هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
لا تفزعــي يــا أرضُ لا تفرَقـي
مــن شـَبَحٍ تحـت الـدُّجى عـابرِ
مـــا هـــو إلَّا آدمــيٌّ شــقي
ســمَّوْهُ بيـن النـاسِ بالشـاعرِ
حنانَـــــكِ الآن فلا تُنكــــري
ســبيلَهُ فــي ليلــكِ العـابسِ
ولا تُضـــــلّيهِ ولا تنْفـــــري
مــن ذلـك المستصـرخ البـائسِ
مُـدِّي لعينيـهِ الرّحـابَ الفِساحْ
ورقرقــي الأضــواءَ فـي جفنـهِ
وامسـكي يـا أرضُ عصـْفَ الرياحْ
والرّاعــدَ المنصـبَّ فـي أذنِـه
أتســـمعينَ الآن فـــي صــوتهِ
تَهَـــدُّجَ الأنَّــاتِ مــن قلبــهِ
وتقرأيـــنَ الآنَ فـــي صــمتِهِ
تَمـــرُّدَ الــرُّوحِ علــى ربــهِ
فـي وقفـةِ الـذّاهلِ ألقى عصاهْ
مُــولّيَ الجبهـةِ شـطرَ الفضـاءْ
كأنمـا يَرْقـى الـدجى نـاظراهْ
ليستَشــِفّا مــا وراءَ السـماءْ
يَسـقُطُ ضـوءُ الـبرقِ فـي لمحـهِ
علـــى جــبينٍ بــاردٍ شــاحِبِ
ويســتثيرُ الــبردُ فـي لفحـهِ
نــاراً تَلظَّــى مـن فـمٍ ناضـبِ
أنــتِ لــه يــا أرضُ أمٌ رؤومْ
فأشــهدي الكـون علـى شـِقوَتهْ
وردِّدي شــكواهُ بيــن النجـومْ
فهـوَ ابنُـكِ الإنسـانُ في حيرتهْ
مــا هــو إلا صــوتُكِ المرسـلُ
وروحُــكِ المســتعبَدُ المرهَــقُ
قــد آدَهُ الــدهرُ بمـا يحمـلُ
فجـــاءَ عـــن آلامِــهِ ينطــقُ
طغَـى الأسـى الـدّاوي على صوتهِ
يـا للصـَدَى مـن قلبـهِ النَّاطقِ
مضــى يبـثُّ الـدهرَ فـي خفْتـهِ
شــكايةَ الخلـقِ إلـى الخـالقِ
لا تَعْــدُني يـا ربِّ فـي محنـتي
مـــا أنــا إلَّا آدمــيٌّ شــقي
طَرَدْتَنــي بــالأمس مــن جنـتي
فـاغفرْ لهـذا الغاصـبِ المحنَقِ
حنانـــكَ اللهـــمَّ لا تغضـــبِ
أنـتَ الجميلُ الصفحِ جمُّ الحنانْ
مـا كنـتُ فـي شـكوايَ بالمذنبِ
ومنــكَ يــا ربِّ أخـذتُ الأمـانْ
مـا أنـا بـالزاري ولا الحاقدِ
لكننـي الشـَّاكي شـقاءَ البشـَرْ
أفنيـتُ عمـري في الأسى الخالدِ
فجئتُ أســتوحيكَ لطــفَ القـدَرْ
تمــرَّدت روحــي علــى هيكلـي
وهيكــلُ الجســمِ كمــا تعلـمُ
ذاك الضـعيفُ الـرأيِ لـم يفعلِ
إلَّا بمــا يــوحي إليـه الـدمُ
يَعــرُقُ حـدُّ السـيفِ مـن لحمـه
ويحطـــمُ الصــّفوانُ بنيــانَهُ
وينخَــرُ الجرثــومُ فـي عظمـهِ
ومنــهُ يُنْمـي القـبرُ ديـدانُه
مــا هـوَ إلَّا كومـةٌ مـن هبـاء
تمحقــهُ اللمســةُ مـن غضـبتِكْ
فكيـف يشـني الـروحَ عما تشاء
وكيـف يقـوى وهـي مـن قـدرتكْ
روحُـكَ فـي روحـي تبـثُّ الحياهْ
