هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚتبرع الانجميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
جميع الحقوق محفوظة © الشعر العربي 2026
قَيْسُ بنُ زُهَيْرٍ، سَيِّدُ قَبِيلَةِ عَبسٍ فِي زَمَنِهِ وَقائِدُها فِي حَرْبِ داحِسٍ وَالغَبْراءِ، وَقَدْ وَقَعَتْ هذِهِ الحَرْبُ بِسَبَبِ رِهانِهِ مَعَ حُذَيْفَةَ بنِ بَدْرٍ عَلَى فَرَسَيْهِما داحِسٍ وَالغَبْراءِ، وكانَ فارِساً شاعِراً حَكيماً يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ بدهائِهِ فَيُقَال: (أَدْهى مِن قَيسٍ)، وَحِينَ طالَتْ حَرْبُ داحِسٍ وَالغَبْراءِ أَمَرَ قَوْمَهُ بِالصُّلْحِ وَرَحَلَ إِلَى عُمانَ وَتَنَصَّرَ هُناكَ وَبقيَ فِيها حَتَّى ماتَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذلِكَ فِي وَفاتِهِ.
عَمْرُو بْنُ الحارِثِ بْنِ مُنَبِّهٍ النِهْمِيّ، اشْتُهِرَ بِاِبْنِ بَرّاقَةَ نِسْبَةً إِلَى أُمِّهِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلَةِ نِهْمِ الهَمْدانِيَّةِ، مِنْ الشُّعَراءِ الصَّعالِيكِ فِي الجاهِلِيَّةِ، وَقَدْ عُرفَ بِالشَّجاعَةِ وَالفَتْكِ وَكانَ مِنْ عَدّائِي العَرَبِ، أَدْرَكَ الإِسْلامَ فَأَسْلَمَ وَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَهُوَ مِنْ الشُّعَراءِ المُقِلِّينَ، أَشْهَرُ شِعْرِهِ مِيمِيَّتُهُ الَّتِي مَطْلَعُها: (تَـقُـولُ سُلَيْـمَـى لا تَعَـرَّض لِتَلْفَـةٍ وَلَيْلُكَ عَنْ لَيْلِ الصَّعالِيـكِ نائِمُ)، تُوفِّيَ بعدَ السَّنةِ الحادية عشرةَ للهِجرةِ.
الحُطَيْئَةُ هُوَ جَرْولُ بنُ أَوسٍ العَبْسِيُّ، شاعِرٌ مُخَضْرَمٌ عاشَ فِي الجاهِلِيَّةِ وَأَدْرَكَ الإِسْلامَ، وَهُوَ راوِيَةُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَعدّهُ ابنُ سلّامٍ فِي الطَبَقَةِ الثانِيَةِ في طبقاتِ فُحولِ الشُّعراءِ، وكانَ مِنْ أَكْثَرِ الشُّعَراءِ تَكَسُّباً بِشِعْرِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْجَى الشُّعَراءِ القُدامَى؛ فقد هَجا أُمَّهُ وَأَباهُ وَهَجاً نَفْسَهُ، وَقَدْ سَجَنَهُ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ لِهِجائِهِ الزِّبرِقانِ بنِ بَدْرٍ، أَدْرَكَ خِلافَةَ مُعاوِيَةَ بنَ أبيِ سُفْيانَ، وَتُوُفِّيَ نَحْوَ سَنَةِ 45هـ/ 665م.
قُطْبَةُ بْنُ أَوْسٍ، وَيُلَقَّبُ بِالحادِرَةِ أَوْ الحُوَيْدِرَةِ وَمَعْناهُ الضَّخْمِ، مِنْ قَبِيلَةِ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ غَطْفانَ، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ مُقِلٌّ، أَشْهَرُ قَصائِدِهِ قصيدتُهُ العَيْنِيَّةُ ومَطْلَعُها (بَـكَــرَتْ سُـمَــيَّةُ غُدْوَةً فَتَـمَـتَّعِ / وَغَـدَتْ غُـدُوَّ مُـفــارِقٍ لَمْ يَرْجِـعِ) وَقَدْ اخْتارَها المُفَضَّلُ الضَّبِيَّ ضِمْنَ المُفَضَّلِيّاتِ، عُرِفَ بِمُهاجاتِهِ مَعَ زَبّانَ بْنِ سَيّار الفَزارِيّ، وَلا يُعْرِفُ تارِيخُ وَفاتِهِ إِلّا أَنَّ أَخْبارَهُ تُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ عاشَ فِي أَواخِرِ العَصْرِ الجاهِلِيِّ.
