَ أدبَـرتْ
عليهـــا فلا واللــهِ إنْ نَبعَــتْ دُرَّا
فمـــا هـــيَ دارٌ للخلــودِ وإنَّمــا
بَراهـا لتلـكَ الـدارِ فاطِرُهـا جِسـْرا
هبطنــا عليهــا واللعيــنُ رفيقُنـا
بـأمرٍ قضـاه اللـهُ قـد حيَّـر الفِكْرا
وســلَّطه قهــراً علــى النـاسِ قـولهُ
وأجلــي عليهــم فهـي موعظـةٌ أُخـرى
تعوّضـــها الملعــونُ صــفقةَ خاســرٍ
عــنِ الجنَّــةِ الفيحـا ليملأَهـا وِزرا
فصـــارتْ لـــهُ داراً مقيلاً وأهلُهــا
عبيــداً سـوى أبنـاءِ ضـرَّتِها الأُخـرى
يصــول بهــا شــرقاً وغربـاً وقبلـةً
ولــم يُبـقِ بـرّاً مِـنْ أذاهُ ولا بَحْـرا
ويجـري ببعـضِ النـاس مجـرى دمـائِهم
فيملأهُـــم فســقاً ويشــحنُهم كِــبرا
فهـذا هـوَ الأصـلُ الـذي جلـبَ العَنـا
لوالِــدنا فيمــا أســاءَ بـهِ مَكْـرا
وحتّــى مــنَ الجنّــاتِ أخـرجَ عاريـاً
وقــد كـانَ فيهـا لا يجـوعُ ولا يَعـرى
وصــيَّرنا فيمــا تــراهُ مــن البلا
بـدارِ هـوانٍ تُنبـتُ الخمـطَ والسـِّدرا
مــتى ضــحكتْ يومــاً تريــكَ مــودَّةً
فتبكيــكَ فيمــا تبتليـكَ بـهِ شـَهْرا
وإن أنعَمــتْ عفــواً عليــكَ بنعمــةٍ
فتأتيـكَ بـالمكروهِ فـي صـورةٍ أُخـرى
نُعــاني بهـا الأهـوالَ فـي كُـلِّ شـدَّةٍ
إذا حســَرتْ أكمامَهــا أنشـبَتْ ظِفـرا
ونهضـــمُ فيهــا كــلَّ شــخصٍ مبــددٍ
ثقيـلٍ يـرضُّ الصـخر إن وطـئَ الصـَّخرا
وفيهــا ضــباعٌ تأكـلُ الميـتَ جهـرةً
وتعـدو علـى الأعظـامِ تتسـوَّرُ القبرا
وفيهـــا ذئابٌ مــع وحــوشٍ كواســرٍ
وفيهـا ارتـوت تملأ السـَّهلَ والـوعرا
وفيهــا حـدأةٌ تخطـفُ اللحـمَ دائمـاً
وتعلـو علـى الأشـجارُ تستعمل الوَكرا
وفيهـــا أنــاسٌ بالصــلاحِ تلبَّســوا
ولكنَّهُــمْ بـالمكرِ فـاقوا أبـا مُـرَّا
فمنهــمْ شــديدُ المكـرِ يسـعى بعمـةٍ
لهـا عذبـة للنَّصـب يبغـي بها الجرّا
فيــأتي إلـى النزهـاتِ قـانصَ سـبحةٍ
بيمنـاهُ والتلـبيس مـالئ به العُسرى
أكــولٌ مـتى مـا شـامَ قِـدراً مُعرَّمـاً
فيأكــلُ أكلاً بالغــاً يحسـف القـدرا
ومنهــم أنــاسٌ بــالطَّريق تلبَّســوا
يرومـون جـرَّ المـالِ بالعمَّـةِ الصَّفرا
فمنهـم نَـرى الـدجَّالَ يُبـدي ذوائبـاً
ويَمشـي كمشـي الضـُّلِّ بالشالةِ الحمرا
فيرجـو بها المضروبَ في الشام عاجلاً
ويطمـعُ بالمسـكوكِ فيمـا يلـي مِصـرا
وإن رُمــتُ أستقصــي مظــاهرَ قُبحهـا
وأنـواعَهم في الكون تلوي بي الكَثْرا
فـأيُّ سـرور يلحـقُ المـرءَ فـي الدُّنا
وفيهــا رزايـا لا نُطيـقُ لهـا ذِكْـرا
فمـــا هـــي إلّا حســـرةٌ وندامـــةٌ
يراهـا غـدُ الإنسـانِ من باطنِ الغبرا
عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي الفضل الموصلي الشيباني الكوكباني القادري الصوفي.شيخ شاعر، وأستاذ بليغ، أحد أشهر المشايخ الواعظين ، ومن أعيان الصوفية بدمشق ولد في دمشق في حي الميدان، ألف وطلب العلم ومهر وساد وأقبل على مطالعة الدواوين الشعرية وله فيها نظم حسن كثير وديوان متداول مشهور.وقد توفي إلى رحمه الله يوم الجمعة الواقع 14 من محرم سنة 1118ه.له (ديوان شعر -ط).