نزلــتُ دنيــايَ علــى فجرِهـا
فــإنْ جفاهـا ذاتَ يـومٍ سـناهْ
لاذتْ بليـلِ المـوتِ فـي قبرِهـا
ومثلمـــا قـــدَّرْتَ صـــوَّرتَها
فروحـكَ الصـوتُ وروحـي الصـدَى
طبيعــةٌ فــي الخلْـقِ ركَّبتهـا
ومـا أرى لـي فـي بِناهـا يدا
لكنّمـــا روحُــكَ مــن جــوهرِ
صـافٍ وروحـي مـا صـَفتْ جـوهرا
أوْ لا فمــا للخيـرِ لـم يُثمـرِ
فيهـا ومـا للشـرِّ قـد أثمـرا
تقــولُ روحــي إنهــا مُلهَمـهْ
فهــيَ لمــا قــدَّرْتُه مُتبِعــهْ
مقــودةٌ فــي ســيرها مُرْغمَـهْ
وإنْ تـــراءَتْ حـــرَّةً طيِّعـــهْ
قيّــدتها بالجســم فـي عـالمِ
تضــجُّ بالشـهوة فيـهِ الجسـومْ
كلاهمـــا فـــي حبّــهِ الآثــمِ
لـم يصْحُ من سُكراهُ وهو الملومْ
تُبـدي بـهِ الأجسامُ سحرَ الحياهْ
فـي معـرضٍ يجلـو غريبَ الفنونْ
نــواعسَ الأجفـانِ حُـوَّ الشـفاهْ
شـديدةَ الإِغـراءِ شـتَّى الفتـونْ
ولــم أكــنْ أولَ مُغــرَى بمـا
أغــرَتْ بــهِ حــواءَ أو آدمـا
إرثٌ تمشــَّى فــي دمـي منهمـا
ميراثـــهُ ينتظــمُ العالمــا
فــأنتَ قــدَّرتَ علــيَّ الشـقاء
مـن حيـثُ قـدَّرتَ علـيّ النعيـمْ
ومـا أرى هـل فـي غدٍ لي ثواء
بالخلـدِ أمْ مثوايَ نارُ الجحيمْ
مــا أثِمــتْ روحـي ولا أجرمـتْ
ولا طغــى جســمي ولا اسـتهترا
عناصــرُ الــروح بمـا أُلهِمَـتْ
أوحـت إلـى الجسـمِ فمـا قصَّرا
كلاهمــا لــم يَعْــدُ تصــويرَهُ
مــا كــان إلَّا مِثلمــا كُوِّنـا
كــم حــاولا بــالأمسِ تغييـرَهُ
فاسـتكبرَ الطبـعُ ومـا أذعنـا
أمنــذِري أنـت بيـومِ الحسـابْ
ولائمــي أنــتَ علـى مـا جـرى
رُحمـاك مـا يرضيكَ هذا العذَابْ
لطيّــعٍ لــم يَعْــصِ مـا قُـدِّرا
مــا كنــتُ إلا مثلمــا رُكِّبَـتْ
غـرائزي مـا شـئتَ لا مـا أشاء
فلتجزِهــا اليـوم بمـا قـدَّمتْ
وإن تكــنْ ممــا جَنتـهُ بـراء
وفيــمَ تُجـزى وهـيَ لـم تـأثمِ
ألسـتَ أنـت الصـائغَ الطابعـا
ألــمْ تســِمْها قبـلُ بالميسـمِ
ألــمْ تصـُغْ قالبهـا الرائعـا
ألــم تصــُغْها عنصـراً عنصـرا
مـن أين ما علمي وأنت العليمْ
جَبَلتهــا يــومَ جبلـتَ الـثرى
مـن عـالم الذرِّ ودنيا السَّديمْ
الخيــرُ والشـرُّ بهـا توأمـانْ
والحــبُّ والشـهوة فـي طبعِهـا
حــوّاءُ والشــيطانُ لا يبرحـانْ
يُســاقِطان السـّحرَ فـي سـمعِها
تشــكّكتْ نفســي بمــا تنتهـي
إليــهِ دنياهـا ومـاذا يكـونْ
مضــتْ فمـا آبـتْ بمـا تشـتهي
مـن حيـرة الفكر وهجس الظنونْ
رأتْ إســاري فـي قيـودٍ ثقـالْ