الخَنْساءُ هِيَ تُماضِرُ بِنْتُ عَمرٍو بنِ الحارِثِ بنِ الشَّرِيدِ، مِن بَنِي سُلَيمٍ، شاعِرَةٌ مُخَضْرَمَةٌ، عاشَتْ فِي الجاهِلِيَّةِ وَأَدْرَكَتْ الإِسْلامَ فَأَسْلَمَتْ، وَوَفَدَتْ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللّٰهُ عَليهِ وَسَلَّمَ مع قومِها، فَكانَ الرسول يَسْتَنْشِدُها وَيُعْجِبُهُ شِعْرُها، اشْتُهِرَتْ بِرِثائِها لِأَخَوَيْها صَخْرٍ وَمُعاوِيَةَ اللَّذَيْنِ قُتِلا فِي الجاهِلِيَّةِ، وَتُعَدُّ الخَنْساءُ أَشْهَرَ شاعِراتِ العَرَبِ، تُوُفِّيَتْ نَحْوَ عامِ 24ه/645م.
لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جَعْفَرَ بْنِ كِلابٍ، مِنْ قَبِيلَةِ عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، مِنْ شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ وَفُرْسانِهِمْ وَأَشْرافِهِمْ، وَكانَ كَرِيماً نَذَرَ أَلّا تَهُبَّ الصَّبا حَتَّى أَطْعَمَ وَنَحَرَ، أَدْرَكَ الإِسْلامَ فَأَسْلَمَ، وَتَرَكَ قَوْلَ الشِّعْرِ بَعْدَ إِسْلامِهِ إِلّا بَيْتاً واحِداً، وَهُوَ مِنْ شُعَراءِ المُعَلَّقاتِ وَأَحَدِ المُعَمِّرِينَ عاشَ مِئَةً وَخَمْساً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَ ذلِكَ، سَكَنُ الكُوفَةَ بَعْدَ إِسْلامِهِ وَتُوُفِّيَ فِيها حَوالَيْ سَنَةِ 41 هـ المُوافِقَةِ لِسَنَةِ 661م.
حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ الخَزْرَجِيُّ الأَنْصارِيُّ، صَحابِيٌّ جَلِيلٌ وَشاعِرٌ مُخَضْرَمٌ عاشَ فِي الجاهِلِيَّةِ وَأسلم بعدَ دُخولِ الرّسولِ صلّى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ إلى المَدينَةِ، وحظي حسانُ بِمنزلةٍ كَبيرةٍ فِي الإسلامِ؛ حيثُ كانَ شاعِرَ الرَسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدافِعُ عَنْهُ وَيَهْجُو شُعَراءَ المُشْرِكِينَ، وَكانَ الرَّسُولُ يَقُولُ لَهُ: "اهْجُهُمْ وَرُوحُ القُدُسِ مَعَكَ"، عُرِفَ فِي الجاهِلِيَّةِ بِمَدْحِهِ لِلغَساسِنَةِ وَالمَناذِرَةِ، وتُوُفِّيَ فِي خِلافَةِ مُعاوِيَةَ وَكانَ قَدْ عَمِيَ فِي آخِرِ حَياتِهِ، وَكانَ ذلِكَ فِي حَوالَيْ سَنَةِ 54هـ/674م.