بيــن يــدَيْ ذي مِـرّةٍ يبسـمونْ
يســوقهم فـي فلـواتِ الليـالْ
فــي بطـشِ جَبَّـارينَ لا يرحمـونْ
إنْ ضـجَّ فـي الأغلالِ منهـم طليحْ
أخرســهُ الســوطُ الـذي يُرهـفُ
وإنْ هــوى للأرضِ منهــمْ جريـحْ
أنهضـــهُ فــي قيــدهِ يَرْســُفُ
يـا ويحهـم مـا عرفـوا مَوئِلا
مـن قسـوةِ الدهرِ وجورِ القضاء
يـا أرضُ مـا كنـتِ لنـا منزلا
مــا أنـتِ إلا موبـقُ الأبريـاء
أفـي سـبيل العيشِ هذا الصراعْ
أم فـي سـبيل الخلـدِ والآخـرهْ
وهــؤلاء البائســونَ الجيــاعْ
تطحنهـم تلـك الرَّحـى الدائرهْ
مـا ذنـبُ هـذا العالم الثَّائِرِ
إنْ حــاولَ الإفلاتَ مــن آســره
مــا كـانَ فـي ميلادهِ الغـابرِ
أســعدَ حـالاً منـهُ فـي حاضـره
مـا كـانَ لـو لـم تنـزُ آلامُـهُ
بالمــاجنِ الـرُّوحِ ولا الهـائمِ
ولــو جــرَتْ بالصــفوِ أيـامهُ
مـا كـانَ بـالرَّازي ولا الناقمِ
رأى بعينيـه المصـيرَ الرهيـبْ
وكيـف غـالَ النـاسَ مـن قبْلِـه
وكــلَّ يــومٍ للمنايــا عصـيبْ
يســوقُهم للمــوتِ مــن حـولِهِ
فحقَّــرَ الــدُّنيا وأزرى بهــا
وقـالَ مـا لـي أنكـرُ الواقعا
فلتَســْعَدِ النفــسُ بأنخابهــا
من قبْلِ أن تلقى الغدَ الرائعا
أيصـبحُ الإنسـانُ هـذا الرميـمْ
والجيفـةَ الملقاةَ نهبَ الترابْ
أيسـتحيلُ الكـونُ هـذا الهشيم
والظلمـة الجاثمُ فيها الخراب
لمـنْ إذاً تبـدعُ تلـك العقـولْ
أفـي الـرَّدى تـدرك مـا فاتها
أم فـي غـدٍ تثوي بتلك الطلولْ
ويســـحقُ الــدهرُ يواقيتَهــا
وآســـفا للعـــالَمِ البــائدِ
ليــس لــه ممــا يـرى مهـربُ
علــى رنيـنِ المنجَـلِ الحاصـدِ
مضــى يُغنِّــي وهــوَ لا يطــربُ
فَــدَعهُ ينســى بعـضَ مـا حُمِّلا
مـن نكـد الدنيا وضنكِ الحياهْ
وأوْلِــهِ العطــفَ الــذي أمَّلا
فــإنهُ أولــى بعطــفِ الإلــهْ
مــا هــي إلَّا لحظــاتٌ قصــارْ
تَمُــرُّ مِثْـلَ الـومضِ فـي عينـهِ
فـإن مضـى الليلُ وجاءَ النهارْ
عــاودَهُ الخالــدُ مــن حزنـهِ
ومـا أتـى الغَـيَّ ليعصـى الإلهْ
يومــاً ولا كــان بــهِ مُغرَمـا
لكــنْ لينسـى شـقواتِ الحيـاهْ
وســرَّها المســتغلقَ المبهمـا
يـا للشـقيّ القلـبِ كـم سـامهُ
تــوهُّم النعمــةِ مـا لا يُطيـقْ
يُريـــدُ أن يُقنـــعَ أوهــامهُ
بــأنّهُ ذاك الخلــيُّ الطليــقْ
هأنــــذا أرفــــعُ آلامَــــهُ
إلــى ســماءِ المنقـذِ الأعظـمِ
أنــا الــذي ترســلُ أنغـامَهُ
قيثــارةُ القلـبِ ونـايُ الفـمِ
مـن عـبراتي صـُغتُ هذا المقالْ
ومـن لهيـب الـروحِ هذا القلمْ
ملأتُ منـــهُ صــفحاتِ الليــالْ
فضــمِّنَتْ كــلَّ معــاني الألــمْ
أنــا الــذي قدَّســْتَ أحزانَـهُ
الشـَّاعرُ البـاكي شـقاءَ البشرْ
فَجَّـــرْتَ بالرحمـــةِ ألحــانَهُ
فـاملأْ بهـا يـا ربِّ قلبَ القدرْ
مـا الشـاعرُ الفنّـانُ في كونهِ
إلَّا يــدَ الرحمــة مــن ربّــهِ
مُعَــزِّيَ العــالمِ فــي حزنِــهِ
وحامـــلَ الآلامِ عـــن قلبـــهِ
عـــزاؤهُ شـــعرٌ بــهِ أهــزجُ
فـــي نغــمٍ مســتعذَبٍ ســاحرِ
مــا يحـزنُ العـالم أو يبهـجُ
إلَّا علـــى قيثــارةِ الشــاعرِ
يـا ربِّ ما أشقيتني في الوجودْ
إلَّا بقلــبي ليتــهُ لــم يكـنْ
فـي المثـل الأعلى وحبِّ الخلودْ
حمّلتـهُ العبـءَ الـذي لـم يَهُنْ
خلقتــهُ قلبـاً رقيـقَ الشـغافْ
يهيـمُ بـالنورِ ويهـوى الجمالْ
حَلَـتْ لـه النجـوى ولذَّ الطوافْ
بعـالم الحسـنِ ودنيـا الخيالْ
بعثتــهُ طيـراً خفـوقَ الجنـاحْ
علــى جِنــانٍ ذاتِ ظــلٍّ ومـاءْ
أطلقتـهُ فيهـا قُبَيْـلَ الصـباحْ
وقلـتَ غـنّ الأرضَ لحـنَ السـماءْ
فهــامَ فـي آفاقهـا الواسـعهْ
النُّــورُ يهفـو حـولَهُ والنَّـدى
مُصـــفِّقاً للضــحوةِ الســاطعهْ
ومنشــداً مـا شـاءَ أن يُنشـدا
إنْ جـاءَ صـيفٌ أو تجلَّـى ربيـعْ
حيَّــاهُ منــهُ عبقـريُّ الغِنـاءْ
وكــم خريـفٍ فـي نشـيدٍ بـديعْ
تظــلُّ ترويـه ليـالي الشـتاءْ
قيثــارةٌ تصــدرُ فــي فنِّهــا
عـن عالم السِّحر ودنيا الخفاءْ
علـى الصـَّدَى الحائِر من لحنها
يسـتيقظُ الفجـرُ ويغفو المساء
مَشــتْ علـى الأمـواجِ أنغامُهـا
والأرضُ قيـدَ النشـوة المسـكِرهْ
كأنمــــا ترقـــصُ أحلامُهـــا
فــي ليلــةٍ شــرقيةٍ مُقمــرهْ
مــن قلبــهِ أسلَسـْتَ أوتارَهـا
فقلبُـــهُ يخفـــقُ فــي كفِّــه
يشـدو فتُملـي النفـسُ أسرارها
عليـهِ فهـيَ اللحـنُ مـن عزفـهِ
ذاتَ صـــباحٍ طـــار لا يُمهِــلُ
والأرضُ سـَكرى مـن عبيرِ الزهورْ
علــى حصــاها رنَّــمَ الجـدولُ
وفـي روابيهـا تُغنّـي الطيـورْ
مـا كـان يـدري قبلَ أن ينظرا
مـا خَبـأتْهُ النظـرةُ العـاجلهْ
مـا أبـدعَ الحلـم الـذي صوَّرا
لـوْ لـم تَشبْهُ اليقظةُ القاتلهْ
مــرَّ بنهــرٍ دافــقٍ سلســبيلْ
تهفـو القمـارى حـوله شـاديَهْ
فــي ضـفتيهِ باسـقاتُ النخيـلْ
ترعـى الشـياهُ تحتهـا ثـاغيهْ
فهـــاجت النظــرةُ ممــا رأى
فـي قلبـهِ الحسـرَ وفـي عينـهِ
الكــونُ يبـدو وادعـاً هـانئا