دُرَيدُ بْنُ الصِمَّةِ بْنِ الحارِثِ بْنِ مُعاوِيَةَ، يَعُودُ نَسَبُهُ إِلَى هَوازِنَ مِنْ قَيْس عَيْلانَ، كانَ سَيِّدَ قَبيلَتِهِ بَني جُشَمَ وَشَاعِرَهُم وَفارِسَهُم، وَقد خاضَ مِئَةَ غَزْوَةٍ ما أخفقَ بِواحِدَةٍ مِنْها، وَفَقَدَ إِخْوَتَهُ الأَرْبَعَةَ فِي وَقْعاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَرْثاهُمْ، وَأَشْهَرُهُمْ عَبْدُ اللهِ الَّذِي رَثاهُ بِقَصِيدَتِهِ الدالِيَةِ (أَرَثَّ جَـدِيــدُ الْحَـبْــلِ مِنْ أُمِّ مَعْـبَـدِ / لِعَـــاقِــبَــةٍ أم أَخْـلَفَــتْ كُـلَّ مَـوْعِــدِ) وَعُمِّرَ دُرَيْدُ طَوِيلاً فَقِيلَ إِنَّهُ عاشَ مِئَتَيْ عامٍ أَوْ نَحْوَ ذلِكَ، وَقُتِلَ فِي مَعْرَكَةِ حُنَينٍ إِذْ أَخْرَجَهُ قَوْمُهُ تَيَمُّناً بِهِ، فَماتَ عَلَى شِرْكِهِ، وَكانَ ذلِكَ فِي السَّنَةِ الثّامِنَةِ لِلهِجْرَةِ.
قَيْسُ بنُ الخَطِيمِ، مِن قَبِيلَةِ الأَوْسِ، شاعِرٌ مُخَضْرَمٌ أَدْرَكَ الإِسْلامَ وَلَمْ يُسْلِمْ، نَشَأَ يَتِيماً إِذْ قُتِلَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَلَمّا بَلَغَ أَخَذَ بِثَأْرَيْهِما، وَكانَ فارِساً شُجاعاً شَهِدَ عَدَداً مِنْ الوَقائِعِ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وَأَكْثَرَ شِعْرِهِ فِي يَوْمِ البُعاثِ، وَهُوَ مِنْ الشُّعَراءِ المُقَدَّمِينَ فِي الجاهِلِيَّةِ قَدَّمَهُ بَعْضُ الرُّواةِ وَعُلَماءُ الشِّعْرِ عَلَى حَسّانَ بنِ ثابِتٍ، وَهُوَ مِن طَبَقَةِ شُعَراءِ القُرَى فِي طَبَقاتِ ابنِ سَلامٍ. وقد قَتَلَهُ قَوْمٌ مِنْ الخَزْرَجِ بَعْدَ يَوْمِ البُعاثِ فِي حَوالَيْ السَّنَةِ الثّانِيَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
خِداشُ بنُ زُهيرٍ، مِن قَبيلَةِ عامِرِ بنِ صَعصعَةَ، شاعِرٌ جاهِلِيٌّ مِن أشرافِ قومِهِ وفُرسانِهم، شَهدَ حربَ الفِجارِ ولهُ فِيها أخبارٌ، وهو شاعِرٌ مُجيدٌ مُتقدِّمٌ، عَدّهُ أَبو عَمرِو بنُ العلاءِ أَشْعرَ مِن لَبيدٍ، وَهوَ مِن شُعراءِ الطَّبقةِ الخامِسَةِ عندَ ابنِ سَلَّامٍ فِي طَبقاتِ فُحولِ الشُّعراءِ.
هوَ قَيسُ بنُ زُهَيرِ بنِ جَذِيمَةَ بنِ رَواحَةَ بنِ رَبيعةَ بنِ مازنِ بنِ الحارثِ بنِ قُطَيعةَ بنِ عَبسِ بنِ بَغيضِ بنِ غَطفانَ.
وَذَكَرَ المَرْزُبانِيُّ فِي (مُعْجَم الشُّعَراءِ) أَنَّ أَبا قَيْسٍ زُهَيْراً كانَ أَبا عَشْرَةٍ وَأَخا عَشرَةٍ وَعَمَّ عَشرَةٍ، وَقادَ غَطَفانَ كُلَّها وَلَمْ تَجْتَمِعْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ فِي جاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ، وَقَتَلَهُ خالِدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ كِلابٍ فَسادَ عَبْساً بَعْدَهُ ابْنُهُ وَرقاءُ، وَقِيلَ إِنَّ وَرقاءَ رَأَى خالِداً فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِسَيْفِهِ وَكانَ عَلَى خالِدٍ دِرْعٌ، فَنَبا السَّيْفُ، فَقالَ وَرَقاءً:
رَأَيْتُ زُهَيْراً تَحْتَ كَلْكَلِ خالِد فَأَقْبَلْتُ أَسْعَى كَالعَجُولِ أُبادِرُ
فَشُلَّتْ يَمِينِي حِينَ أَضْرِبُ خالِداً فَيَمْنَعُهُ مِنِّي الحَدِيدُ المُظاهِرُ
وَإِخْوانُ قَيْسٍ تِسْعَةٌ كَما يَظْهَرُ مِنْ أَخْبارِ أَبِيهِ، عُرِفَ مِنْهُمْ مالِكٌ وَكانَ مَقْتَلُهُ مِنْ أَسْبابِ حَرْبِ داحِسٍ وَالغَبْراءِ، وَوُرَقاءُ وَهُوَ مَنْ خَلَفَ زُهَيْراً بَعْدَ مَقْتَلِهِ، وَمِنْ أَوْلادِ قَيْسٍ هِنْدٌ وَهُوَ أَبُو الشّاعِرِ المُساوِرُ بنُ هِنْدٍ.