كــأنهُ الفــردوسُ فــي أمنِـه
فظــلَّ فـي التفكيـر مسـتغرقا
مـن فتنـة الـدنيا ومن سحرِها
مــا كــان إلَّا ريثمــا حـدَّقا
حــتى جَلَـتْ دنيـاهُ عـن سـرِّها
رأى بعينيــهِ الـذي لـم يَـرهْ
الـذئبَ والشـاةَ وحـربَ البقاءْ
مــا عَــرفَ القتـلَ ولا أبصـرهْ
ولا رأى مـن قبـلُ لـونَ الدماءْ
مــا هــي إلا صــرخاتُ الفـزعْ
وصــيحةُ المقتــولِ والقاتــلِ
قـد انقضـى الأمـرُ كأنْ لم يقعْ
وضـاع صـوتُ الحـقّ فـي الباطلِ
وبعــدَ سـاعاتٍ يُـوَلّي النهـارْ
ويقبــلُ الليــلُ ومــا يعلـمُ
ســيلبثُ الســرُّ وراءَ السـتارْ
ويختفـي الشـلوُ ويُمحـى الـدمُ
فـــرُوّع الشـــاعرُ ممــا رآهُ
وهــامَ فــي الأرض علـى وجهـهِ
أيـن تـرى يـا أرضُ يُلقي عصاهُ
وأيُّ وادٍ ضـــلَّ فـــي تيهـــهِ
حــتى إذا شــارفَ ظـلَّ الشـجرْ
فـي روضـةٍ غنـاءَ ريَّـا الأديـمْ
قـد ضـَحِكتْ للنـور فيها الزَّهرْ
وصـــفَّقَتْ أوراقُهــا للنســيمْ
إختـار فـي الظـلِّ لـه مقعـدا
فــي ربــوةٍ فاتنــةٍ ســاحرَهْ
أذاب فيهــا الشـفقُ العسـجدا
وناســمتها النفحـةُ العـاطرهْ
بينـا يُمَلِّـي العيـنَ من سحرها
إذ أبصــر الصـَلَّ بهـا مُطرقـا
قـد انتحـى الأطيـارَ في وكرِها
فســامَها مــن نــابهِ موبقـا
هـل سـمِعَتْ أذنـاك قصفَ الرعودْ
فـي صـخَبِ البحـرِ وعصفِ الرياحْ
هـل أبصـرتْ عيناك ركضَ الجنودْ
فـي فـزعِ المـوتِ وهولِ الكفاحْ
إن كنـتَ لـم تبصـرْ ولـم تسمعِ
فقِــفْ إلــى ميـدانها الأعظـمِ
مـــا بيــن ميلادكَ والمصــرعِ
مــا بيـن نـابي ذلـك الأرقـمِ
جريمــةُ الغــدرِ وسـفكِ الـدمِ
جريمـةٌ لـم يخـلُ منهـا مكـانْ
يــا لُجــةً كــلٌّ إليهـا ظمـي
قـد جـاز طوفانُـكِ شـمَّ القنانْ
مـن علّـم الوحشَ الأذى والقتالْ
مـن بـثَّ فيـهِ الشـرَّ أو ألهمهْ
مـن علّـم الثعبانَ هذا الختالْ
والحيــوانَ الغـدرَ مـن علّمـهْ
يـا أرضُ هـذا الوحيُ من عالمِكْ
المــاءُ والطيـنُ بـه يشـهدانْ
جنيــتِ يــا أرضُ علــى آدمِـكْ
إذ سـمته بـالأمسِ هجـرَ الجنانْ
يـا ضـلّة الشـاعر أين النجاهْ
وأيــن أيــنَ المنــزلُ الآمـنُ
أكـــلَّ وادٍ طرقتـــه خُطـــاهْ
طــالعهُ منـهُ الـرَّدى الكـامنُ
حـتى إذا ضـاقتْ عليـهِ السـُّبُلْ
وعـزَّ فـي الأرض عليـهِ المقـامْ
أوى إلــى كهـفٍ بسـفح الجبـلْ
عســاهُ يقضـي ليلـه فـي سـلامْ
مــا كــان إلَّا حُلُمــاً كاذبـا
أفــاقَ منـهُ مسـتطيرَ الجَنـانْ
البحــرُ يُرغــي تحتـهُ صـاخبا