قَيْسُ بنُ زُهَيْرٍ هُوَ سَيِّدُ قَبِيلَةِ عَبسٍ، وَكانَ فارِساً حَكِيماً ذا رَأَيٍ ولا تَصْدُرْ عَبسٌ إِلّا عَنْ رَأْيِهِ، وَذَكَرَ المَرْزُبانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ كانَ أَحْمَرَ أَعْسَرَ أَيْسَرَ بِكْرَ بِكْرَيْنِ، وَيُضْرَبُ المَثَلَ بِقَيْسِ بنِ زُهَيْرٍ فِي الدَّهاءِ، وَمِنْ كَلامِهِ، أَرْبَعَةٌ لا يُطاقُونَ: عَبْدٌ إِذا مَلَكَ، وَنَذلٌ إِذا شَبِعَ، وَأَمَةٌ إِذا وَرِثَتْ، وَقَبِيحَةٌ إِذا تَزَوَّجَتْ. وَلَهُ وَصايا أُخْرَى حَفِظْتَها كُتُبُ الأَدَبِ كَوَصِيَّتِهِ لِبَنِي النَّمِرِ بنِ قاسِطٍ حِينَ نَزَلَ فِيهِمْ.
وَنَشَأَ قَيْسٌ فِي أُسْرَةٍ صاحِبَةِ سِيادَةٍ وَمَكانَةٍ كَبِيرَةٍ، فَقَدْ كانَ أَبُوهُ زُهَيْرٌ سَيِّدَ غَطَفانَ جَمِيعِها. وَقَدْ قَتَلَهُ خالِدُ بنُ جَعْفَرٍ ثُمَّ احْتَمَى بِالنُّعْمانِ بنِ المُنْذِرِ فَقَتَلَهُ الحارِثُ بنُ ظالِمٍ وَكانَ مِنْ فُتّاكِ العَرَبِ، ثمَّ هَرَبَ الحارِثُ وَبَقِيَ مُتَخفِّياً زمناً يتنقّلُ بينَ القبائِلِ التي خَشِيتْ أَنْ تُجيرَهُ، فَقدْ عادَ إِلى قَبيلَتِهِ غَطفانَ لكنَّها رفَضَتْ أنْ تُجيرَهُ وغَضِبَتْ لِذلكَ عَبْسٌ وَبَعثَ إِليهِ قَيسُ بنُ زُهيرِ بِهذِهِ الأَبياتِ:
جزاكَ اللهُ خَيـراً مِن خَليـلٍ شَفـَى مِن ذِي تَبولَتِهِ الخَلِيلا
أزَحْتَ بِهـا جَوىً ودَخيـلَ نَفْسٍ تَمَـخَّـخَ أَعْظُـمِـي زَمَنـاً طَوِيلا
كَسَـوْتَ الجعـفَـرِيَّ أَبا جُزَيءٍ ولمْ تَحـفِـل بِهِ سَيـفاً صَقِيلا
فأَجابَهُ الحارثُ بنُ ظالِمٍ:
أَتانِـي عَنْ قُيَيْـسِ بَنِـي زُهَيْرٍ مَـقَــالَةَ كـاذِبٍ ذَكَرَ التُّبُولا
فَلَوْ كُنْـتُـمْ كَمـا قُلْتُمْ لَكُنْتُمْ لِقـاتِـلِ ثَأْرِكُـمْ حِرْزاً أَصِيـلا
وَلَكِـنْ قُـلْتُــمُ جـاوِرْ سِـوانــا فَـقَـدْ جَلَّلْتَـنـا حَدَثـاً جَلِيـلا
وعندَما قُتِلَ الحارثُ بنُ ظالمٍ، وقد قَتَلَهُ ابنُ الخِمْسِ وأَخَذَ سَيْفَه، فَأَتَى بِهِ سُوقَ عُكاظَ فِي الحَرَمِ، فَجَعَلَ يَعْرِضُهُ عَلَى البَيْعِ وَيَقُولُ: هذا سَيْفُ الحارِثِ بْنِ ظالِمٍ. فَاسْتَرْآهُ إِيّاهُ قَيْسُ بنُ زُهَيْرِ فَأَراهُ إِيّاهُ، فَعَلاهُ بِهِ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الحَرَمِ. فَقالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ يَرْثِي الحارِثَ بْنَ ظالِمٍ:
ما قَصَرَتْ مِنْ حاضِنٍ سِتْرَ بَيتِها أَبرَّ وَأَوفَى مِنكَ حارِ بنِ ظالِمِ
أَعزُّ وأَحمَى عِندَ جارٍ وذِمَّةٍ وَأَضْرَبُ فِي كابٍ مِنَ النَّقْعِ قاتِمِ
وَمِمّا وَرَدَ عَنْ قَيْسِ بنِ زُهَيْرٍ خِلافُهُ مَعَ الرَّبِيعِ بنِ زِيادٍ، فَقَدْ ساوَمَهُ الرَّبِيعُ يوماً عَلَى دِرْعٍ فأَبَى بَيعَها فَأَخذَها الرّبيعُ وكانَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ ثُمَّ رَكَضَ بِها فَلَمْ يَرُدَّها عَلَيْهِ، فَاعْتَرَضَ قَيْسُ بنُ زُهَيْرٍ أُمَّ الرَّبِيعِ فاطِمَةَ بِنْتَ الخُرْشُبِ فِي ظَعائِنَ مِنْ بَنِي عَبسٍ فَاقْتادَ جَمَلَها يُرِيدُ أَنْ يَرْتَهِنَها بِدِرْعِهِ. فَقالَتْ لَهُ: ما رَأَيْتُ كَاليَوْمِ قَطُّ فِعْلَ رَجُلٍ، أَيْنَ ضَلَّ حِلْمُكَ يا قَيْسُ، أَتَرْجُو أَنْ تَصْطَلِحَ أَنْتَ وَبَنُو زِيادٍ أَبَداً وَقَدْ أَخَذْتَ أُمَّهُمْ فَذَهَبْتُ بِها يَمِيناً وَشِمالاً فَقالَ النّاسُ فِي ذلِكَ ما شاؤُوا أَنْ يَقُولُوا: وَحَسْبُكَ مِنْ شَرٍّ سَماعُهُ فَأَرْسَلَتها مَثَلاً. فَعَرَفَ قَيْسٌ ما قالَتْ فَخَلَّى سَبِيلَها ثُمَّ أَطْرَدَ إِبِلاً لَهُ وَقِيلَ: إِبِلُهُ وَإِبِلُ إِخْوَتِهِ فَقَدمَ بِها مَكَّةَ فَباعَها لعَبْدِ اللّٰهِ بنِ جُدْعانَ.
وَمِنَ الأيَّامِ المَشهورةِ الَّتي خاضَها قيسٌ يَوْمُ شِعْبِ جَبَلَةَ، وَقَدْ كانَ هذا اليَوْمُ -كَما ذَكَرَ صاحِبُ العُمْدَةِ- مِنْ أَعْظَمِ أَيّامِ العَرَبِ، وَكانَ لِبَنِي عامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ وَعَبسٍ حُلَفائِهِمْ عَلَى الحَلِيفَيْنِ أَسَدٍ وَذُبْيانَ، فانْهَزَمَتْ فِيهِ تَمِيمٌ وَذُبْيانُ وَأَسَدٌ وَكِنْدَةُ وَمَنْ لَفَّ لَفَّهُم، وَفِيهِ أُسِرَ مُعاوِيَةُ بنُ الحارِثِ بنِ الجُونِ، أَسَرَهُ عَوفُ بنُ الأَحْوَصِ، وَجَزَّ ناصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ عَلَى الثَّوابِ، وَلَقِيَهُ قَيْسُ بنُ زُهَيرٍ فَقَتَلَهُ. فَأَتاهُمْ عَوفٌ فَقالَ: قَتَلْتُمْ طَلِيقِي فَأَحْيُوهُ أَو ائْتُونِي بِمِلْكٍ مِثْلِهِ. فَتَخَوَّفَتْ بَنُو عَبْسٍ شَرَّهُ وَكانَ مَهِيباً، فأَعطَوهُ أَخاهُ فَجَزَّ ناصِيَتَهُ وَأَعْتَقَهُ.