والشـّهبُ نـارٌ والـدياجي دخان
الأرضُ مــن أقطارهــا راجفــه
كأنمــا طـافَ عليهـا المنـونْ
تضــجُّ فـي أرجائهـا العاصـفه
كأنمــا النـاسُ بهـا يُحشـرونْ
ثــم اسـتقرَّ العـالمُ الثـائرُ
وأقبــلَ النــورُ وولّـى الظلامْ
واعَجبــاً ممــا يـرى الشـاعرُ
كأنمـا أمسـى بـوادي الحِمـامْ
بــدتْ لــهُ الأرضُ كقــبرٍ عفـا
إِلّا بَقايـــا رِمَّـــةٍ أو حجــر
قـد أصـبح القـاعُ بهـا صفصفا
فمــا عليهـا مـن حيـاةٍ أثـرْ
مــرَرْتُ بالبُلــدانِ مُســتعبرا
أبكـي الحضاراتِ وأرثي الفنونْ
أنقاضــُها تملأ وجــه الــثرى
وكــنَّ بــالأمس مثـارَ الفتـون
أتــى علــى اليـابسِ والأخضـرِ
المـوجُ والنـوءُ وسـيلُ الحُمَـمْ
يـا رحمـةَ اللَّهِ اهبطي وانظري
مــا حصـدَ المـوتُ ودكَّ العَـدَمْ
أيسـتحقُّ النـاسُ هـذا العقـاب
أم حـانت السـاعةُ مـن نقمتـكْ
ما احتملوا يا ربّ هذا العذابْ
إلَّا رجــاءَ الغـوثِ مـن رحمتـكْ
أمــا تـرى منفرجـاتِ الشـفاهْ
عـن آخـر الصـيحات مـن رعبها
ما زال فيها من معاني الحياهْ
إيمــاءةُ الشـكوى إلـى ربهـا
وهــذه الأعيــنُ نهـبَ العفـاءْ
فـي رقـدةِ المـوتِ كأنْ لم تَنَمْ
مُحــدَّقاتٍ فـي نـواحي السـماءْ
تُشــهدها هــذا الأسـى والألـمْ
وهــذه الأيـدي تحـوطُ الصـدورْ
كأنهــا فــي موقــفٍ للصــلاهْ
لم تَنْسَ في نزْع الحياةِ الغرورْ
ضــــراعةً ترســـمها للإلـــهْ
مـا عرَفـوا فـي صـَعقاتِ الردى
إلَّاكَ مــن غــوثٍ ومــن منجــدِ
ولا سـرى فـي الأرض منهـم صـدى
إلَّا ودوّى باســــمِكَ الأمجــــدِ
أعــبرةً تــذكرها كــلَّ حيــنْ
للعــالم الــذَّاكرِ إمَّـا نسـِي
أمْ ضـــرباتٍ قاســياتٍ تُليــنْ
بهــنَّ قلــبَ الفــظِّ والأشــرسِ
أم موجـةُ الطهـرِ الـتي تغْسـلُ
مــآثمَ الكــونِ وتمحــو أذاهْ
يــا ربِّ ضــِقنا بالـذي نحمـلُ
فحســبُنا آلامُنـا فـي الحيـاهْ
ألــمْ تُطهِّــرْ ذلــك العالمـا
مــن كـل عـاصٍ أو غـويٍّ جمـوحْ
مـا غـادر المـوجُ بـهِ قائمـا
يـوم احتـوى الأعلامَ طوفانُ نوحْ
إذاً فمـا للنـاسِ ضـلُّوا الهدى
وأخطـأوا اليـوم سبيلَ الرشادْ
لعــلَّ نوحــاً أخطـأ المقصـدا
فـأغرقَ الخيـرَ ونجَّـى الفسـادْ
يــا ليتَـهُ لمّـا دعـا بـابنهِ
وحــالتْ الأمــواجُ أنْ يُســْمعا
لــجَّ عليـهِ القلـبُ فـي حزنـهِ
فلــم يـرَ الجـوديَّ لمّـا دعـا
يـا أرضُ ولّـى عهـدُ نـوحٍ وزالْ
فمــن لــكِ اليــومَ بطوفـانِهِ
مسـكينةً تطـوين بحـرَ الليـالْ
قــد عــزَّكِ المرســى بشـطآنِهِ