وَأَشْهَرُ الحُرُوبِ الَّتِي خاضَها قَيْسٌ وَارْتَبَطَتْ مُعْظَمُ أَخْبارِها بِهِ هِيَ حَرْبُ داحِسٍ وَالغَبْراءِ، فَهُوَ مِمَّنْ تَسَبَّبَ بِنُشُوبِها بَيْنَ عَبسٍ وَذُبْيانَ، وَذلِكَ أَنَّهُ تَراهَنَ هُوَ وَحُذَيْفَةُ بْنُ بدرٍ سَيِّدُ بَنِي ذُيبانَ عَلَى فَرِيسِهِما داحِسٍ "فَرَس قَيْسٍ" وَالغَبْراء "فَرَس حُذَيفَةَ"، وَتَواضُعاً الرِّهانَ عَلَى مِئَةِ بَعِيرٍ، فَيُقالُ إِنَّ حَمْلَ بنَ بَدْرٍ أَخُو حُذَيْفَةَ أَكْمَنَ فِي طريقِ الفرسينِ فِتْياناً، وَأَمَرَهُمْ إِنْ جاءَ داحِسٌ سابِقاً أَنْ يَرُدُّوا وَجْهَهُ عَنْ الغايَةِ، وَكانَ ذلِكَ، وَعَلِمَ قَيْسٌ بِما فَعَلُو. وَبَعَثَ حُذَيْفَةُ بْنُ بَدْرٍ ابْنَهُ مالِكاً إِلَى قَيْسٍ يَطْلُبُ مِنْهُ حَقَّ السَّبْقِ، فَقالَ قَيْسٌ: كَلّا لَأُمْطِلَنَّكَ بِهِ، فَتَناوَلَ ابْنُ حُذَيْفَةَ مِنْ عِرْضِ قَيْسٍ وَشَتَمَهُ وَأَغْلَظَ لَهُ، فَقَتَلَهُ قَيْسٌ. وَاجْتَمَعَ الحَيّانِ وَأَدَّوْا دِيَةَ المَقْتُولِ، وَأَخَذَها حُذِيفَةً دَفْعاً لِلشَّرِّ. ثُمَّ إِنَّ قَوْمَهُ نَدَّمُوهُ فَعادَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، وَقامَتْ الفِتَنُ بَيْنَ الحَيَّيْنِ، وَعَدا حُذِيفَةُ عَلَى مالِكِ بنِ زُهَيْرٍ أَخِي قَيْسٍ فَقَتَلَهُ، وَكانَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ مُعْتَزِلَ الحَرْبِ، فَلَمّا سَمِعَ بِمَقْتَلِ مالِكٍ شَقَّ ذلِكَ عَلَيْهِ وَقاتَلَ بَنِي ذُبْيانَ، ثُمَّ تَوالَتْ أَيّامُ الحُرُوبِ بَيْنَهُمْ، وَكانَ أَعْظَمُها يَوْمَ الهَباءَةِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ الحارِثُ بْنُ عَوْفٍ وَهَرِمُ بنُ سِنانٍ المُرِّيّانِ، وَحَمَلا دِياتِ القَتْلَى ثَلاثَةَ آلافِ بَعِيرٍ.