إلامَ تطــوين عُبــاب الســنينْ
شــوقاً إلـى فردوسـكِ الضـائعِ
غُــرّرْتِ يـا أرضُ بمـا تحلميـنْ
فاسـتيقظي مـن حلمـكِ الخـادعِ
وابقـيْ كمـا أنـتِ علـى مـوجهِ
تُمــزِّقُ الأنـواءُ منـك الشـراعْ
يقــذِفُكِ التيَّــار فــي لجِــهِ
عشــواءَ لا يهـديكِ فيـهِ شـعاعْ
ســلي القداســاتِ وأربابهــا
ضـراعةً تُصـغي إليهـا السـماءْ
أو فــاطرقي بـالبثِّ أبوابهـا
لعلّهــا ترفــعُ عنـكِ الشـقاءْ
يـا أيهـا الغادونَ والرائحونْ
فـي شـعبِ الأرضِ وليـل الهمـومْ
تُمسـون أشـتاتاً كمـا تصـبحونْ
والشـمس حيـرى فوقكم والنجومْ
مُدُّوا لها الأيدي وولُّوا الجباهْ
وأرســـلوها صـــيحةً واحــدهْ
قولوا لها يا من شهدتِ الحياهْ
مـن أيـنَ تلك النظرةُ الجامدهْ
مـن أيـنَ تلك النظرةُ الهادئهْ
والقسـماتُ المشـرقاتُ الجـبينْ
هــل أنـتِ مـن آلامنـا هـازئهْ
أم أنـتِ يـا أعيـنُ لا تُبصـرينْ
أم هكـذا أوحـى إليـكِ القضاءْ
فمــا عرفـتِ الحـزنَ والأدمعـا
يا أيُّها الناس اضرعوا للسماءْ
قــد آن أن تُصـغي وأن تشـْفعا
هاتوا الأزاهيرَ وهاتوا الغصونْ
وكــلَّ مــا يحلـو ومـا يجمـلُ
قـد آن أن تُفْضـوا بما تشعرونْ
فأشـعلوا النـارَ بهـا أشعلوا
أو فـاملأوا مـن زهرها اليانعِ
مجـامرَ النـارِ وألقوا البخورْ
وصــعِّدوا فــي ذِلّــةِ الضـارعِ
أنفاسـكم نشـْوى بتلـك العطورْ
أحبــبْ بهـا مـن أنَّـةٍ عـاطرهْ
فــي مســمعِ الأملاكِ إذ تصــعدُ
أصــداؤُها الرفَّافَـةُ الحـائره
فــي وجههــا الآفـاق لا توصـدُ
يــا أرض نـاديتُ فلـم تسـمعي
أنكـرتِ صـوتي وهـو مـن قلبـكِ
لا تَفرقـــي منــي ولا تَفزعــي
مــن شــاعرٍ شــاكٍ إلـى ربِّـكِ
أيَّتُهــا المحزونــةُ البـاكيهْ
لا تيأســي مـن رحمـةِ المنْقِـذِ
لعــلَّ مــن آلامِــكِ الطــاغيهْ
إذا دعــوتِ اللــه مـن منفَـذِ
فـــابتهلي للــه واســتغفري
وكفّــري عنــكِ بنــار الألــمْ
وقــدِّمي التوبــةَ واســتمطري
بيــن يَــدْيهِ عــبراتِ النـدمْ
علي محمود طه المهندس.شاعر مصري كثير النظم، ولد بالمنصورة، وتخرج بمدرسة الهندسة التطبيقية، وخدم في الأعمال الحكومية إلى أن كان وكيلاً لدار الكتب المصرية وتوفي بالقاهرة ودفن بالمنصورة.له دواوين شعرية، طبع منها (الملّاح التائه)، (وليالي الملاح التائه) و(أرواح شاردة) و(أرواح وأشباه) و(زهر وخمر) و(شرق وغرب) و(الشوق المائد) و(أغنية الرياح الأربع) وهو صاحب (الجندول) أغنية كانت من أسباب شهرته.