وَفِي يَوْمِ الهَباءَةِ الَّذِي كانَ لِعَبْسٍ عَلَى ذُبْيانَ قُتِلَ حُذَيْفَةُ بْنُ بَدْرٍ واخُوهُ حَمْلٌ، وَأَسْرَفَ قَيْسٌ فِي النِّكايَةِ وَالقَتْلِ، وَكانَتْ فَزارَةُ تُسَمِّي هذِهِ الوَقْعَةَ البَوارَ، وَلكِنْ فِيما بَعْد نَدِمَ قَيسٌ على ذلكَ وَرَثَى حَمْلَ بْنَ بَدْرٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ رَثَى مَقْتُولَهُ وَفِي ذلِكَ يَقُولُ:
تَعَلَّـمْ أَنَّ خَيْـرَ النَّـاسِ طُرّاً عَلـى جَفْرِ الْهَباءَةِ ما يَرِيمُ
وَلَـوْلا ظُلْمُـهُ مـا زِلْتُ أَبْكِي عَلَيْهِ الدَّهْرَ ما طَلَعَ النُّجُومُ
وَلَكِـنَّ الْفَتَـى حَمْـلَ بْنَ بَدْرٍ بَغَـى وَالْبَغْـيُ مَرْتَعُـهُ وَخِيمُ
وَقَدْ اسْتَمَرَّتْ هذِهِ الحَرْبُ ما يُقارِبُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَيُقالُ إِنَّهُ فِي نِهايَتِها أَشارَ قيسٌ عَلَى قَوْمِهِ بِالرُّجُوعِ وَالصُّلْحِ مَعَ قَوْمِهِمْ، وَرَفَضَ هوَ العَوْدَةَ مَعَهُمْ لِما أَحْدَثَهُ مِنْ قَتْلِ كَثِيرٍ فِي الحَرْبِ، فَهامَ عَلَى وَجْهِهِ وَقِيلَ ذَهَبَ إِلَى عُمانَ وَتَنَصَّرَ فِيها حَتَّى ماتَ.
اخْتَلَفَتْ الرِّواياتُ حَوْلَ وَفاةِ قَيْسِ بنِ زُهَيْرٍ، وَاتَّفَقَتْ عَلَى أنَّها كانَتْ بَعْدَ أَنْ انْتَهَتْ حَرْبُ داحِسٍ وَالغَبْراءِ، فَقِيلَ إِنَّهُ لَمّا طالَت الحَرْبُ وَمَلَّ أَشارَ عَلَى قَوْمِهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى قَوْمِهِمْ وَمُصالَحَتِهِمْ فَقالُوا: سِرْ نَسِرْ مَعَكَ. فَقالَ: لا وَللّٰهِ لا نَظَرْتُ فِي وَجْهِ ذُبْيانِيَّةٍ قَتَلْتُ أَباها أَوْ أَخاها أَوْ زَوْجَها أَوْ وَلَدَها. ثُمَّ خَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى لَحِقَ بِالنَّمِرِ بنِ قاسِطٍ، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ وَأَقامَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى عُمانَ فَتَنَصَّرَ بِها وأَقامَ حَتَّى ماتَ.
وَقِيلَ إِنَّهُ لَمّا أَسَنَّ وَقَعَدَ عَن الغاراتِ اشْتَدَّتْ فاقَتْهُ، فَخَرَجَ يَوْماً وَأَبْصَرَ قَوْماً يَشْتَوُونَ لَحْماً، فَلَمّا وَجَدَ رائِحَةَ القَتارِ دَبَّ إِلَيْهِمْ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُطْعِمُوهُ _ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ _ فَرَدُّوْهُ أَقْبَحَ رَدٍّ، فَقالَ: إِنَّ بَطْناً حَمَلَتْنِي عَلَى هذِهِ الخُطَّةِ لِحَقِيقٌ أَلّا يَدْخُلَها طَعامٌ وَلا شَرابٌ، وَأَمْسَكَ عَنْ ذلِكَ حَتَّى ماتَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ احْتاجَ فَكانَ يَأْكُلُ الحَنْظَلَ حَتَّى قَتَلَهُ، وَلَمْ يُخْبِرْ أَحَداً بِحاجَتِهِ.
وقالَ ابنُ حَجَرٍ في (الإصابة): والمعروفُ أنَّ قيسَ بنَ زُهيرٍ ماتَ قبلَ البِعثَةِ. إِلَّا أنَّ لويس شِيخو فِي (شُعراء النَّصرانيَّة) والزَّرْكَلِيَّ فِي (الأَعْلام) حَدَّدَا وَفاتَهُ بِنَحْوِ عامِ 10 لِلهِجْرَةِ.
"كانَ شَريفاً حازِماً ذا رأيٍ وكانتْ عبسٌ تَصدُرُ فِي حُروبِها عن رأْيِهِ "
(المرزُبانيّ/ معجم الشُّعراء).
(ابنُ سعيد/ نَشْوَةُ الطَّرَبِ فِي تارِيخِ جاهِلِيَّةِ العَرَبِ).
(البغداديُّ/ خزانة الأدب).